المرأة اليمنية.. قلبُ الصمود وروحُ الانتصار

وفاء الكبسي

 

حين تُبتلى الأوطان بمحنٍ عاتية، لا يُقاس ثباتها بعدد السلاح ولا بضجيج المعارك، بل بصلابة الإنسان فيها، وبالروح التي تسري في عروق مجتمعها فتجعله عصيًّا على الانكسار. وفي اليمن، حيث تعاقبت سنوات العدوان والحصار الأمريكي السعودي الجائر كأمواجٍ متلاطمة، لم يكن الصمود حكاية جبهاتٍ فحسب، بل كان ملحمة شعبٍ بأكمله… وفي قلب هذه الملحمة، كانت المرأة اليمنية النبض الذي لا يخبو، والركن الذي لا يتداعى.

لقد واجه اليمن واحدةً من أعقد عدوان كوني على مر العصور، حيث كثرت صور الألم وتعددت وجوه المعاناة، حتى غدت الحياة اليومية اختبارًا مستمرًا للصبر والإيمان. ومع ذلك، لم تكن المرأة اليمنية مجرد رقمٍ في تقارير المعاناة، ولا ضحيةً تنتظر الإنصاف، بل كانت فاعلًا أصيلًا في معادلة الصمود، وصانعةً لوعيٍ يتجاوز الألم نحو الأمل.

في بيتها الصغير، أدارت معركة البقاء بحكمةٍ وصبر، تحوّل القليل بين يديها إلى كفاية، وتصنع من ضيق العيش سعةً بالإيمان. كانت الأم والمربية، تغرس في نفوس أبنائها معاني الثبات والكرامة، وتبني في وجدانهم وعيًا لا تهزه العواصف. لم تكن تربي أبناءها على الحياة فحسب، بل على الموقف، وعلى أن للكرامة ثمنًا لا يُؤجَّل.

وحين نقترب من مشهد الفقد، حيث تتجلى أقسى صور الألم، تقف أمهات الشهداء شامخاتٍ كقمم الجبال، لا ينكسرن تحت وطأة الحزن، بل يسمون به إلى مقام الرضا والاحتساب. يودّعن فلذات أكبادهن بقلوبٍ مؤمنة، وعيونٍ دامعة لا تضعف، وأرواحٍ ترى في التضحية طريقًا إلى العزة. لم يكن وداعهن نهاية حكاية، بل بداية وعيٍ جديد، تحوّلت فيه البيوت إلى مدارس إيمانية، تُخرّج أجيالًا تعرف معنى أن يُدافع الإنسان عن وطنه وكرامته.

وفي ميدان العطاء، كتبت المرأة اليمنية فصلًا آخر من فصول المجد؛ حين كانت في طليعة من يدفعون القوافل ويجهزون الدعم، لا بما فاض عن حاجتهم، بل بما اقتطعوه من قوتهم وضروراتهم. قدّمت مدخراتها القليلة، وتبرعت بحليّها التي كانت زينة عمرها، لتكون زينةً لجبهات العزة. كانت المبادِرة، والمنظِّمة، والحاضرة في كل جهدٍ جماعي، حتى غدت بحق شريكة النصر، لا على الهامش، بل في صميم الفعل والتأثير.

ولم يكن عطاؤها ماديًا فحسب، بل كان معنويًا عميق الأثر؛ تشد أزر المرابطين، وتبث فيهم روح الثبات، وتؤكد أن خلفهم شعبًا لا يساوم على كرامته. لقد صنعت من القافلة رسالة، ومن التبرع موقفًا، ومن الحضور الشعبي طاقةً تُغذّي الصمود في الميدان.

وفي البعد الإنساني، تجلّت روح الرحمة في مبادرات نسوية جسّدت أسمى معاني التكافل. مبادراتٌ لم تُولد من فائضٍ مالي، بل من وفرةٍ في الإحساس بالمسؤولية. امتدت أيادي النساء لتضمّد جراح الفقراء، وتُدخل الفرح إلى قلوب الأطفال، وتمنح الأمل للفتيات المقبلات على الحياة. لقد تحوّل العمل الإنساني على أيديهن إلى ثقافةٍ مجتمعية، تُعيد بناء الروابط بين الناس، وتؤكد أن المجتمع الحيّ هو الذي يتكافل في أزماته.

أما في ميدان الكلمة والصورة، فقد ارتفعت أصوات الإعلاميات اليمنيات لتكسر جدار الصمت، وتنقل الحقيقة من قلب المعاناة إلى العالم. لم يكن دورهن نقل الخبر فحسب، بل حمل القضية، والدفاع عن المظلومين، وكشف زيف الروايات المضللة. خضن معركة الوعي بثباتٍ لا يقل عن ثبات المقاتلين في الميدان، فكنّ صوت اليمن الذي لا يُخنق، وصورته التي لا تُزوَّر.

وفي الريف، حيث الأرض والإنسان في علاقة بقاء، كانت المرأة اليمنية عنوانًا للاكتفاء والصمود الاقتصادي. زرعت، وربّت، وأنتجت، وحوّلت البيت إلى وحدة إنتاج صغيرة، تُسهم في مواجهة الحصار، وتمنح الأسرة قدرةً على الاستمرار. كانت الأرض بين يديها مصدر حياة، وكانت إرادتها أقوى من شحّ الإمكانات.

وفي ميادين التعليم والصحة، واصلت المعلمة والطبيبة والممرضة أداء رسالتهن في ظروفٍ بالغة القسوة. المعلمة تصنع الوعي رغم انقطاع الإمكانات، والطبيبة والممرضة تقفان على خطوط الألم الأولى، تنقذان الحياة وتخففان المعاناة، في مشهدٍ تختلط فيه المهنية بالإيمان، والواجب بالتضحية.

ولا يغيب عن هذه الصورة ذلك الجرح النازف: النساء الأسيرات والمعتقلات، اللواتي واجهن القيد بثباتٍ يليق بحريتهن الداخلية. رغم قسوة السجن، ظللن شاهداتٍ على أن الإرادة الإنسانية لا تُقهر، وأن الكرامة يمكن أن تُسجن جسدًا، لكنها تبقى حرّةً في الروح.

إن المرأة اليمنية لم تكن يومًا ظلًّا للرجل، بل كانت ظهيره وسنده، وشريكته في حمل الأمانة. أثبتت أن معركة الصمود لا تُحسم في ساحات القتال وحدها، بل في البيوت، والمدارس، والمستشفيات، والحقول، وفي كل موقعٍ تُصنع فيه الحياة رغم الموت.

وهكذا، بعد 11عامًا من الصمود تُكتب قصة اليمن لا بالحبر وحده، بل بدموع الأمهات، وصبر النساء، وإرادة مجتمعٍ آمن أن الكرامة لا تُستجدى، بل تُنتزع بالصبر والثبات. وستظل المرأة اليمنية، ما بقي الزمن، عنوانًا لهذه الحقيقة: أن الأوطان العظيمة لا يبنيها الرجال وحدهم، بل تبنيها إرادةٌ مشتركة، تصنعها نساءٌ لا ينكسرن.. ورجالٌ لا يساومون.

قد يعجبك ايضا