نصف ساعة في حراج العمال

محمد صالح حاتم

 

 

في الأول من مايو من كل عام، يقف العالم إجلالًا لجهود العمال، أولئك الذين يصنعون الحياة بصبرهم، ويبنون الأوطان بسواعدهم رغم قسوة الظروف. وفي اليمن، حيث تتضاعف التحديات، تبرز حكايات العمال أكثر عمقًا وصدقًا، حاملةً في طياتها معاني الكفاح والصمود. وفي هذا السياق، لم تكن تجربتي مجرد مرور عابر، بل كانت نافذة إنسانية تختصر واقع هذه الفئة الكادحة.
بينما كنت أنتظر أحد الأصدقاء ليأتي بسيارته لنذهب لنُخزّن في مقر عمله، كانت الشمس حارقةً بشكل لا يُطاق. لم أجد بُدًّا من الاحتماء خلف جدار قريب، وهناك لفت انتباهي مجموعة من العمال، يحملون أدواتهم ومعاولهم، وقد افترشوا قطعًا من الكراتين هربًا من حرارة الأرض. بحثت عن قطعة كرتون لأجلس بجوارهم بانتظار وصول صديقي، وسرعان ما وجدت نفسي مندمجًا معهم في حديث عفوي صادق.
كان الهم حاضرًا في وجوه الجميع؛ فكل واحد يحمل قصة تعب ومعاناة. بعضهم مضت عليه أيام دون أن يجد عملًا، وآخرون لم يعملوا سوى ساعات قليلة لا تكاد تسد رمق أسرهم. ورغم قسوة الحياة، لم يخلُ المشهد من مفارقات إنسانية لافتة؛ فهذا يمزح مع رفيقه، وذاك ينشغل بهاتفه، وآخرون يخوضون نقاشات حادة حول السياسة وما يدور في المنطقة من أحداث وحروب.
تجاذبنا أطراف الحديث حول صعوبات المعيشة في اليمن، وكان هناك شبه إجماع – رغم اختلاف التوجهات – على أن ما يعانيه الناس هو نتيجة مباشرة للحرب والعدوان السعودي الأمريكي، والحصار الاقتصادي الذي فُرض على شعبنا طيلة عشر سنوات. لكن اللافت لم يكن فقط تشخيصهم للواقع، بل ما حملته كلماتهم من وعي واهتمام بما يجري خارج حدودهم؛ إذ تحدثوا عن غزة، وعن صمودها، وعن الموقف اليمني منها، كما أبدوا إعجابهم بقوة وصمود الشعب الإيراني في مواجهة التحديات.
وخلال تلك النصف ساعة، لم أسمع شكوى بقدر ما سمعت مواقف تعبّر عن صلابة داخلية نادرة. كان حديثهم يبعث على الدفء رغم قسوة الواقع؛ كلمات تثلج الصدر عن الصمود اليمني، وعن الإيمان بأن القادم أفضل. كانوا متفائلين، بشكل يثير الدهشة، بأن الأيام القادمة ستحمل انفراجة، وأن الخير لا يزال في هذا البلد.
وأكدوا، ببساطة وعفوية، أن الخلاص يبدأ من الداخل: بزراعة الأرض، والعمل، ومحاربة الفساد، والتصدي للناهبين للمال العام. كما شددوا على أهمية التوحد شمالًا وجنوبًا، شرقًا وغربًا، معتبرين أن العزة الحقيقية تكمن في الوحدة والصمود.
كان جلوسي مع العمال أشبه برحلة إنسانية قصيرة، لكنها غنية بالعبر والتأملات.
خلال تلك اللحظات، شعرت وكأنني اكتسبت جرعة من القوة والشجاعة. رأيت في عيونهم عظمة الإنسان اليمني، الذي يتمسك بكرامته، ويتشبث بأصالته، ويرفض أن تنال منه الظروف.
خرجت من عندهم وأنا أكثر فخرًا بهؤلاء الناس، وبهذا الصبر المتجذر فيهم، وبهذا التفاؤل الذي يجعلهم يتمسكون بالحياة رغم كل شيء. لم تكن مجرد نصف ساعة عابرة، بل درسًا عميقًا في معنى الصمود والكبرياء في وجه قسوة الحياة

قد يعجبك ايضا