معركة الوعي والقرآن

عادل حويس

في عالم تتسارع فيه مشاريع الهيمنة السياسية والثقافية والاقتصادية يظل القرآن الكريم احد اكثر النصوص حضورا وتأثيرا في تشكيل وعي الشعوب وصناعة إرادتها الحضارية.

ومن هنا يمكن فهم حالة العداء المستمرة التي تبديها القوى الاستكبارية والصهيونية تجاه هذا الكتاب العظيم فالمسألة لا تتعلق بخلاف ديني عابر أو تناقض فكري محدود بل بصراع عميق يمس طبيعة الإنسان ودوره في الحياة وحدود العلاقة بين الحرية والهيمنة وبين الكرامة الإنسانية ومشاريع الاستعباد الحديثة.
لقد أدركت القوى التي بنت نفوذها على السيطرة والاستغلال ان القرآن الكريم لا يقدم مجرد منظومة شعائرية أو خطابا روحيا منفصلا عن واقع الناس بل يطرح مشروعا متكاملا لتحرير الإنسان من الخضوع لغير الله ويؤسس لوعي قادر على مقاومة الظلم وكشف أدوات التضليل السياسي والثقافي.
فالقرآن يصنع إنسانا حرا لا يقبل الانكسار ويغرس في النفوس قيم العدالة والكرامة ورفض الطغيان وهو ما يجعل حضوره الفاعل في المجتمعات تهديدا مباشرا لكل منظومات الهيمنة التي تقوم على تغييب الوعي وأضعاف إرادة الشعوب.
أن الاستهداف المتكرر للمقدسات الإسلامية وفي مقدمتها المصحف الشريف لا يمكن قراءته بمعزل عن هذا الإدراك العميق لخطورة الوعي القرآني على مشاريع الاستكبار العالمي
فحين يحرق القرآن أو تشن حملات الإساءة ضده تحت ذرائع مختلفة فان الأمر يتجاوز حدود الاستفزاز العقائدي ليعكس حالة خوف حقيقية من القوة المعنوية والفكرية التي يمتلكها هذا الكتاب في نفوس المؤمنين.
انهم يدركون أن القرآن حين يتحول إلى منهج حياة فانه يحرر الإنسان من الخوف ويمنحه القدرة على التمييز بين الحق والباطل ويكشف زيف الشعارات التي ترفع باسم الحرية والديمقراطية بينما تمارس في الواقع أبشع أشكال القهر والاحتلال والاستغلال.
لقد سعت القوى الاستكبارية طوال العقود الماضية إلى إعادة تشكيل وعي المجتمعات عبر أدوات إعلامية وثقافية واقتصادية ضخمة هدفها إنتاج إنسان منزوع الهوية مستهلك فاقد للقدرة على التفكير النقدي والمواجهة غير أن القرآن الكريم ظل يشكل العائق الأكبر أمام هذه المشاريع لأنه يعيد بناء الإنسان من الداخل ويربطه بمنظومة قيمية تتجاوز المصالح الضيقة والهيمنة المادية. فالإنسان الذي يستمد وعيه من القرآن لا يمكن تحويله بسهولة إلى تابع أو أداة في مشاريع السيطرة لأنه يحمل داخله معيارا أخلاقيا وروحيا يجعله قادرا على رفض الظلم والانتصار لقضايا الحق والعدل.
ومن هنا تتضح حقيقة المعركة القائمة اليوم فهي ليست مجرد صراع سياسي او عسكري بل معركة على الوعي والهوية والمرجعية الفكرية
فالقوى الصهيونية والاستكبارية تدرك أن بقاء القرآن حاضرا في حياة الأمة يعني بقاء جذوة المقاومة حية واستمرار القدرة على مواجهة مشاريع الاحتلال والتطبيع الثقافي والسياسي ولذلك تعمل هذه القوى على تشويه المفاهيم القرآنية ومحاولة فصل المسلمين عن كتابهم أما عبر حملات التشويه المباشر أو عبر إغراق المجتمعات في أنماط من اللهو والاستهلاك والتفاهة التي تؤدي إلى تغييب الرسالة القرآنية عن واقع الحياة.
وفي المقابل فان التحدي الحقيقي أمام الأمة اليوم لا يقتصر على الدفاع العاطفي عن القرآن الكريم بل يتطلب العودة الواعية إلى مضامينه الحضارية والتحررية وتحويل قيمه إلى مشروع عملي ينهض بالإنسان والمجتمع.
فالقرآن لم ينزل ليكون مجرد نص يتلى بل ليكون منهجا يصنع العدل ويواجه الطغيان ويبني امه تمتلك إرادتها وقرارها المستقل وحين تستعيد الأمة علاقتها الحقيقية بكتاب الله فأنها تستعيد معها القدرة على التحرر من التبعية وعلى مواجهة كل أشكال الاستعمار والهيمنة مهما تنوعت أدواتها وأساليبها.
إن العالم اليوم يعيش أزمة أخلاقية وإنسانية عميقة تتجلى في اتساع دوائر الظلم والحروب والاستغلال وفي انهيار المعايير الإنسانية أمام منطق القوة والمصلحة
وفي خضم هذا المشهد المضطرب يظل القرآن الكريم حاملا لمشروع انقاد أخلاقي وحضاري يعيد للإنسان إنسانيته ويؤسس لعالم أكثر عدلا وتوازنا ولهذا السبب تحديدا يبقى هذا الكتاب في دائرة الاستهداف المستمر لان حضوره الواعي والفاعل يعني سقوط أوهام الهيمنة وانكشاف مشاريع الطغيان وبداية مرحلة جديدة يكون فيها الإنسان أكثر قدرة على الدفاع عن حريته وكرامته وحقه في حياة عادلة وآمنة.

قد يعجبك ايضا