الثورة / مصطفى المنتصر
لم تعد الأزمات المعيشية في المحافظات الجنوبية والشرقية المحتلة، مجرد تداعيات اقتصادية طبيعية، بل تحولت إلى ما يشبه الهندسة الاجتماعية القسرية التي تديرها سلطات المرتزقة الموالية للسعودية، مستخدمة الخدمات الأساسية كالكهرباء والوقود والعملة كروافع ضغط لفرض أجندات سياسية، في ظل استمرار سياسة التجويع الممنهج التي تضرب حياة الملايين من المواطنين.
فبدلاً من وضع خطط مستدامة لإعادة تأهيل البنية التحتية أو استثمار الموارد المحلية، يتم الإبقاء على حالة الاختناق الخدمي كأداة دائمة لإعادة تشكيل وعي الشارع ومضاعفة معاناته، وهذه السياسة لا يمكن أن تجلب للمواطن سوى مزيدًا من الانهيار والفوضى واقتصاداً هشاً قائماً على المضاربة والسوق السوداء، حيث تتحول السلع الأساسية إلى أدوات ابتزاز يومي ضد المواطن، حيث يمثل الحلقة الأضعف في هذه المعادلة من الفساد والتبعية.
عدن.. غرق في الظلام ومقايضة “الجرعة” بالبقاء
في عدن، تعيش المدينة حالة من الموت السريري للخدمات؛ حيث يرزح المواطنون تحت وطأة انقطاعات كهربائية تتجاوز 16 ساعة يومياً، تزامناً مع دخول فصل الصيف القاسي. وفيما يعاني الأهالي من لهيب الحر، تبرز أزمة المشتقات النفطية كفصل جديد من فصول المعاناة؛ حيث وصل سعر “الجالون” سعة (20 لتراً) إلى 35 ألف ريال، وسط أنباء عن ترتيبات لـ “جرعة سعرية قاتلة” جديدة.
ويرى مراقبون أن تعمد السلطات خلق أزمة وقود خانقة، ليس سوى مقدمة لفرض هذه الجرعات، بهدف تحويل المواطن من مطارد لحقوقه إلى متسول للخدمات، مما يجعل فكرة الاحتجاج تتراجع أمام معركة البحث عن قوت اليوم و”قطرة الوقود”.
حضرموت وتعز.. أزمات “مفتعلة” لخدمة أجندة مركزية
لا يختلف المشهد في وادي وصحراء حضرموت، التي تعاني من انعدام شبه تام للوقود والغاز المنزلي، رغم أنها الخزان النفطي الأول في اليمن وهذا التناقض الصارخ يؤكد اتهامات الشارع بأن الرياض تسيطر على موارد المحافظة وتمنع وصولها لمواطنيها، لإبقاء المحافظة تحت رحمة “السوق السوداء” التي يديرها نافذون موالون لها.
وفي تعز، تفرض قوات الإصلاح المنضوية تحت الغطاء السعودي “جرعة صامتة”، قفزت بأسعار الوقود إلى مستويات غير مسبوقة، مما انعكس كارثياً على قطاع الكهرباء التجاري، حيث ارتفعت التعرفة من 800 ريال إلى 1250 ريالاً للكيلو وات الواحد. وهذا “الاستنزاف المالي للمواطن الكادح، ينم عن حقد وإجرام دفين، تكنه تلك السلطات العميلة ضد المواطن، حيث تتعمد إغراقه في مستنقع لا متناهٍ من الأزمات والمعاناة، الغاية منها إشغاله عن المطالبة بالحقوق الأساسية أو التساؤل عن مصير الموارد المنهوبة
إصلاحات ترقيعية.. واجهة المرتزقة للنهب
إن المنهجية التي يتبعها الاحتلال السعودي في إدارة الملف الخدمي، تعتمد على الحلول الترقيعية التي لا تصمد طويلاً، لضمان بقاء المنظومة الخدمية في حالة انهيار دائم، وهذا الانهيار المتعمد يخدم استراتيجية الضغط من أجل القبول، حيث تراهن الرياض على أن دفع الشارع إلى حالة اليأس هو الوسيلة الوحيدة للقبول بمشاريعها مثل تمرير أنبوب النفط عبر المهرة والتخلي عن المطالب الوطنية.
وفي ظل هذا التضييق، بدأت الأصوات الشعبية في عدن والمكلا، تتجاوز مرحلة التذمر، لتصل إلى دعوات التصعيد الجماهيري، وهو ما أكدته نقابة عمال الجنوب ويؤكده ناشطون أيضا، أن حالة الغليان التي تشهدها الشوارع لم تعد تحتمل مزيداً من الاستخفاف بحياة الناس وأن سياسة الرياض وأدواتها في المحافظات الجنوبية باتت مكشوفة أمام الرأي العام؛ فبدلاً من تحويل الموارد النفطية المنهوبة إلى محطات توليد وشبكات نقل مستقرة، يجري استثمار معاناة المواطنين في مستنقع المحاصصة والتقاسم السياسي.
ومع استمرار سياسة التجويع، يحذر مراقبون من أن استمرار ضغط المليشيات الموالية للسعودية على المواطن في المحافظات الجنوبية، قد يولد انفجاراً شعبياً عارماً، لن تنجح الإغراءات المالية أو المكونات العميلة في احتوائه، فالجوع عندما يصل إلى حد لا يطاق لا يعترف بـ “اللجان الخاصة” ولا بوعودها.
