يقدم كتاب “مجازر مخيم جباليا” للكاتب الفلسطيني حمزة خليل أبو الطرابيش شهادةً حيةً وموثقةً عن الإبادة التي شهدها مخيم جباليا في قطاع غزة خلال عامي 2023 و2024.
ويسرد الكتاب الصادر عن “الآن ناشرون وموزعون” بالأردن ضمن مبادرة “غزة تبدع”، تفاصيل تسع وعشرين مجزرةً ارتكبتها قوات الاحتلال بحق السكان، وذهب ضحيتها آلاف المدنيين من نساء وشيوخ وأطفال، لا ذنب لهم سوى أنهم آثروا البقاء على مغادرة القطاع والعيش في منافي الأرض.
ويسير أبو الطرابيش في بناء كتابه وفق مبدأ “الأقرب فالأقرب” بالنسبة له؛ فيبدأ بتوثيق قصة استشهاد والده، ثمَّ عمّه، ثم أفراد عائلته، وصولاً إلى جيرانه وأصدقائه، ومن خلال هذا الكتاب يُخلد ذكرى حوالي ثلاثين عائلةً لم يبقَ منهم أحد، حتى إنَّ بعض العوائل لم يبقَ من أجساد أبنائها شيءٌ ليُدفن.
يحاول الكتاب الواقع في 164 صفحة، التأكيد أن الذاكرة سلاح الغزيّ في مواجهة الإبادة، فلا يقف المؤلف في نصوصه موقف المراقب المحايد، بل يكتب قصصه بصفته “شاهداً” و”ابن شهيد” ارتقى في الاجتياح الثاني للمخيم، وبذلك يحوّل الكتاب الذاكرة إلى سلاح لمواجهة محاولات المحو؛ إذ يرفض أبو الطرابيش أن تتحول أرواح الضحايا إلى مجرد إحصائيات، ومكرراً المقولة الرمزية المنسوبة إليهم: “إحنا مش أرقام… إحنا عشاق الحياة… ظَلكُمْ اكتبوا عنا”.
ويوثق المؤلف بأسلوبٍ يمزج بين التقرير الصحفي والسرد القصصي الإنساني سلسلةً من المجازر التي استهدفت عائلات بأكملها في المخيم، مثل مجزرة “حيّ السنايدة” التي استُشهد فيها أكثر من 600 شخص في لحظة واحدة، ومجازر عائلات: التلمس، والصيداوي، والسنوار، وأبو القمصان، وعقل، وغيرها.
ينجح أبو الطرابيش في إعادة الضحايا إلى الحياة رمزياً عبر الورقة والقلم، مسجلاً أسماءهم، وأحلامهم، وتفاصيل حياتهم اليومية التي سحقتها القنابل والصواريخ، فهو يتحدث عن “صانع الفرح” في المخيم، وعن “سيدة القطط”، وعن مهندسي وأطباء جباليا الذين استُهدفت أحلامهم قبل أجسادهم، فهذه المجازر قضت على مجتمعٍ كامل بكل ما يحتويه من تنوع واختلاف، ففي ذلك الحي الممسوح من مخيم جباليا “كان المزارع، والطبيب، والمهندسة، والطالب الجامعي، وسائق التاكسي، والخباز، والمدرِّسة… إنَّه باختصار مجتمع متكامل، لا مجرد أرقام”.
يجسد الكتاب فلسفة البقاء والارتباط بالأرض عند الإنسان الغزيّ، وذلك من خلال قصص الشخصيات التي رفضت النزوح، واختارت الثبات في منازلها، رغم الأحزمة النارية والحصار والتجويع، كما في قصة “الدماء مقابل التشبث بالأرض”.
