معالم التحول في التاريخ

عبدالرحمن مراد

 

في شهر فبراير من عام 1258م اجتاح المغول بغداد وهي يومذاك عاصمة الدولة الإسلامية واستباحوا كل شيء فيها وقتل المغول كل نفس كانت تصادفهم في الطرقات ونهبوا وأحرقوا كل ما صادفوه عدا بيوت اليهود والمسيحيين، وفي هذا الاجتياح تم تدمير بيت الحكمة في بغداد واحراقه، وبيت الحكمة كان مكتبة كبرى يحوي نفائس الكتب في مختلف الفنون والمجالات وقيل أن نهري دجلة والفرات تلونا بلون الحبر يومذاك لكثرة الكتب المغرقة فيهما ويرى الكثير من المؤرخين أن اجتياح المغول لبغداد ودكهم لمعالم الحضارة والعمران فيها وقتلهم أهلها وإحراق مكتبتها، شكل كارثة كبرى للمسلمين في ذاك الزمان وكان علامة بارزة على نهاية العصر الذهبي للإسلام، وبسقوط بغداد الأول في ذلك الزمن تفرق العرب وضعفت شوكتهم وأصبحوا فرقا وشيعا وطوائفا يأكل بعضهم بعضا، ونهبا للقوى الكبرى من حولهم مثل الرومان والأتراك والبرتغال، ثم مع مرور الزمن تتسع دائرة الأطماع ليصبح العرب نهبا للقوى المستعمرة الجديدة مثل فرنسا، وبريطانيا، وإيطاليا، ويغيب العنصر العربي من الصراع السياسي الذي ينحصر في الأتراك، ولم يستيقظ العرب إلا في القرن التاسع عشر من خلال حركات التنوير التي قادها رموز التنوير فيما يسمى بحركة التنوير أو عصر النهضة .
وكانت حركة التنوير أو النهضة أو اليقظة العربية عبارة عن حالة فكرية وثقافية واجتماعية نشأت في بعض الحواضر العربية مثل القاهرة وبيروت ودمشق وبغداد ومراكش وفاس وكان من أبرز مظاهر هذه الحركة انتشار الطباعة، وظهور الصحافة، ودور النشر، والتوسع في إنشاء المدارس والجامعات، وأحياء التراث العربي وتحقيقه، ونهوض اللغة العربية من كبوتها التي لازمتها منذ سقوط بغداد، وتفاعل الأدب العربي مع الأدب العالمي مما أدى إلى ظهور فنون جديدة لم يكن لها في العربية من وجود مثل الفن القصصي والروائي والمسرحي، وهذه الحركة كان من نتائجها انتشال اللغة من حالة الركود، وبعثت سؤال الهوية وناقشت قضايا التحرر، وقضايا الاستقلال، وتنمية روح الانتماء للأمة وأسباب التعثر ومقومات النهوض .
وكان من نتائج النهضة الثقافية نهضة سياسية قادت إلى الثورات وحركات التحرر من المستعمر في عموم الجغرافيا العربية، ونشأت في غالب الجغرافيا العربية دول بنظم ثورية وبفكرة سياسية تمزج بين الأصالة وبين المعاصرة، حاولت أن تعيد صياغة الوجه الحضاري للأمة، وقد تأثرت بعض تلك الأنظمة بأيديولوجيات معاصرة، وكانت تخوض صراعا مريرا مع قوى الشرق الاشتراكية أو قوى الغرب الرأسمالية، وظل المستعمر – الذي خرج مجبرا بيقظة الشعوب – يتوق للعودة إلى الديار العربية، ولذلك بعد سقوط المنظومة الاشتراكية عام 1990م سارع الغرب إلى تبني سياسة جديدة وهي تقوم على القضاء على حركات التحرر العربي وقادهم تفكيرهم إلى استثمار التاريخ، فكان سقوط بغداد عام 2003م بداية تحول من مؤشرات القوة والوحدة والتلاحم والقدرة على اتخاذ القرارات وإعلان  المواقف الصارمة ،إلى الضعف والشتات والتفرقة، والتشرذم وصولا إلى حالة الهوان التي أصبح العرب عليها اليوم، بعد أن اتسعت دوائر الصراع ووصلت بعض الدول إلى مشارف الفشل والضياع والشتات، ليخلو الجو للكيان الصهيوني كي يبيض ويفرخ في المنطقة العربية ويتحول إلى مركزية متحكمة ومسيطرة على مقدرات العرب والمسلمين .
بعد كل هذا الضياع الذي وصل إليه العرب والمسلمون من خلال الهزات الاجتماعية العنيفة والثورات الشعبية التي أفضت إلى التشظي والانقسامات والتباين في الموقف والرؤية تعمل الصهيونية العالمية مع أمريكا اليوم على حشد كل الطاقات العسكرية مستغلة حالة الضعف والهوان لتفرض واقعا جديداً وربما تحولا عميقا في المنطقة العربية والإسلامية، فهي تفاوض ايران في العواصم العالمية حول مفاعلاتها النووية وأسلحتها كمن يلوح بالجزرة والعصاء، فالتفاوض يصحبه تحشيد وتمركز عسكري ومناورات حرب الكترونية وكأن المنطقة تنتظر حربا جديدة تلوح في الأفق قد تصبح نقطة تحول جديدة، فالتحشيد غير مبرر، كما أن التفاوض ليس أكثر من غطاء لما يراد له أن يكون في المنطقة، فالخوف يسيطر على إسرائيل من القدرات التي تمثلها ايران وهي تسعى بكل تلك الطاقات التي تحشدها في البحار واليابسة أو تعدها لمسار المعركة الى إحداث توازن نفسي أولا، وقوة ردع ثانيا .
اليوم يقف التاريخ عند نقاط فارقة، وهو يستثمر بمكر ودهاء يهودي بحت، فالتاريخ يتكرر في واقع العرب والمسلمين بشكل مهازل، وقد قرأ اليهود التاريخ واستفادوا منه، و أبرز مؤثر لهم في السياسة الأمريكية برنارد لويس الذي كان قارئا عميقا للتاريخ العربي والإسلامي وقد استفاد من التاريخ ومن تجاربه في حركة الانقسامات ،وقصة تفكك الإمبراطوريات العظمى ولعل أدراكه الكامل لقانون التاريخ جعله يرسم المآلات من خلال البدايات التي يفضلها أن تكون على تماثل مع أحداث كانت لها ذات النتائج في واقع المجتمعات العربية والإسلامية .
والخلاصة أن الأمة لا يمكنها النهوض بدون نهضة ثقافية تعيد الانساق الى مكانها الطبيعي وتحرر مفردات اللغة من الاحتلال وتعويم المصطلحات وتضبط ايقاع حركة الحياة، وتعيد تعريف الأشياء وفق منطق العصر الذي نحن فيه وليس وفق منطق التاريخ القديم، فالحياة في تطور مستمر وليست ثابتة .

قد يعجبك ايضا