ما بين غزوة الخندق والمواجهة الكبرى … قراءة واعية لسنن الله التي لا تتبدل

القاضي / بشير عبدالرزاق الشامي

 

في خضمّ هذا المشهد المتشابك، حيث تختلط السياسة بالعقيدة، والواقع بالتاريخ، تبرز الحاجة إلى قراءة أعمق لا تكتفي بسرد الأحداث، بل تربطها بسياقها الحضاري والديني. فالأحداث التي تعصف اليوم بإيران وفلسطين ولبنان واليمن، لا يمكن فهمها بمعزل عن سنن الصراع التي تكررت عبر التاريخ، ولا عن البشارات التي زرعها النبي صلى الله عليه وآله وسلم في أحلك الظروف .

حين نستحضر مشهد غزوة الخندق، فإننا لا نستحضر مجرد واقعة عسكرية، بل نستعيد نموذجا مكتملا لاجتماع قوى الباطل على قلب رجل واحد، في مقابل قلة مؤمنة محاصرة، تعيش أقسى ظروف الجوع والخوف، حتى بلغت القلوب الحناجر. كان ذلك المشهد أشبه ما يكون بما نراه اليوم من تحالفات دولية وإقليمية، حيث تتقاطع المصالح رغم التناقضات، ويجتمع المختلفون على هدف واحد .. كسر إرادة من يرفض الخضوع.

فما بين ضربة المِعول النبوي في صخة الخندق، وبين أزيز الرصاص في غزة، وصدى المسيرات في سماء صنعاء، وجبهات البأس في لبنان، يمتدّ صراط من الحق لا تعرجه الأيام. إنها غزوة الأحزاب المستمرة، التي لم تكن مجرد واقعة عسكرية انتهت بريح صرصر، بل كانت بيانا نبويا رسم خارطة الطريق لمستقبل الأمة، وحدد هوية الفئة المنصورة التي ستحمل لواء الحق حين تتهاوى العروش وتُباع الذمم.

حين حاصر الأحزاب المدينة المنورة، واجتمعت قبائل العرب في تحالف غير مسبوق لاجتثاث بذرة الإسلام، أراد الله أن يُري نبيه الكريم في تلك اللحظة الحرجة -لحظة الزلزال الذي بلغت فيه القلوب الحناجر- ملامح النصر البعيد.

في تلك اللحظة الحرجة، لم يكن الحل تقليديا، بل جاء عبر رؤية خارج المألوف، اقترحها الصحابي الجليل سلمان الفارسي، الذي لم يكن عربيا، لكنه كان من صميم هذا الدين. وهنا تتجلى أولى الإشارات العميقة أن معركة الحق لا تُختزل في قومية ولا تُقيد بعرق، بل تتسع لكل من يحمل الفكرة ويؤمن بها. فكان الخندق رمزا للعقل الاستراتيجي، كما كان تجسيدا لوحدة الأمة العابرة للانتماءات الضيقة.

ثم تأتي لحظة الصخرة، لحظة العجز البشري أمام التحدي، حين استعصت على الصحابة، فتدخل النبي ﷺ، ليحول العجز إلى يقين،.

ثلاث ضربات وثلاث بشارات …. الشام، وفارس، واليمن. لم تكن تلك الكلمات مجرد تحفيز معنوي، بل كانت تأسيسا لرؤية تاريخية تتجاوز اللحظة. لقد رأى صلى الله عليه وآله وسلم ما لا يراه المحاصرون، وربط الحاضر بالمستقبل، ليؤكد أن الحصار ليس نهاية الطريق .. بل بدايته.

بلاد الشام وبلاد فارس واليمن، ثلاثة مواطن لطالما امتدحها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وتحدث عنها في إطار مؤشرات الاستبدال الإلهي الثلاثة، في أهل اليمن حسب تفسير المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم للقوم الذين يحبهم الله ويحبونه، الذين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم، وفي أهل فارس الذين بينهم رسول الله في تفسيره للآية الأخيرة من سورة محمد، حينما سئل عن القوم الذين يستبدل الله العرب بهم في حال بخلوا ولم ينفقوا في سبيل الله، فإذا به يضرب على ذراع سلمان الفارسي ويقول : “هم قوم هذا .. لو كان الإيمان في الثريا لناله رجال من فارس.. وفي أهل الشام واهل بيته المقدس وأكناف بيت المقدس” .

وفي قلب المواجهة، حين اجتاز عمرو بن ود الخندق، بدا وكأن المعادلة تميل لصالح العدو، لكن خروج علي بن أبي طالب لم يكن مجرد مبارزة، بل كان لحظة فاصلة بين منطقين .. منطق الإيمان ومنطق الطغيان. ولذلك قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم كلمته الخالدة: “برز الإيمان كله للكفر كله”.

هذه الثنائية هي جوهر المواجهة اليوم؛ فالمحور الذي يضم شيعة علي ومحبيه وأبناء مدرسته في اليمن ولبنان وفلسطين، يمثل امتدادًا لخط الإيمان والصمود في مواجهة تحالف واسع من القوى المعادية، المتمثل في التحالف الصهيو-أمريكي وأدواته من العرب الذين بخلوا بما أعطاهم الله، فبخلوا على غزة، واستبدلهم الله بقوم “يحبهم ويحبونه، أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين”.

لقد كسر المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم حاجز القومية حين قال: “سلمان منا أهل البيت”. كانت فكرة الخندق “فارسية”، لكنها نُفذت بـ “إرادة محمدية”، ليعلم العالم أن هذا الدين لا تحده حدود، وأن رجال فارس الذين لو كان الإيمان في الثريا لنالوه، هم ركيزة أساسية في مواجهة الهيمنة.

واليوم نرى هذه المواطن الثلاثة برغم الحصار الجائر، وبرغم حملات التشويه، وبرغم العدوان العالمي، تقف محورا واحدا يرفد فلسطين بالدم والسلاح، في حين غابت عواصم أخرى كانت في يوم ما تدعي الريادة، فإذا بها اليوم قد صارت خنادق لحماية القواعد الأمريكية ومصالح الكيان الغاصب.

إن ما تتعرض له إيران اليوم من حملات شيطنة ليس إلا امتدادا لصراع قديم مع كل من يختار موقع المواجهة، بل لأنه الوفاء التاريخي لـسلمان، حينما اختار هذا البلد موقعه في قلب المعادلة، ليضع كل مقدراته في خدمة القضية المركزية (فلسطين)، في زمن سخر فيه اخوة الدم أموالهم لتمويل العدو، وسخروا أراضيهم لتكون منطلقاً لضرب كل قوة إسلامية ترفض الركوع لأمريكا وإسرائيل.

لقد فسر النبي صلى الله عليه وآله وسلم آيات الاستبدال بوضوح، مشيرا إلى أهل اليمن كمدد للإسلام، وإلى أهل فارس كأهل علم وإيمان صلب . كما أنه دعا بالبركة للشام واليمن، وأثنى على أكناف بيت المقدس، واليوم تلتقي هذه البشارات لتصنع طوفانا يجرف مشاريع إسرائيل الكبرى والتبعية الأمريكية. ولتكون الصخرة التي تتحطم عليها كل التحالفات المشبوهة.

إن ما يحدث اليوم ليس وليد الصدفة، بل هو تجلٍّ لتلك البشارات التي رآها النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو يحفر الخندق. إن الحشود التي تملأ ميادين صنعاء وطهران وبيروت، والثبات الأسطوري في غزة، هي الرد العملي على خيانة الصامتين .

إن الربط بين هذه النصوص والواقع، لا ينبغي أن يكون إسقاطًا سطحيًا، بل قراءة واعية تدرك الفروق بين الزمنين، لكنها تستلهم القواعد الثابتة. فليست كل معركة اليوم هي خندق، ولا كل طرف يمثل ذات القيم، لكن السنن الكبرى تبقى حاضرة: اجتماع الخصوم، اختبار الصبر، بروز المبادرات، ثم التحول.

وفي ظل هذا الفهم، يمكن قراءة ما يجري اليوم باعتباره مرحلة من مراحل الصراع الطويل، الذي لم يُحسم بعد. فكما أن الحصار في الخندق لم يكن النهاية، بل كان مقدمة لفتح، فإن الأزمات الحالية قد تحمل في طياتها تحولات قادمة، بشرط أن تتوفر عناصرها المتمثلة بالوعي، والوحدة، والاستعداد للتضحية، والقدرة على تجاوز الانقسامات.

فالأمة التي تفهم تاريخها على أنه سنن متكررة، تكون أقدر على التعامل مع حاضرها، وأقل عرضة للانكسار أمام الأزمات.

 

 

 

 

 

قد يعجبك ايضا