تصاعد الحشود العسكرية وتعدد المليشيات المسلحة يضع المدينة أمام واقع أمني معقد يهدد استقرارها
عدن في مواجهة اتساع السلاح.. تصاعد التحشيدات العسكرية ..ملامح لمرحلة جديدة من الفوضى الممنهجة
لم تعد التحركات العسكرية المتسارعة في عدن منذ مطلع العام الجاري 2026م، مجرد إجراءات أمنية عابرة، بل باتت تعكس مشروعًا سعودياً متكاملًا لإعادة رسم ملامح السيطرة في المحافظات الجنوبية والشرقية المحتلة، عبر أدواتها العسكرية، وعلى حساب أدوات محلية كانت حتى وقت قريب جزءاً من معادلة النفوذ والسيطرة التي يهيمن عليها تحالف العدوان .
الثورة / مصطفى المنتصر
فمنذ يناير الماضي، ومع تراجع السيطرة والنفوذ المفاجئ للمجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم إماراتيًا وخروجه من دائرة الحكم والقرار في عدن، بدأت مرحلة جديدة اتسمت بدخول مكثف لمليشيات تابعة للرياض، وفي مقدمتها مليشيا “درع الوطن”، التي شرعت السعودية بإحلالها لسد الفراغ في تلك المناطق وإعادة تشكيل المشهد الأمني والعسكري بالكامل، وسط تحولات عميقة لم تعد خافية على الشارع الجنوبي، الذي بات يراقب بقلق مآلات هذه التحركات وتداعياتها على مستقبله.
تحكم شامل بالمفاصل
هذا التغير السريع، لم يكن معزولًا عن سياق أوسع، إذ تشير المعطيات إلى أن ما جرى في عدن كان بالتزامن مع تحركات مماثلة في عدد من المحافظات الجنوبية والشرقية المحتلة، من أجل توسيع نفوذها الميداني تدريجيًا، مستعينة بنتائج عمليتها العسكرية التي شنتها على الانتقالي .
وعقب تلك العملية التي انتهت بسيطرة السعودية على الوضع في المحافظات الجنوبية المحتلة، وخلال أسابيع قليلة، تحولت عدن وبقية المحافظات إلى معسكر مفتوح للتعزيزات العسكرية، حيث توالت التعزيزات عبر البر والجو، مدعومة بآليات ثقيلة ومليشيات مسلحة، مع انتشار واسع في مختلف المرافق والمؤسسات والمنافذ الحيوية، ولم يعد الانتشار مقتصرًا على حماية المؤسسات التي يسيطر عليها مرتزقة السعودية بل امتد ليشمل السيطرة وبسط النفوذ على مختلف نواحي المدينة، من الموانئ إلى الطرق الرئيسية، في مشهد أقرب إلى إعادة رسم مرحلة جديدة وفرض وصاية أمنية شاملة.
إقصاء الحلفاء قبل الخصوم
في الخامس من فبراير الماضي، دفعت السعودية بتعزيزات كبيرة تحت مزاعم حماية مقار حكومة المرتزقة بعدن، في ظل مخاوف سعودية من احتمال عودة المجلس الانتقالي المدعوم إماراتيًا بعد طرده من المحافظات الشرقية ومحاصرة بقايا مليشياته في بعض المناطق، وبعد أسبوعين فقط، وتحديدًا في العشرين من فبراير، دخلت إلى عدن قوة كبيرة تضم وحدات من قبائل الصبيحة ومليشيات ما يعرف ألوية العمالقة، عقب معلومات عن تهديدات طالت قيادات في ما يسمى المجلس الرئاسي.
وفي فبراير أيضا، ومع وصول تعزيزات إضافية لمليشيات السعودية، بدا واضحًا أن الرياض تتحرك وفق خطة مدروسة لاغراق المدينة بالفوضى، خاصة مع إدخال مجاميع من قبائل الصبيحة، في خطوة فسّرها مراقبون بأنها إعادة توزيع للأدوات العسكرية، وتمهيدًا لإقصاء فصيل الضالع الذين لم يتماشوا مع السياسة السعودية، واحلال جناح طور الباحة وردفان بدلًا عنهم .
خنق أي حراك محتمل
ومع اقتراب نهاية فبراير، تضاعف الحضور العسكري بصورة لافتة قبيل تظاهرات دعا إليها أنصار المجلس الانتقالي، وذلك لقطع الطريق أمام الاحتجاجات أو محاولات ألتفاف الانتقالي على الوضع، وفي الثامن من مارس، وصلت إلى عدن أكبر دفعة تعزيزات عسكرية سعودية منذ بداية العام، ضمت مليشيات عسكرية وآليات مختلفة، بهدف إغراق المدينة بالسلاح والسيطرة في حال انفجر الوضع عسكريا، بعد أن أصبحت المدينة تحت نفوذ سعودي مباشر، عبر المليشيات الموالية لها.
وفي التاسع من مارس، عبرت تعزيزات سعودية جديدة منفذ الوديعة الحدودي، واتجهت إلى عدن تحت مزاعم تأمين تحركات كبار المسؤولين، في الوقت الذي اعتبره مراقبون قنبلة موقوتة تهدد مستقبل وحياة أبناء عدن، وهذا التتابع السريع في إرسال القوات، أعطى انطباعًا بأن الرياض بصدد ايصال رسالة لحليفها السابق بأنها عازمة على مواصلة الهيمنة ولن تسمح بانزلاق الوضع أو تبديل الدور تحت أي ظرف .
ومع منتصف شهر مارس الماضي، شهدت عدن يومًا مزدوجًا من الحشود العسكرية والآليات المتنوعة ومختلف الأسلحة والذخائر، التي وزعت على المليشيات والأذرع العسكرية في المدينة، وفي مطلع أبريل الجاري، تكررت التحركات مع دخول سلسلة من التعزيزات الضخمة القادمة مباشرة من الأراضي السعودية، رافقها انتشار أمني واسع شمل أطقمًا عسكرية وآليات مختلفة ووحدات قتالية، استلمت مهام السيطرة على مداخل المدينة في وقت تصاعدت حدة التهديدات الإماراتية في المحافظات المحتلة.
مدينة تساق نحو مصير مجهول
وبحسب مصادر محلية، وصل عدد الدفعات العسكرية التي دخلت المدينة منذ سيطرة السعودية على المحافظات المحتلة في بداية العام الحالي، إلى أكثر من عشر دفعات مستقلة حتى أوائل أبريل، الأمر الذي يعكس حجم الحشد والتعزيز العسكري السعودي إلى عدن، في ظل أوضاع معيشية وإنسانية صعبة يعيشها المواطن .
وفي ظل هذا المشهد، تبقى عدن أمام تحدٍ حقيقي يتمثل في كيفية استعادة المدينة لمسارها الطبيعي، في وقت تتزايد فيه الضغوط العسكرية وتتراجع فيه أي بوادر لوقف مسلسل الخراب والتدمير الذي خيم على المدينة منذ عقد من الزمن، ما يجعل مستقبل العاصمة الاقتصادية لليمن مفتوحًا على سيناريوهات متعددة، في مقدمتها كابوس الفوضى والإرهاب .
