التمسك بالأرض والهوية، يفشل مخططات التهجير الإسرائيلية

 

الثورة / خليل المعلمي

أكثر ما يرعب ويقلق الكيان الاسرائيلي هو الموقف الثابت والراسخ لأصحاب الأرض الفلسطينيين في ثباتهم وتمسكهم وبقاءهم على أرضهم، أرض فلسطين التاريخية، وهذا الموقف قد أصبح ثابتاً في عقيدتهم وفي أخلاقهم وممارساتهم وأيضا في معيشتهم، فعلى الرغم من الدمار الكبير الذي حصل لقطاع غزة، والكم الهائل من العوائق التي يستحدثها الكيان الغاصب في الضفة الغربية إلا أن الفلسطينيين ثابتون باقون على أرضهم مهما حصل ومهما تأمر عليهم المتآمرون من الصهاينة الغربيين والعرب المتصهينين، والأمر كذلك جار على فلسطينيي الداخل الثابتين على أراضيهم التي تم احتلالها قبل العام 1948م.

لقد تناقلت وسائل الإعلام المختلفة ما أحدثه مسلسل “صُحاب الأرض” الذي يُعرض على عدد من القنوات المصرية خلال شهر رمضان، من غضب داخل الكيان الإسرائيلي، وآثار توتر بين الكيان والدولة المصرية.

لقد حظي المسلسل الذي يعالج مأساة الفلسطينيين في قطاع غزة باهتمام الإعلام الإسرائيلي، منذ انطلاق حملته الترويجية وبدء عرضه، وأشار الإعلام العبري إلى أن المسلسل خطوة سياسية مدروسة من القاهرة.

ويرصد المسلسل “صُحاب الأرض” المعاناة الإنسانية التي عاشها الشعب الفلسطيني تحت الحصار، في ظل الحرب على قطاع غزة في أعقاب السابع من أكتوبر 2023م، ويتناول قصص شخصيات تعيش تحت وطأة القصف والدمار.

وأشار الإعلام العبري إلى أن المسلسل يتناول الحرب في غزة بأسلوب يبتعد عن إظهار “إسرائيل” بصورة إيجابية، ويعد الكيان الإسرائيلي أن إنتاج “صُحاب الأرض” وبثه على القنوات المصرية أنهما بمثابة خطوة سياسية مدروسة.

فيما يرى رئيس “الهيئة الدولية لدعم الشعب الفلسطيني”، صلاح عبدالعاطي، أن “صُحاب الأرض” يوثق لحظة فارقة في تاريخ المنطقة، وهي الحرب على غزة المستمرة من 2023م، ويوضح أن “الهجوم الإسرائيلي على المسلسل يأتي بسبب توثيقه للحقيقة والجرائم التي ارتكبت بحق الفلسطينيين”.

وتدور أحداث المسلسل حول شخصية فتاة فلسطينية تعيش لحظات قاسية بعد أن فرقت الحرب بينها وبين والدها، الذي حصل على تصريح سفر إلى الضفة الغربية، غير أنه ظل محاصراً داخل قطاع غزة وتتجسد مأساة التواصل في ظل انقطاع الكهرباء وضعف الإنترنت، حيث تحاول الفتاة الاطمئنان عليه عبر مكالمات فيديو متقطعة تنتهي فجأة عقب غارة استهدفت مكان وجوده مما يضعها في صراع بين قلقها عليه ومسؤوليتها في رعاية شقيقتيها الصغيرتين.

ووفق تصريحات لأكاديميين مصريين فإنه من المهم توظيف الفن والدراما والإعلام في القضايا السياسية، ومن أهمها القضية الفلسطينية، مشيرين إلى أن مثل هذه الأعمال تقابل بهجوم إسرائيلي دائماً، لأنها تكشف الجرائم التي ارتكبت.

في سياق ذلك توقعت الصحيفة العبرية “يديعوت أحرونوت” أن يتابع عشرات الملايين من المشاهدين في أنحاء العالم العربي المسلسل حتى من داخل فلسطين المحتلة.

والمسلسل من إنتاج الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية، ويعرض على بعض القنوات والمنصات التابعة لها، إلى جانب التلفزيون المصري الرسمي خلال شهر رمضان.

وحسب عبد العاطي فإن التوثيق الدرامي للقضية الفلسطينية ضروري في ظل محاولات الكيان الإسرائيلي تحريف المحتوى الإعلامي لكثير من الأحداث بحق الفلسطينيين، ويضيف أن القاهرة وثقت عن طريق الدراما أحداثاً عديدة في الصراع العربي الإسرائيلي مثل مسلسل “رأفت الهجان”، ويوضح أن التوثيق الدرامي تأثيره باق ومستمر ولا يمكن تحريفه.

لقد تبنى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب منذ 25 يناير 2025م مخططاً إسرائيلياً لتهجير الفلسطينيين من غزة إلى دول مجاورة مثل مصر والأردن، وهو ما رفضه البلدان، وانضمت إليهما دول عربية أخرى، ويرفضه الفلسطينيون أنفسهم حتى لو تم إغراءهم بالأموال وغيرها.

فمع إعادة فتح المعبر في 2 فبراير الجاري تتوالى عودة العالقين ولم شمل عائلات فرقتها الحرب لأكثر من عامين في مشهد يؤكد أن مخططات تهجير الفلسطينيين والاستيطان في القطاع قد تبددت.

وقد تناولت عدد من الصحف العربية الصادرة في أوروبا مأساة الفلسطينيين في غزة وانطباعاتهم عند عودتهم إلى أراضيهم وفرحتهم بذلك، ومن ذلك تلخص الفلسطينية فداء عمران مشاعرها لحظة عودتها إلى قطاع غزة عبر معبر رفح الحدودي مع مصر بالقول: “فور وصولنا إلى غزة ردت إلينا الروح وعادت أنفاسنا”، فبالعناق والبكاء التأم شمل فداء ووالدتها وأخواتها مع والدهم الذي استقبلهم بحرارة في “مستشفى ناصر” بمدينة خان يونس جنوبي قطاع غزة، بعد رحلة علاج طويلة.

تقول عمران “الخدمات متوفرة في الخارج، إلا أنه لا شيء يضاهي شعور العودة إلى الوطن والتواجد بين الأهل والأحباب”.، وأوضحت أنها انتظرت لحظة العودة بفارغ الصبر، وأنها نسيت المعاناة التي مرت بها أثناء رحلة العودة بمجرد أن وطأت قدماها أرض غزة، وتنصح عمران الفلسطينيين بعدم التفكير في مغادرة القطاع، وتقول “لا مكان أفضل من غزة”.

وكانت حكومة الكيان الإسرائيلي قد فتحت معبر رفح في 2 فبراير الماضي بشكل محدود جداً وتحت قيود مشددة وإجراءات معقدة، بعد إغلاق دام منذ مايو 2024م حين اجتاح الجيش الإسرائيلي مدينة رفح، ولم تكتف بذلك بل قامت بوضع عراقيل أمام حركة السفر عبر المعبر ذهاباً وإياباً، ولم تلتزم بالأعداد المفترضة للتنقل بموجب وقف إطلاق النار منذ 10 أكتوبر 2025م.

ومثلت مشاهد عودة العالقين عبر المعبر، واستقبال ذويهم في لحظات إنسانية مؤثرة مؤشراً آخر على تمسك الفلسطينيين بأرضهم، وإصرارهم على إفشال مخططات التهجير الإسرائيلية.

ورغم حجم الدمار بفعل الحرب الإسرائيلية، فإن المعطيات تفيد بتسجيل نحو 80 ألف فلسطيني في الخارج أسماءهم للعودة إلى غزة، وبحسب مراقبين، يبعث هذا الإصرار على الإحباط لدى صناع القرار في إسرائيل، الذين أعلنوا في مناسبات عديدة سعيهم لتهجير الفلسطينيين وإفراغ قطاع غزة.

من جهتها، تصف العائدة تهاني عمران الغربة بأنها “لحظات العذاب بسبب فراق الأهل والبعد عن الوطن، مضيفة أنها تنفست الصعداء فور وصولها إلى غزة، وتضيف “ولدنا في غزة وسنموت فيها”، وعن معاملة الجيش الإسرائيلي أثناء المرور من معبر رفح تقول تهاني إنها تعرضت للمضايقات والتنكيل، وتتابع “قيدوا يدي وعصبوا عيني، وأجروا معي تحقيقا لقرابة ساعة ونصف”.

ويقف الشاب حسام المنسي مبتهجاً بالعودة إلى قطاع غزة، معتبراً أن شعوره “لا يوصف”، بعد لقائه بزوجته وأبنائه، وغادر المنسي إلى مصر خلال الحرب جراء إصابة في القدم، وفضل العودة قبل استكمال العلاج بعد إعادة فتح معبر رفح، ويقول إن “تراب غزة يساوي الدنيا وما فيها، ورغم الدمار وضيق العيش إلا أنها في نظري أفضل بلد في العالم”، ويتابع “لا أنصح أحداً بالخروج من غزة لأنه سيندم على ذلك، فليس لنا إلا وطننا”.

إن مجرد وصول أول عائد إلى غزة هو “إفشال لمشروع التهجير الذي سعت إليه إسرائيل، وما زالت”.، ويؤكد المحللون السياسيون:”أن هناك بعدين أساسيين يفسران مشهد عودة العالقين، أحدهما إنساني، والآخر وطني وسياسي.”

أما البعد الإنساني فيتمثل في الحاجة إلى جمع شمل العائلات التي فرقتها الحرب، فضلاً عن الأوضاع المعيشية الصعبة التي يعاني منها من خرجوا من غزة، ومعظمهم مرضى وجرحى بحاجة إلى رعاية خاصة، فحينما يفاضل الفلسطينيون بين العيش في معاناة الغربة أو داخل الوطن، فبالتأكيد سيفضلون المعاناة في وطنهم وبين أهلهم.

أما البعد الوطني، فيعتبره الفلسطيني حاسماً في قرار العودة، ويشعر أنه جزء من مشروع وطني في مواجهة مخططات التهجير الإسرائيلية، وهناك وعي لدى مختلف شرائح الفلسطينيين.

إن التنشئة الوطنية الفلسطينية تقوم على فكرة التمسك بالأرض والهوية، وتمثل جلياً خلال الحرب بإصرار النازحين على العودة من جنوبي غزة إلى بيوتهم المدمرة في الشمال، فور سريان وقف إطلاق النار، وهذا ما يجعل الكيان الإسرائيلي منزعج جداً من إصرار الفلسطينيين على العودة ويتبين ذلك من خلال تعرض العائدين لانتهاكات وتنكيل خلال التحقيق معهم بما يعكس حالة إحباط لدى الجيش من إصرارهم على العودة إلى الدمار والخيام.

ومما يدلل على ذلك أن الكيان الإسرائيلي كان يريد أعدادا أقل للعائدين مقابل المغادرين، وهي بذلك تنتهك حالياً الاتفاق بوضعها قيوداً على أعداد القادمين والمغادرين.

 

 

 

 

قد يعجبك ايضا