العرب ومعادلة الوجود الجديدة

عبدالرحمن مراد

النظام الرأسمالي، أصبح اليوم محاصرا بشبح الانهيار وهو منهار لا محالة، فالغبن والاستغلال الذي طغى به، ومارسه في الزمن الماضي، سوف يكون سببا مباشرا في سقوطه، كما أنه تعامل مع البشر بمعايير مزدوجة فقد أشاع القتل والدمار في الكثير من الأوطان، ويتعامل مع البشر بتمايز غير عادل وهو تمايز ضد سنن الله في كونه وضد فطرته التي فطر الناس عليها، وحركة التدافع من سنن الله في ترتيب الكون خوف الفساد وخوف الظلم والتمايز والعاقبة للمتقين .
اليوم العالم يعيد ترتيب نفسه وفق أسس وقيم جديدة، لكن العرب والمسلمين في شغل العداوات فكهون، فلا مشروع يلوح في الأفق قادر على دخول المعادلة الدولية وتوازنها الجديد سوى مشروع المقاومة، وهو يتكون من بلدان ذات مرجعيات حضارية وتاريخية متينة وهو رغم الحصار الاقتصادي، ورغم الاستهداف، قادر على البزوغ والتحدي، وقد يحسن أدارة المرحلة، لأنه يقف على أساس حضاري وثقافي متين، كما أنه يملك مفردات اللعبة، وإن بدت صغيرة في ظاهرها إلا أنه سوف ينتصر في خاتمة المآل .
لقد اكتشف العالم أن أمريكا كانت تديره بالمعامل البيولوجية التي تصنع الجائحات ثم تصدرها لشعوب العالم حتى تتحرك شركات الأدوية، وبالخلايا الاستخبارية والجامعات الأصولية الاستخبارية التي كانت تقلق السكينة العامة، ويقوم الإعلام بصناعة هالة لها حتى كادت أن تكون تهديدا حقيقيا يقلق العالم، فتتحرك شركات الأسلحة لتجد رواجا لها في الدول الغنية والفقيرة على حد سواء، فالخوف يجعلك توظف الإمكانات كلها لتسلم منه ومن عواقبه .
والمتأمل في تاريخ المرحلة، يجد أن  أمريكا، حاولت مع من شايعها القضاء على الحركات القومية، وتفكيك النزعة الاستقلالية، وهدم المثاليات، وهدم الإسلام من داخله من خلال الحركات الأصولية التي تصنع في الجامعة الإسلامية في إسرائيل، والتي تتبع الموساد مباشرة، فيكون أفرادها قادرين على السيطرة على الوجدان العام، من خلال خطاب العصبية الدينية الذي تنتهجه وتسيطر به على عامة المسلمين، وقد رأينا كيف سيطروا على موجهات الإخوان، وما تناسل عن الإخوان من جماعات مثل الجهادية، والقطبية، وغيرهما من الجماعات التي نشطت في اغتيال الكثير من رموز التنوير في الوطن العربي خوف الوعي واليقظة، فالنظام الرأسمالي يعتبر التضليل، وتسطيح الوعي بالقضايا المصيرية للأمم، طريقا للوصول الى غاياته، ولذلك حين أراد أن يضلل العالم بشأن ما يحدث في غزة من حرب إبادة، وتصفية عرقية، جند كل الطاقات المعرفية والتطبيقات الاجتماعية والفضائيات، وقد رأينا كيف تداعى إلى البحر المتوسط بقضه وقضيضه لنصرة الكيان الصهيوني، وهو بذلك يريد أن يصرف أنظار العالم عن الهزائم التي لحقته وتلحقه في جزيرة القرم، وفي أوكرانيا، وقد ظن أنه قادر على فرض ثنائية الهيمنة والخضوع على المنطقة العربية، لكنه وجد واقعا جديدا لم يخطر له ببال، وقد قال ذلك الرئيس الأمريكي السابق “بايدن” بكل صدق وشفافية، حيث صرح للصحفيين قائلا : لم نكن نتوقع أن يلجأ اليمن إلى القوة وتهديد الملاحة في البحر .
لدى أمريكا ومن خلفها الصهيونية العالمية استراتيجية، هدفها تصوير الإسلام كدين همجي متوحش يهدد الحضارة الإنسانية المعاصرة، ولذلك استخدمت هذه الصورة التي حاولت أن يرسمها في عقول الرأي العام العالمي في مسمى التحالف البحري الذي سمته ” حارس الرفاه ” فالكثير ظن أن التسمية كانت عفوية، لكنها تسير وفق خطط واستراتيجيات واضحة المعالم لكل قارئ حصيف، ويبدو أن اشتعال الحريق في السفن التجارية والعسكرية في البحر الأحمر قد كانت له نتائج عكسية، خاصة مع تفاعل العالم مع القضية الفلسطينية، وبذلك نقول: لقد فقدت أمريكا جزءا من مساحة التضليل وبدأ وعي العالم يتفتق على الحقيقة، وينبغي أن نكون أكثر حرصا على زيادة وعي العالم من خلال بيان الصورة التي عليها الدين الإسلامي من خلال التعامل القيمي والأخلاقي الراقي مع مستويات الأحداث وعدم التفريط لأنه يعيدنا الى نقطة الصفر .
اليوم يتكرر ذات السيناريو في الخليج وفي مضيق هرمز، وأضحت السياسة الصهيونية والأمريكية أكثر وضوحا من ذي قبل، لكن حجم التضليل أكبر من القدرات الذهنية والمعرفية عند العرب، وقد أصبحوا عنصرا فاعلا في معادلة الحرب على ايران من خلال التأثير على مستويات القرار والموقف، وقد دلت تداعيات الأحداث في فلسطين، والبحر الأحمر، والخليج العربي، أنه ليس هناك من مشروع عربي واضح المعالم والمصالح في بنية النظام الدولي، فحركة التفكيك التي اشتغل عليها الربيع العربي، وحركة الانقسامات، لن تجعل العرب إلا تابعين أمناء للقوى العظمى في العالم، وقد ترك ذلك  أثرا في البناءات، وهو أثر عميق، ولذلك لن يكون هناك أي أثر للعرب في بنية النظام الدولي الجديد إلا إذا أعادوا ترتيب أنفسهم في محور المقاومة الإسلامية على وجه الخصوص، وفي بنية النظام الجديد متعدد الأقطاب، حينها سيكون للمسلمين وللعرب شأن، لذلك ففكرة القومية العربية لابد أن تذوب في إطار المشروع الإسلامي الجامع، فبدونه تصبح عدما وعنصرا خاملا في معادلة الوجود .

قد يعجبك ايضا