ميزان القوى الجديد في هرمز.. طهران تحكم السيطرة وتكسر الحصار الأمريكي!

تتجه منطقة غرب آسيا نحو معادلة استراتيجية جديدة فرضتها طهران في مضيق هرمز، محطمةً بها جدار الحصار الأمريكي الإسرائيلي. لقد تحول المضيق إلى أداة سيادية تدير من خلالها طهران حركة التجارة العالمية وفق قواعد خاصة.

ففي خطوة تؤكد التحكم الكامل في شريان الطاقة العالمي، أعلن رئيس لجنة الأمن القومي في البرلمان الإيراني عن إعداد آلية جديدة لتنظيم حركة الملاحة عبر مضيق هرمز على طول مسار محدد سيتم الكشف عنه قريباً.

الثورة / يحيى الربيعي

ووفقاً لما نقلته وكالة رويترز، فإن هذه الآلية ستقتصر حصراً على السفن التجارية والجهات المتعاونة مع إيران، مع تحصيل رسوم مالية مقابل الخدمات المتخصصة التي ستُقدم بموجبها، ما يعني عملياً إنهاء النفوذ الأمريكي في الممر المائي الأهم عالمياً.

هذا الفرض العملي للسيادة، تُرجم سريعاً على أرض الواقع الميداني؛ فقد أكدت هيئة العمليات التجارية البحرية البريطانية، قيام عسكريين إيرانيين بالاستيلاء على سفينة الشحن «Hui Chuan» التي ترفع علم هندوراس وتوجيهها نحو السواحل الإيرانية أثناء رسوها في خليج عمان، على بعد 38 ميلاً بحرياً شمال شرق إمارة الفجيرة. وأشارت مصادر مطلعة إلى أن السفينة المحتجزة كانت تعمل كـ”مستودع أسلحة عائم” لتخزين ذخائر شركات الأمن الخاصة التي تحمي السفن الغربية.

وأمام هذا الحسم الميداني، سارعت العواصم الأوروبية إلى خطب ود طهران؛ حيث أعلن التلفزيون الإيراني الرسمي عن بدء دول أوروبية مفاوضات مباشرة مع بحرية الحرس الثوري لتأمين ممر لأسفارها عبر مضيق هرمز، وذلك في أعقاب السماح بعبور سفن دول آسيوية أثبتت تنسيقها مع طهران مثل الصين واليابان وباكستان.

وفي السياق ذاته، أظهرت بيانات مجموعة بورصات لندن عبور سفينة الدعم “سابورا 1200” الماليزية للمضيق باتجاه سلطنة عمان، لتصبح رابع سفينة مرتبطة بـماليزيا تعبر الأسبوع الحالي ضمن اتفاق ثنائي سمحت بموجبه طهران لسبع سفن ماليزية بالمرور، مما يثبت أن مفاتيح الحركة البحرية باتت بالكامل في يد القيادة الإيرانية.

تضخم غير مسبوق وتخبط في شريان الطيران

في المقابل، يعيش كيان الاحتلال الإسرائيلي شللاً واضطراباً اقتصادياً حاداً يعكس عمق المأزق الذي وضعه فيه قادته جراء مغامرتهم غير المحسوبة ضد إيران. ونقلت صحيفة *كالكاليست* الاقتصادية العبرية بيانات صادمة تؤكد ارتفاع مؤشر أسعار المستهلك في “إسرائيل” بنسبة 1.2 % خلال أبريل الماضي، مسجلاً أعلى معدل شهري له منذ 18 عاماً (تحديداً منذ عام 2008م)، تحت وطأة قفزات الأسعار الناجمة عن تداعيات الحرب.

وعلى مستوى النقل الجوي، كشفت الأنباء عن عمق التخبط الذي تعيشه الشركات الإسرائيلية؛ فرغم المحاولات الخجولة لشركات طيران أجنبية مثل (مجموعة لوفتهانزا، ويز إير، إيجه، والاتحاد الإماراتية) لاستئناف رحلاتها تدريجياً، إلا أن شركات الطيران الإسرائيلية تواصل تقديم أسعار مرتفعة بفجوات تصل إلى 70 % مقارنة بالمنافسين الأجانب، مدفوعةً بتراجع قيمة الدولار الذي تسبّب في رفع بند رواتب الطيارين المقومة بالعملة الأمريكية.

وهذا الجشع والتخبط، فجّرا أزمة قانونية داخل مجتمع الاحتلال، حيث أفاد موقع واي نت الإسرائيلي بأن شركة الطيران الإسرائيلية العملاقة “إل عال”، تواجه دعوى قضائية جماعية أمام محكمة تل أبيب، تُقدَّر خسائرها بأكثر من 2.5 مليون شيكل (أكثر من 856.3 ألف دولار). وتأتي الدعوى بسبب قيام الشركة برد أموال الرحلات المُلغاة جراء الحرب على أقساط ودفعات مؤجلة بدلاً من إعادتها فوراً، وهو ما يخالف قانون خدمات الطيران الذي يُلزم برد المبالغ كاملة خلال 21 يوماً، مما يوضح حجم أزمة السيولة الخانقة التي تضرب قطاعات الاحتلال الحيوية.

اختناق وتكاليف باهظة

ولم تقتصر ارتدادات الفشل الأمريكي الإسرائيلي على جبهة الاحتلال الداعمة، بل امتدت لتضرب مفاصل الاقتصاد العالمي والتجارة الدولية. ففي سوق التأمين البحري، نقل موقع Insurance Day تحذيرات مشدَّدة من مكتتبي التأمين حول ثغرات كبيرة تشوب وثائق تأمين مخاطر حرب الشحن وسط اضطرابات البحر الأحمر والمضائق؛ إذ باتت بعض البنود “غير عادلة” لاعتمادها على صياغات قياسية قديمة تستثني الخسائر الناجمة عن إحباط العقود والاضطرابات التجارية بدلاً من الهجمات المادية المباشرة، مما يرفع كلفة الشحن الدولي إلى مستويات قياسية.

وفي خطوة تعكس هذا الارتفاع المضطرد للتكاليف، أعلنت شركة الشحن الدنماركية العملاقة “ميرسك” فرض رسوم إضافية بقيمة 400 دولار لكل وحدة على الشحنات الثقيلة عبر خدمة (X4FS) المتجهة من أربعة موانئ صينية إلى البرازيل والأرجنتين وأوروغواي اعتباراً من 29 مايو 2026م، مستهدفة الحاويات الجافة والمبردة ذات الأوزان الكبيرة، بحسب ما أورده موقع Container Mag.

وهذه الضغوط اللوجستية وتصاعد الأسعار، دفعا بوزارة الاقتصاد الألمانية إلى إطلاق تحذير شديد اللهجة عبر وكالة رويترز من ضربة قوية ستتلقاها المؤشرات الاقتصادية للبلاد خلال الربع الثاني من عام 2026م، بعد أن سجلت برلين نمواً ضئيلاً بنسبة 0.3 % فقط في الربع الأول، مؤكدة أن الارتفاع الحاد في الأسعار بات يؤثر سلباً وبشكل مباشر على المعنويات الاقتصادية للشركات والأسر الألمانية.

وبدورها، أعلنت شركات الطيران الصينية الكبرى رفع رسوم الوقود الإضافية على تذاكر الرحلات الداخلية ابتداءً من 16 مايو 2026م لتصل إلى 170 يواناً للرحلات الطويلة، لمواجهة قفزة أسعار وقود الطائرات.

وعلى الجانب الآخر، بدت الولايات المتحدة في حالة استجداء واضحة لتعويض النقص؛ حيث صرح وزير الطاقة الأمريكي لـ “رويترز” بأن واشنطن ستعوض كل برميل نفط يتم سحبه حالياً من الاحتياطي الاستراتيجي بإعادة ما لا يقل عن 1.2 برميل مكانه، في وقت كشفت فيه البيانات الجمركية عن تصدير نحو 40 % (ما يعادل 13 مليون برميل) من هذا النفط المسحوب إلى أوروبا ووجهات أجنبية أخرى لإنقاذ الحلفاء من شح إمدادات الطاقة.

في حين حاولت منصة “بلومبيرغ”، التخفيف من وطأة المشهد بالادعاء عبر شركة “تانكر تراكرز” بأن توقف شحنات النفط الإيرانية من جزيرة خارك ناجم عن تسرب نفطي وليس بسبب الحصار الأمريكي، في محاولة للتغطية على حقيقة الفشل في فرض أي حظر حقيقي على طهران.

وفي سياق الاضطراب ذاته، أنهت إدارة ترامب الإعفاء المؤقت الذي كان يسمح بزيادة مبيعات وشحنات النفط الروسي المحملة بحراً نزولاً عند ضغوط الحلفاء الأوروبيين، متجاهلة الضغوط المضادة من دول آسيوية كالهند وإندونيسيا لتمديد الإعفاءات من أجل تعويض نقص الإمدادات، وهو ما دفع وزير الطاقة الأمريكي للتوقع بأن تصبح الصين مشترياً أكبر للنفط الخام من الولايات المتحدة مستقبلاً، مستغلاً حاجة الأسواق الآسيوية للبدائل. وتوازياً مع هذه الأزمة، كشفت شركة النفط العملاقة “بي. بي” أنها تدرس بيع بعض أصول الغاز الطبيعي التابعة لها في مصر لإعادة هيكلة ديونها والبحث عن مشاريع أكثر ربحية، بعد 60 عاماً من الاستثمار هناك تجاوزت 35 مليار دولار.

استنزاف الحلفاء وتصدع التكتلات الإقليمية والدولية

لم تتوقف شظايا المغامرة الأمريكية عند حدود الغرب، بل أحدثت تصدعات سياسية واقتصادية واسعة لدى حلفائها في المنطقة والعالم. فقد انتهى اجتماع وزراء خارجية دول مجموعة “بريكس” في نيودلهي دون إصدار بيان مشترك جراء خلافات حادة حول الحرب على إيران؛ إذ طالبت طهران بالتنديد بالهجمات الأمريكية الإسرائيلية واتهمت الإمارات بالتورط فيها واستهداف منشآتها العسكرية، بينما رفضت أبوظبي هذه الاتهامات مدعية تعرضها لاعتداءات إيرانية واستهداف لبنيتها التحتية وملاحة مضيق هرمز، مما دفع الهند للاكتفاء بإصدار بيان رئاسي باهت عكس عمق التباين بين الأعضاء.

وفيما يشبه الاعتراف الضمني بتغيير موازين القوى البحرية، أعلنت الإمارات تسريع وتيرة بناء خط أنابيب النفط الجديد (غرب-شرق 1) المقرّر تشغيله بحلول عام 2027م، بهدف مضاعفة السعة التصديرية لشركة “أدنوك” عبر ميناء الفجيرة، محاولةً بشتى الطرق تجاوز مضيق هرمز الذي باتت طهران تتحكم في مساراته. وتزامن ذلك مع إعلان وزير الطاقة الإماراتي أن قرار بلاده بالانسحاب من منظمة “أوبك” وتحالف “أوبك+” كان خياراً سيادياً عقب تقييم شامل لسياسة الإنتاج وليس نتيجة خلافات سياسية، وهو الانسحاب الذي استغلته الهند سريعاً لتوقيع اتفاقيات لتعزيز أمن الطاقة والشراكة الدفاعية مع الإمارات، تضمنت استكشاف تخزين النفط الخام في الفجيرة وزيادة مخزون شركة “أدنوك” في الهند بما يصل إلى 30 مليون برميل للاستفادة من تحرر أبوظبي من قيود الإنتاج.

وعلى صعيد النزيف المالي المباشر، أظهرت بيانات وزارة المالية السعودية المنشورة عبر “بلومبيرغ” قفزة هائلة في الإنفاق العسكري للمملكة خلال الربع الأول من عام 2026م، حيث وصل إلى 64.7 مليار ريال سعودي (قرابة 17 مليار دولار) بنسبة زيادة بلغت 26 % على أساس سنوي، ما يعني أن الرياض استنفدت بالفعل 27 % من إجمالي ميزانيتها العسكرية المقررة للعام بأكمله خلال ثلاثة أشهر فقط لتأمين نفسها من تداعيات التصعيد. وترافق هذا الاستنزاف مع تكبد البورصات الخليجية خسائر أسبوعية جماعية حادة في الأسبوع الثاني من مايو 2026م مدفوعة بتراجع معنويات المستثمرين واضطراب أسواق الطاقة جراء تعثر محادثات السلام واستمرار إغلاق المضيق، حيث سجل مؤشر دبي الهبوط الأكبر بنسبة 6.4 %.

أما في الهند، فقد أعلنت الحكومة رفع أسعار البنزين والديزل بمقدار ثلاث روبيات للتر لأول مرة منذ أربع سنوات لتعويض خسائرها الناتجة عن ارتفاع أسعار النفط العالمية، كما فرضت نيودلهي قيوداً فورية على استيراد بعض منتجات وسبائك الفضة عالية النقاء لحماية احتياطيات النقد الأجنبي، بعد أيام قليلة من رفع الرسوم الجمركية على الذهب والفضة من 6 % إلى 15 % لكبح العجز التجاري ودعم الروبية المتهاوية.

وفي ظل هذا التبرم الدولي، بدأت القوى الأوروبية والآسيوية في عسكرة اقتصادياتها وتحركاتها؛ حيث أرسلت إيطاليا سفينتين كاسحتين للألغام باتجاه منطقة قريبة من مضيق هرمز عبر قناة السويس والبحر الأحمر وصولاً إلى جيبوتي كإجراء احترازي، تمهيداً للمشاركة في مهام دولية لحماية مصالحها، في حين أعلنت شركة “مرسيدس بنز” الألمانية، استعدادها لدخول مجال الإنتاج الدفاعي شريطة جدواه التجارية، معتبرة أن أوروبا بحاجة ماسة لتعزيز حضورها العسكري.

وفيما مددت اليابان العمل بالمستوى الإلزامي المخفض لمخزونات النفط الخام الخاصة حتى منتصف يونيو بعد نجاحها في توفير مصادر بديلة لـ 70 % من احتياجاتها النفطية التي لا تمر عبر هرمز، خرجت تايوان لتتمسك بالفتات الأمريكي، معتبرة عبر شبكة “ «CNBC أن مبيعات الأسلحة الأمريكية لها، تمثل حجر الزاوية لضمان أمنها، معلنة استمرار التواصل مع واشنطن لفهم موقفها بشأن مبيعات الأسلحة الإضافية، في مشهد يجسد حالة الذعر الشامل التي تضرب حلفاء واشنطن من شرق آسيا إلى عمق القارة الأوروبية جراء انكسار الهيبة الأمريكية في مياه الخليج.

قد يعجبك ايضا