عفاف البعداني
إلى من ورثوا جنون أسلافهم، وإلى من عاش بلا امرأة، إلى من علّقت في أذنها أقراص الكآبة، وإلى الذين ينسون دائمًا تثبيت أزرارهم، ولا يملكون صناديق لأشيائهم الثمينة… أنتم، نعم أنتم المقصودون.
اضحكوا كثيرًا، حتّى لو بدا على محياكم أثر التافهين، انجزوا الأشياء الصغيرة، فالأمنيات ليست سوى أساطير، ابكوا عندما تتعبون، وحين تُفْقدون، وحينما تشتاقون وحينما تخلو قلوبكم من أي حب، ليست مشكلة. اغلقوا هواتفكم، فالشتاء قارص من كل الجهات، دعوا الموسيقى تتحدث عنكم، تلك الموسيقى التي ترد الغائبين، وتطارد السفن في السماء، يقال أنها ابنة السحر، امضوا منها ومعها فهي ليست الكارثة.
لا تثقوا بفصل الربيع، فعبير زهوره كمينا يتربص بالذكريات، حتى الصور والألوان والتضاريس، كلها مجرد خدعة بصرية ، كلها لون واحد، ونحن من وزعناها في دروب الطرقات، امضوا في أماكن خطرة، ولاتبحثوا عن أحد، لايبحث عن سرائر الطين من هو من طين، فلا أمان حين يعبر المرء إلا وهو منكر لذاته. تحدثوا كثيرًا مع أنفسكم، وغنوا بأصواتكم التي قد تبدو قبيحة للآخرين، ثم عودوا من حيث بدأتم، لستم مجانين، بل العالم هو المختل.
الآن، ليأخذني المدى المعتم إلى حيث الحرية الحقيقية، لا أريد أن أظل خائفة، أين هي الخطيئة التي تلتصق بي لتخرج وتتحدث أمامي، لست خائفة منها، لا أبحث عن الكمال، ولا عن السعادة الزائفة، ولا أحافظ على صحتي، ولن أمتنع عن القات، لا يجذبني شيء في هذا العالم، أريد فقط أن أرتكب المزيد من الخطيئة، كي يعفيني الناس من قربهم السام. لتبقوا كما أنتم، الصادقون كذبا، والقريبون أذى، وأنا، وحدي، السامة، ناكثة الوعود، كومة من عفن السجون. وبقايا طعام لم تعرف جائعًا، ولن تغفر لصاحبها، أريد أن أفقد الجميع بكلمة واحدة، بصوت واحد، بصفعة أرضية.
ليس هناك متسع لتشكيل الوصول، السعادة فخ، والوعي نكاية، تحدثوا متى شئتم، لا تنتظروا الوقت المناسب. ارفعوا أصواتكم، وكونوا الرعاء قبل الأخير. املأوا معاطفكم من ماء المطر، فلا يوجد في هذا العالم آبار عفيفة، دعوا الخرائط والأخبار وانظروا إلى السماء، فهي لا تنتهي، دعوا النوافذ مفتوحة، ليدخل الشيطان، لن تلسعكم الرياح، العالم كبير بما يكفي ليعيش فيه الجميع.
فقط: عزائي الوحيد للصادقين، حتّى يكذبوا.
