إيران في مواجهة العدوان…ردّ يتجاوز الحسابات التقليدية ومشهد إقليمي على حافة الاشتعال

هاشم عبدالجليل جحاف

 

 

إيران في

في لحظةٍ إقليمية بلغت ذروة التوتر، استفاقت المنطقة على وقع هجومٍ استهدف العمق في إيران، في تطورٍ أعاد خلط الأوراق ورسم خطوط اشتباك جديدة بينها وبين خصومها، وفي مقدمتهم إسرائيل، وسط صمتٍ دولي لا يخلو من حساباتٍ منحازة ومصالح متشابكة.

لم يكن ما جرى حادثاً عسكرياً معزولاً، ولا ضربةً عابرة في سياق الردود المتبادلة، بل محطة استراتيجية في مسار تصعيدي يتكثف منذ أشهر. ضربةٌ تحمل في طياتها رسائل متعددة، وتتجاوز حدود الجغرافيا لتلامس جوهر الصراع على النفوذ والردع وإعادة صياغة موازين القوة في الشرق الأوسط.

هجوم متعدد الرسائل… والتوقيت رسالة بحد ذاته

استهداف مواقع حساسة داخل الأراضي الإيرانية وفق ما أوردته، تقارير إعلامية، جاء في توقيت بالغ الحساسية، حيث تتقاطع ملفات غزة ولبنان والبحر الأحمر والبرنامج النووي الإيراني في لحظة إقليمية واحدة مشتعلة.

العملية، التي رجّحت تقديرات عديدة مسؤولية إسرائيل عنها ضمن سياق “المعركة بين الحروب”، لم تكن مجرد محاولة لإصابة هدف عسكري، بل اختباراً لحدود الرد الإيراني. فتل أبيب، المنخرطة في صراع مفتوح على أكثر من جبهة، تنظر إلى إيران بوصفها العمق الاستراتيجي لمحور المقاومة، وتسعى إلى كبح تمدده ومنع تحوّله إلى طوقٍ ناري يضيّق الخناق عليها.

غير أن الرسالة السياسية كانت أوضح من الضربة ذاتها: الضغط على طهران في لحظة إقليمية دقيقة، واستدراجها إلى ردٍّ قد يُستخدم ذريعة لتوسيع نطاق المواجهة، أو على الأقل لإعادة ضبط قواعد الاشتباك بشروط جديدة.

ردّ إيراني… معادلة النار بالنار دون الانزلاق

الرد الإيراني جاء سريعاً، محسوباً في توقيته، حاسماً في لغته. أعلنت طهران أنها تعاملت مع الهجوم بجاهزية كاملة، مؤكدة اعتراض مقذوفات وتحييد تهديدات، ومشددة على أن أي اعتداء لن يمر دون عقاب.

وسرعان ما تحدثت وسائل إعلام إيرانية عن ضربات استهدفت مواقع عسكرية مرتبطة بالجهة المنفذة. هنا تتجلى المعادلة الإيرانية بوضوح: الردع مقابل الردع، والتصعيد المحسوب مقابل التصعيد.

إيران لا تبدو راغبة في حرب شاملة تستنزف مواردها وتفتح جبهات يصعب التحكم بإيقاعها، لكنها في الوقت ذاته ترفض تكريس سابقة تسمح باستهداف أراضيها دون ثمن. إنها سياسة المشي على حافة النار: تثبيت معادلة الرد، دون إشعال حريقٍ لا يمكن السيطرة عليه.

امريكا… دعمٌ معلن وقلقٌ مكتوم

في الخلفية، تقف امريكا في موقعٍ بالغ التعقيد. فهي الحليف الاستراتيجي لإسرائيل، والداعم العسكري والسياسي الأبرز لها، لكنها في الوقت ذاته تدرك أن أي مواجهة مباشرة مع إيران قد تفتح أبواباً لا يمكن إغلاقها بسهولة.

الدعوات الأمريكية إلى “ضبط النفس” تعكس هذا التوازن الدقيق بين الالتزام بأمن إسرائيل، والخشية من انفجار إقليمي واسع. فواشنطن، المثقلة بملفات دولية متشابكة، لا تريد حرباً جديدة في الشرق الأوسط، لكنها أيضاً لا تستطيع فك الارتباط بمعادلاته الأمنية.

الداخل الإيراني… صلابة تحت الاختبار

على الصعيد الداخلي، حرصت القيادة الإيرانية على إظهار صورة من التماسك والثقة، مؤكدة أن الهجوم لم يحقق أهدافه الاستراتيجية. الخطاب الرسمي ركّز على الجاهزية الدفاعية وعلى امتلاك أدوات الرد الكافية لحماية السيادة الوطنية.

لكن خلف هذه الصورة، يقف تحدٍ طويل الأمد: استمرار الاستهدافات يضع إيران أمام اختبار مزدوج؛ اختبار القدرة العسكرية على حماية منشآتها الحيوية، واختبار القدرة السياسية على إدارة الرأي العام في ظل ضغوط اقتصادية متراكمة.

إنها معركة هيبة بقدر ما هي معركة ميدان.

موقف اليمن… اصطفاف معلن في معركة السيادة

في هذا السياق، جاء موقف اليمن واضحاً في إدانة الهجوم واعتباره عدواناً يمس سيادة دولة إقليمية كبرى ويهدد أمن المنطقة برمتها. الموقف اليمني رأى أن استهداف إيران لن يؤدي إلى كسر معادلات الردع، بل سيزيد من تماسك الجبهات الرافضة للهيمنة الإسرائيلية.

وأكدت صنعاء في خطابها السياسي أن أمن المنطقة لا يُبنى على الضربات الاستباقية، بل على احترام سيادة الدول ووقف الاعتداءات المتكررة. ويعكس هذا الموقف رؤية تعتبر أن ما يجري ليس مواجهة ثنائية معزولة، بل جزء من صراع أوسع على شكل النظام الإقليمي ومستقبله.

بين الردع والانزلاق… خيطٌ أرفع من الحسابات

المشهد الإقليمي اليوم يشبه رقصةً دقيقة على حافة الهاوية. كل طرف يسعى إلى تثبيت قواعد اشتباك جديدة، وإرسال رسائل قوة، دون أن يدفع الأمور إلى نقطة اللاعودة. غير أن التاريخ القريب يثبت أن الحروب الكبرى كثيراً ما تبدأ من شرارة صغيرة أو خطأ في التقدير.

السؤال لم يعد: من بدأ؟

بل: من يمتلك القدرة على إيقاف التصعيد إذا انفلت زمامه؟

ما جرى ليس حادثاً عسكرياً عابراً، بل مؤشر على أن ميزان الردع في المنطقة يمر بلحظة إعادة صياغة عميقة. لحظة تختبر فيها القوى الإقليمية حدود بعضها البعض، فيما تترقب الشعوب بقلق مصير منطقة اعتادت على العواصف أكثر مما اعتادت على الاستقرار.

إنها لحظة مفصلية: إما تثبيت معادلات ردع أكثر صلابة تفرض توازناً جديداً، أو الانزلاق إلى مواجهة تتجاوز إيران وإسرائيل، وتمتد شظاياها إلى أكثر من ساحة.

وفي منطقةٍ تتكلم فيها الصواريخ بقدر ما تتكلم البيانات، يبقى الثابت الوحيد أن النار مهما بدت محسوبة لا تعترف دائماً بحسابات من أشعلها.

 

 

 

قد يعجبك ايضا