لم يكن مستغرباً اغتيال السيد علي لاريجاني ورفاقه، لدى كبير أو صغير. فهو ليس أول اغتيال ولن يكون الأخير. هذا ما يعرفه كلّ من خبر الكيان الصهيوني وتاريخه الدموي وسياسته. فمن يرفع شعار “انهض واقتل أولاً ” وشعار ” ادفع دولاراً تقتل عربياً” منذ أربعينيات القرن الماضي، لم يغيّر شعاره ولم يزدد إلا خسة وإجراماً.
بل المستغرب عن طبعه ألا يمارس القتل والاغتيال. إنّ الكيان الصهيوني وحليفته وراعيته الإمبريالية الأمريكية يستخدمان أسلوب الاغتيال. فمنطق الدم والتصفيات الجسدية هو المنطق الذي يحكم العقلية الصهيونية والإمبريالية ويتحكّم بهما منذ فجر تاريخهما.
وعليه فإنّ أية علاقة ستربط هذين الوجهين مع أيّ كيان أو دولة أو أمة قامت أو ستقوم إما على الاحتواء والتبعية أو الإبادة والسيطرة، وإلا فهو صراع انتحاري مستمر. وهذا ما تؤكّده المراحل التاريخية المختلفة من تاريخ هذين الكيانين الاستعماريين.
فمنذ مطلع القرن الماضي اعتمدت الحركة الصهيونية وقادتها الاغتيالات أسلوباً في التخلّص من كلّ من يخالفهم الرأي حتى لو كان منهم من ينتمون للمنظمات الصهيونية الأخرى.
وقد شهد تاريخهم عشرات الاغتيالات وملاحقة اليهود أنفسهم بالقتل وتخريب الممتلكات من أجل اتهام العرب أو مواطني الدول التي يقيمون فيها لإجبارهم على الهجرة إلى فلسطين.
فهناك عشرات بل ومئات الاغتيالات والمذابح التي نفّذتها المنظمات الصهيونية إتسل وليحي وهاغاناة ضدّ الفلسطينيين وحتى ضدّ بعضهم البعض. واغتيالات العلماء العرب منذ بدء تكوينها من كل الدول العربية.
وما زالت الاغتيالات مستمرة ضد كلّ من يعترض طريقهم أو يختلف معهم من أرض فلسطين وأماكن شتات شعبها إلى لبنان واليمن وإيران والعراق وتونس وكل مكان، مروراً بعام 1995م واغتيال إسحاق رابين رئيس وزراء “دولتهم العميقة” كما وصفتها زوجة نتنياهو قبل أيام.
ويدرك هذا الكيان خطأ معتقداته، حين يرى أنّ كلّ اغتيال لقائد يفجّر المزيد من الحقد عليه ويزيد الجمهور تمسّكاً بالقائد الشهيد وولاء للقائد الذي سيخلفه. وهذا ما أثبتته المقاومة الفلسطينية، اغتالوا قادتها العظام وظنّوا أنهم حيّدوها، فجاءهم الطوفان، قتل السيد عباس الموسوي، فخلفه السيد حسن نصر الله الذي قاد المقاومة من انتصار إلى انتصار ومن تطوّر إلى تطوّر.
وظنّ الكيان الصهيوني أنه بقتله للسيد حسن ومن سبقه ومن لحقه من القادة، سيقضي على قوة الحزب وجمهوره وأوصلهم إلى حافة اليأس، واكتشف أنّ هذا الصبر بشقّيه التكتيكي والاستراتيجي لم يكن إلا لوقت محدّد يعيد فيه الحزب ترتيب أموره ليخرج إليهم بقوة لا تقلّ عمّا عهدوها منه من صلابة وتحدّ.
وكذلك الأمر باغتيال قادة كبار في الجمهورية الإسلامية العملاقة. فاغتالوا السيد علي خامنئي، فحلّ محلّه السيد مجتبى الأكثر تشدّداً من والده.
هذه حقيقة لا يعطيها ولا يفهمها ولا يتعلّم منها العدو الصهيو أمريكي. لأنه لا يهون معنى الأوطان بالنسبة إليه. ومع إدراك الصهاينة والأمريكيين لهذه الحقيقة إلا أنهم يعيشون على دماء الآخرين. وكيف سيعي معنى الوطن والوطنية من اغتصب أوطان الآخرين وادّعى مواطنتها، كما فعلوا هم في الوطن الفلسطيني ووطن الهنود الحمر؟
هذه العقيدة “العقدة” الدموية يمتلكها عادة المجرمون الذين يحسّون أنهم مبغوضون وخائفون، ويتناسون أنّ إجرامهم ورغبتهم العميقة في امتلاك كلّ ما يمتلكه غيرهم من الأرض وما فيها وما عليها. بالدم يريدون الأملاك وبالدم يحاولون حماية أنفسهم.
فخلال كتابة هذا المقال ورد هذا الخبر :العثور على جثة الصحافية الفرنسية مارين فلاهو فيتش في منزلها في مرسيليا، أثناء عملها على تصوير فيلم ضدّ الإبادة الصهيونية في غزة.
ولا أستبق التحقيق هنا إن كان هناك تحقيق جادّ في موتها، ولكن عادة يطرح السؤال: من المستفيد؟ والمستفيد من التعتيم على الإبادة المفتوحة بطول الكرة الأرضية وعرضها هو “إسرائيل”.
فهم لا يتورّعون عن قتل الصحافية الفرنسية كما لم يتورّعوا عن قتل الصحافيين الأوروبيين وموظفي الأمم المتحدة والمتضامنين الأمريكيين والدوليين.
وفي الأيام الأخيرة، ضجّت وسائل التواصل لعشرات بل ومئات الصهاينة بقضية مقتل ابنة وزيرة المستوطنات. والمتهم الأول في هذه القضية هم الوزيرة وزوجها بعد أن ظهرت ابنتهما “شوشانا ستروك” على وسائل التواصل لتفضح والديها اللذين مارسا الاغتصاب لها عندما كانت في الثالثة عشرة من عمرها.
مجتمع دموي منخور من الداخل، كما تنخره القذائف والصواريخ المنهالة عليه من الجنوب اللبناني وإيران، اختبأ عقوداً طويلة خلف أكذوبة المظلومية اليهودية، ينكشف كذبه وخداعه كلّ لحظة تمرّ ويختبئ قادته خوفاً من المواجهة كما يفعل نتنياهو اليوم يقف عارياً أمام العالم وحتى أمام جمهوره وناخبيه كما لم ينكشف من قبل.
أديبة وأكاديمية فلسطينية
