رفع أسعار المشتقات النفطية صدمة مدوية بددت آمال المواطنين في استقرار معيشي مأمول

الأزمات المعيشية في المحافظات المحتلة واقع يديره فساد ممنهج وتؤطره سياسات الإفقار المتعمد

الأسواق في عدن تشهد حالة من الانفلات السعري في أسعار المواد والخدمات الغذائية الأساسية
 90% من شركات الصرافة بعدن والمحافظات المجاورة تواجه صعوبات مالية متفاوتة
 ما يحدث في عدن نتاج حتمي لنظام إداري فاسد يُفضل مصالحه الضيقة على المصلحة العامة

الثورة / يحيى الربيعي

في مشهدٍ يختزل عمق الانهيار الهيكلي الذي تعيشه المحافظات الواقعة تحت سيطرة حكومة المرتزقة ، تتلاحق الأزمات الاقتصادية كأحجار الدومينو، لترسم صورة قاتمة لواقعٍ يديره الفساد الممنهج وتؤطره سياسات الإفقار المتعمد ، ولم تعد المعاناة المعيشية موضوعا للاستهلاك الإعلامي، فقد تحولت إلى استراتيجية فشل شاملة طالت قطاعات الطاقة، والمصارف، والأمن الغذائي، وصولاً إلى لقمة عيش المقاتلين في صفوفها، مما يؤكد أن الموارد الوطنية باتت رهينة لإدارة تفتقر لأدنى معايير الكفاءة والسيادة.

فجوة بين التبريرات والواقع

لم يكن إعلان شركة النفط في عدن عن رفع أسعار المشتقات النفطية مجرد قرار إداري عابر، وإنما جاء كصدمة مدوية بددت آمال المواطنين في استقرار معيشي مأمول. ففي الوقت الذي أُقر فيه رفع سعر اللتر الواحد من البنزين إلى 1,475 ريالاً، ليصل سعر «الدبة» (20 لتراً) إلى 29,500 ريال، كانت محافظات حضرموت وشبوة تسجل أرقاماً أكثر كارثية، حيث قفز السعر في حضرموت إلى 31,000 ريال للدبة.

هذا التصعيد السعري، الذي بررته شركة النفط بالارتباط بـ «البورصة العالمية» وتكاليف النقل نتيجة إغلاق مضيق هرمز، قوبل بتحليل هجومي من الخبراء الذين كشفوا زيف هذه التبريرات؛ إذ أكد ناشطون وخبراء اقتصاد من المحافظات المحتلة، أن الاعتماد الكامل على السوق الدولية يعد استغفالاً للعقول في بلد يمتلك منشآت سيادية مثل «بترومسيلة» و»صافر» و»مصافي عدن».

ويرى محللون أن ربط الأسعار المحلية بالتقلبات الدولية، تزامناً مع تراجع عالمي فعلي في أسعار النفط الخام، ليس إلا استثماراً بائساً في أوجاع المواطنين وتغطيةً على عجز سلطات المرتزقة عن تفعيل الإنتاج المحلي المعطل عمداً لصالح هوامير الاستيراد.

فساد كبير

ويرى الاقتصاديون أن الحديث عن الاعتماد الكامل على البورصة العالمية في بلد يمتلك إنتاجاً يومياً يقدّر بمئات الآلاف من البراميل، إلى جانب ثلاث مصافٍ رئيسية حكومية، هو «غير مقنع» ، خاصة وأن اليمن يمتلك إمكانيات محلية ضخمة كان يمكن أن تجنبه هذه الهزات، لولا فساد الإدارة ونهب المال العام.

هذه الرؤية تؤكدها تقارير كشفت عن فساد كبير يقف وراء تعطيل مصافي عدن، حيث أن استمرار تعطيل هذه المصافي يكشف مدى فساد الحكومة العميلة وحرصها على تصدير النفط الخام اليمني ليتم نهب عائداته. فبدلاً من تكرير النفط محلياً وتغطية احتياجات السوق، تفضل الحكومة استيراد المشتقات النفطية، ما يضاعف الأعباء المالية ويمنح ذرائع لرفع الأسعار باستمرار.

إفلاس متسلسل

وفي تطور أكثر خطورة، انفجرت قنبلة كانت تتشكل منذ سنوات في قطاع الصرافة، مع إعلان إفلاس شركات كبرى، مما أثار موجة غضب شعبي واسعة واحتجاجات أمام الشركات التي أعلنت إفلاسها، وتجاوزت القضية أبعادها المالية، لتكشف عن أبعاد إنسانية أكثر قسوة، حيث كان بين المتضررين مرضى سرطان وجرحى خصصوا تلك الأموال للعلاج والسفر.

وحذّر خبراء اقتصاد من أن الأسابيع المقبلة ستشهد إفلاس عدد من شركات الصرافة وإغلاق أبوابها، مع احتمالات هروب بعض ملاكها. وتشير التقديرات إلى أن نحو 90 % من شركات الصرافة في عدن المحتلة والمحافظات المجاورة تواجه صعوبات مالية بدرجات متفاوتة، ما يفتح الباب أمام انهيار متسلسل قد يضرب القطاع بالكامل. ويدعو خبراء اقتصاديون المواطنين إلى سحب ودائعهم من شركات الصرافة والبنوك التي تأسست بعد عام 2015، نظراً لاعتماد العديد منها على أموال العملاء لتسيير عملياتها اليومية في ظل شح السيولة.

انفلات سعري

بينما تشهد الأسواق في عدن حالة من الانفلات السعري، تتجلى المفارقة الأكثر إثارة للدهشة في استمرار ارتفاع أسعار السلع الأساسية رغم التحسن الملحوظ في سعر صرف العملة المحلية. ويصف الاقتصاديون هذه الظاهرة بأنها «مفارقة لا تحصل إلا في عدن».

ويعزو مراقبون هذا الجنون السعري إلى عدة عوامل، أبرزها الاحتكار وضعف الرقابة وغياب آليات التسعير المنضبطة، وتسعير البضائع وفق سعر صرف يصل إلى 850 ريالاً لكل ريال سعودي بدلاً من السعر الرسمي البالغ 410 ريالات. فبدلاً من أن ينعكس تحسن العملة على المواطن، تتحول هذه التحسينات إلى فرصة جديدة لزيادة الأرباح على حساب جيوب المستهلكين.

أزمة رواتب

في مشهد يعكس عمق الفساد وسوء الإدارة، تتصاعد أزمة الرواتب الخاصة بالمجندين العسكريين الأمنيين التابعين للمرتزقة، حيث يتأخر صرف المستحقات لمنتسبيها لأكثر من أربعة أشهر متتالية. وبينما لا يتجاوز متوسط راتب الجندي 200 ريال سعودي، وهو مبلغ لا يغطي الحد الأدنى من الاحتياجات الأساسية، تستمر عمليات صرف رواتب منتظمة لعناصر غير منضوية ضمن الأطر الرسمية تصل إلى نحو 1000 ريال سعودي شهرياً.

وهذا التناقض الصارخ لم يكن المفاجأة الوحيدة، إذ تمتد الأزمة إلى اختلالات مالية وإدارية أعمق، من أبرزها الاستقطاعات غير القانونية التي تُفرض على رواتب الجنود من قبل بعض القيادات المرتزقة، والتي قد تتجاوز نصف الراتب في بعض الحالات. كما تتفاقم المشكلة بوجود ما يُعرف بـ «الجنود الوهميين»، وهي ظاهرة تستنزف موارد مالية كبيرة وتكشف عن خلل هيكلي في إدارة كشوفات الرواتب.

خلاصة

إن ما يحدث في عدن هو نتاج حتمي لنظام إداري فاسد، يُفضل مصالحه الضيقة على المصلحة العامة. ومع استمرار هذه السياسات الكارثية، يبدو المشهد الاقتصادي في عدن قاتماً، حيث يتجه البلد نحو مزيد من التدهور والانهيار، ما لم يتم اتخاذ إجراءات جذرية لتفكيك منظومة الفساد وإعادة بناء المؤسسات على أسس الشفافية والمساءلة.

 

قد يعجبك ايضا