يكشف مشهد الغارات الهستيرية التي استهدفت جسور الدلافة والخردلي والقعقعية والزرارية والقاسمية في لبنان عن ذروة الإفلاس العسكري لكيان العدو الذي يسعى يائساً لقطع شريان الحياة الرابط بين بيروت والجنوب وتطويق الحلم اللبناني عبر تدمير المنشآت الحيوية، إذ يبرز نسف هذه الجسور الاستراتيجية كإعلان صريح عن فشل قوات الاحتلال في تحقيق أي اختراق ميداني حقيقي على الحافة الأمامية، الأمر الذي دفع قيادة العدو نحو سياسة تقطيع الأوصال وعزل الجغرافيا اللبنانية فوق مجاري الأنهار لاسيما الليطاني والزهراني، في محاولة مكشوفة لتعويض الانكسار الميداني وخلق بيئة معزولة تسهل عمليات التسلل التي يصطدم فيها بجدار بشري صلب يحول القرى الحدودية إلى مقابر لآلياته ونخبته العسكرية التي تترنح تحت ضربات المقاومة، في مشهد يوثق هزيمة مشروع السيطرة على الحافة الأمامية وتحويلها إلى منطقة عازلة، وبناءً على الوقائع الميدانية سقط العدو مرة أخرى في فخ التقديرات الخاطئة حين توهم أن هدم الخرسانة المسلحة حول الليطاني كفيل بمنع تدفق الروح القتالية أو قطع سريان الإمداد لرجال الله في الثغور الأمامية، متناسياً أنه استهدف ونسف ذات الجسور في حرب تموز 2006م، وكان رد المقاومة حينها بضرب محطة القطارات في حيفاً، انطلاقاً من معادلة البنية التحتية بالبنية التحتية، والى جانب ما يتكبده العدو من خسائر في المواجهة، يبرز التساؤل الميداني، هل استقرت قواعد الاشتباك أم أننا أمام نسخة محدثة من الردع تتجاوز حدود الجغرافيا السابقة؟.
الميدان في قرى الحافة ومحيط الليطاني ينطق بلغة مغايرة تماماً لما يروجه إعلام الاحتلال، فبطولات المقاتلين اللبنانيين سحقت قدرة التكنولوجيا الإسرائيلية على الرصد والتحييد، وخلدت مشاهد الإعلام الحربي تدمير عشرات الدبابات من طراز ميركافا 4 وناقلات الجند المتطورة التي رأيناها حطاماً محترقاً عند مداخل القرى الصامدة في عيتا الشعب ومارون الراس والعديسة، وهي الإنجازات التي يفرض عليها الاحتلال رقابة عسكرية وأمنية صارمة ويمنع وسائل إعلامه من تداول صورها أو الكشف عن أعداد القتلى الحقيقية في صفوف مجنديه الذين يتساقطون بين قتيل وجريح في كمائن محكمة أعدت بعناية فائقة لتكون دروساً قاسية في فنون القتال القريب والالتحام المباشر، ومع هذا التعتيم الممنهج الذي تمارسه تل أبيب وتنساق معه أبواق إعلامية عربية تلمع صورة الجيش الذي يقهر، تخرج تسريبات من داخل الجبهة الداخلية الصهيونية تتحدث عن اكتظاظ المستشفيات في حيفا وصفد بآلاف الجرحى وعن حالة من الرعب والانهيار المعنوي تصيب المستوطنين في ملاجئهم نتيجة الضربات النوعية المزدوجة من لبنان وإيران، والتي طالت منشآت استراتيجية وقواعد عسكرية كانت توصف بالحصينة.
ويبدو أن قادة الكيان في غمرة تصريحاتهم العنترية عن الاجتياح البري، قد أغفلوا دروس التاريخ القريب، فذاكرة العام 2000م تظل حية حين خرج جيشهم منكسراً تحت جنح الظلام يجر أذيال الخيبة، واليوم يعيدون إنتاج ذات الفشل عبر محاولات تسلل فاشلة يتم التصدي لها بإرادة صلبة تكسر هيبة الفرقة 98 والفرقة 36 التي تم دفعها للمحرقة اللبنانية دون أهداف واضحة سوى محاولة استعادة الردع المفقود منذ السابع من أكتوبر، إذ تظهر تصريحات بعض الجنرالات المتقاعدين في تقارير نشرتها صحف عبرية تخوفاً حقيقياً من الغرق في الوحل اللبناني مجدداً، مؤكدين امتلاك المقاومة عتاداً وخبرة تجعل أي فكرة للتوغل البري بمثابة انتحار جماعي للقوات الغازية التي تجد نفسها محاصرة بين نيران الجبهة وصراعات القيادة السياسية المتخبطة التي يقودها نتنياهو نحو الهاوية بحثاً عن انتصار موهوم بعيد المنال عن أرض الجنوب الصامد.
ومع تزايد التسريبات عن نوايا العدو لتنفيذ عمليات إنزال بحري أو قرصنة على السواحل للالتفاف على المقاومة البرية، تبدو استخبارات المقاومة بالمرصاد، ولسان حالها يوكد أن أي مغامرة بحرية ستواجه بمفاجآت تجعل من الشواطئ مصيدة جماعية لزوارق العدو وفرق النخبة قبل ملامسة أقدامهم الرمال، ويدرك قادة الكيان في قرارة أنفسهم أن أي توغل واسع سيعيد سيناريو هزيمة عام ألفين، لكن بكلفة وجودية وضريبة دم أقسى، في أرض جبل عامل التي لفظت دوماً كل غازٍ حاول تدنيس ترابها.
تقارير غرف عمليات المقاومة، أصبحت وثائق إدانة ميدانية تكشف زيف الادعاءات الصهيونية حول التقدم والسيطرة، وتقدم الحقائق الدامغة لتدمير الكتل الحديدية للعدو، واصطياد تجمعات جنوده في الثكنات والمواقع الحدودية بصليات صاروخية دقيقة شلت حركة ملايين المستوطنين، ونقلت المعركة إلى الوعي الجمعي للقيادة الصهيونية، ولعل الدليل الأبرز على هذا الانكسار هو التحول الدراماتيكي في لغة بنيامين نتنياهو، فبعد حديثه الاستعلائي عن سحق الأعداء، بات مصطلح الحرب الوجودية يتردد في كل خطاباته الأخيرة، وهو اعتراف ضمني بأن الميدان فرض واقعاً أسقط أوهام الحافة الآمنة في وحل الليطاني، وما تبقى للعدو انحصر في عدّاد خسائر ينزف هيبةً ودماً، في حربٍ يدرك الجميع أن التاريخ سيكتبها بنكهة هزيمة العام ألفين وانكسارات العام 2006م ولكن بمرارة أشد هذه المرة.
