عبد الحافظ معجب
لا يمكن لعاقل يدرك نعمة الجغرافيا اليمنية وتاريخ إنسانها الضارب في أعماق الحضارة الزراعية أن يمر بصمت أمام مفارقة عجيبة ومؤلمة تتجلى في رؤية آلاف الأسر وهي تقف في طوابير طويلة ومنكسرة بانتظار سلة غذائية تجود بها منظمات أو جمعيات ومؤسسات دولية لا تمنحنا من خيرها إلا ما يضمن بقاءنا على قيد الجوع لا غير.
في حين أن هذه الأسر نفسها تعيش فوق كنوز من الأراضي البكر والمساحات الشاسعة التي تمتد على طول الأرض الطيبة دون أن تجد من يفتح لها باب العمل أو يمنحها معول البناء الحقيقي، حيث بات من الواضح والمكشوف لكل ذي بصيرة أن الدور الذي تلعبه هذه المنظمات في بلادنا ليس إنسانياً محضاً كما تدعي شعاراتها البراقة بل هو عمل مشبوه يفوح منه نتن النشاط الأمني والتجسسي، إلى جانب الفساد والإفساد الذي يسعى لتكريس ثقافة الاتكال والتبعية وقتل روح المبادرة لدى مجتمعنا الذي عرف بصلابته وجلده في تطويع الصخر وبناء المدرجات، فهذه السياسات التي تنتهجها القوى الغربية عبر أدواتها الإغاثية لا تهدف لإنقاذ اليمن من محنته بقدر ما تهدف لضمان بقائه سوقاً استهلاكياً مفتوحاً لمنتجاتها وفائض إنتاجها الزراعي مع إبقاء فاتورة الاستيراد سيفاً مسلطاً على رقبة الاقتصاد الوطني المنهك أصلاً.
وبينما يتحدث قائد الثورة السيد عبد الملك الحوثي حفظه الله في كل مناسبة عن ضرورة التحرك الجاد نحو الزراعة لتحقيق الاكتفاء الذاتي وكسر قيود الارتهان للخارج نجد أن هناك فجوة هائلة بين هذه التوجهات الاستراتيجية الصادقة وبين واقع الأداء الرسمي الذي ننتظر منه اجتراح الحلول الميدانية الجريئة، فبلادنا تمتلك أعظم ثروة يمكن لأي أمة أن تحلم بها وهي الثروة البشرية الشابة الراغبة في العمل والإنتاج والتي ترفض بكرامتها المتأصلة أن تظل رهينة لمزاج الموظف الدولي الذي يقتطع أكثر من ثلثي ميزانية المعونات لمرتباته وصرفياته تحت بند النفقات التشغيلية.
إن ما يحتاجه المواطن اليمني ليس كيساً من الدقيق الفاسد أو علبة من الزيت منتهي الصلاحية بل يحتاج إلى قرار سياسي وإداري شجاع يحرر الأراضي البيضاء التابعة للدولة وللأوقاف ويضعها بين يدي الشباب العاطلين عن العمل وفق نظام تأجير رمزي يحفظ حق الدولة ويضمن كرامة المواطن، فالأرقام المذهلة لمساحات الأراضي الصالحة للزراعة في سهل تهامة فقط والتي تقدر بمئات الآلاف من الهكتارات لا تزال شاهدة على خذلان السياسات المتعاقبة التي فضلت الاستيراد السهل والعمولات التجارية على تعب الفلاح وعرق الجبين في أرضنا الطيبة، ولهذا فإن الحديث عن النهوض الزراعي لا ينبغي أن يظل حبيس القاعات والفعاليات التي تقام لالتقاط الصور بل يجب أن يتحول إلى جبهة اقتصادية حقيقية ومتكاملة تقودها وزارة الزراعة بروح المقاتل لا بروح الموظف التقليدي الذي ينتظر نهاية الدوام ليغادر مكتبه دون أن يسأل نفسه: كم فداناً تم إستصلاحه اليوم وكم أسرة يمنية تحررت من سطوة الحاجة للمنظمات بفضل قراراته وتوجيهاته الميدانية.
وإذا ما نظرنا بعين الفاحص إلى تجارب الأمم التي كانت بالأمس القريب ترزح تحت وطأة الجوع والتبعية فإننا سنجد أن دولاً مثل فيتنام لم تنهض بالمعجزات بل من خلال قرارات حاسمة منحت الفلاح حق الانتفاع بالأرض لعقود طويلة وهو ما حولها من مستورد للأرز إلى ثاني أكبر مصدر له في العالم خلال زمن قياسي، وكذلك هو الحال في التجربة المصرية المعاصرة التي تشق طريقها في الصحراء عبر مشروع «الدلتا الجديدة» حيث لم تنتظر الدولة هناك مبادرات المنظمات بل قامت بمد شرايين الحياة من ترع ومحطات معالجة وطرق لتسلم الأرض للمواطن والشركات كشريك في التنمية.
هذه النماذج الناجحة تضعنا أمام سؤال أخلاقي ووطني كبير عن سبب التحرك البطيء في هذا ملف رغم امتلاكنا لسهل تهامة الذي يعد من أخصب بقاع الأرض وأطوعها للزراعة، حيث تشير التقديرات والمسوحات الفنية إلى أن إجمالي المساحات القابلة للزراعة في اليمن تبلغ حوالي مليون وستمائة ألف هكتار لا يستغل منها إلا النزر اليسير بطرق تقليدية بينما تظل في محافظتي الحديدة وحجة مساحات شاسعة تتجاوز مئات الآلاف من الهكتارات بانتظار لمسة استصلاح واحدة، ففي سهل تهامة وحده يمكن استصلاح أكثر من مائتي ألف هكتار إضافية إذا ما وجدت الإرادة لشق القنوات التحويلية من وديان مور ورماع وزبيد وسردود والاعتماد على تقنيات الري الحديثة والطاقة الشمسية.
ولغة الأرقام هنا لا تكذب، فلو قمنا بتوزيع هذه الأراضي على الأسر الفقيرة بمعدل هكتارين لكل أسرة فإننا سنتمكن من توفير مصدر دخل كريم ومستقر لنحو مائة ألف أسرة يمنية أي أننا سنخرج نصف مليون إنسان من دائرة الفقر المدقع بضربة قلم واحدة تحرر أراضي الدولة من قبضة الإهمال وبيروقراطية المكاتب، ولدينا تجارب ونماذج ناجحة في محافظات الجوف وعمران وذمار برغم أنها لا تزال محدودة، بالإمكان توسيعها داخل هذه المحافظات والتمدد إلى المحافظات الأخرى، فالأراضي المهدرة في تهامة هي عملة صعبة مدفونة، حيث أن القيمة الإنتاجية لهذه الأراضي في حال زراعتها بالحبوب والزيوت والقطن والتمور كفيلة بتقليص فاتورة الاستيراد التي تنهش الاقتصاد الوطني بمليارات الدولارات سنوياً.
والواقع أن كل متر مربع في تهامة يمكن أن ينتج ذهباً أخضراً إذا ما توفرت البذور المحسنة والتوجيه الفني الصحيح بعيداً عن صفقات البذور المشبوهة التي تدخل البلاد أحياناً وهي تحمل آفات زراعية تدمر المحصول المحلي بدلاً من تطويره، ومن هنا يبرز الفارق الكبير بين خطط الاكتفاء والتمكين التي تسعى المنظمات لإجهاضها عبر توزيع الفتات وبين خطة السيادة التي يجب أن نتبناها جميعاً لتحويل الفقراء والمستضعفين إلى ملاك لمشاريع زراعية صغيرة ومتوسطة ترفد السوق المحلية وتفيض للتصدير وفق خطط ودراسات ذكية تتجاوز الحصار، فالمزارع اليمني يمتلك الخبرة المتوارثة ولكنه يفتقر إلى الإمكانات الأولية والغطاء القانوني الذي يحميه من تعسف النافذين أو تعقيدات بعض القوانين القديمة التي تمنع استغلال الأراضي البيضاء تحت مبررات واهية.
إن النهضة الزراعية المنشودة هي المدخل الوحيد والواقعي للقضاء على البطالة المقنعة ولتخفيف الضغط السياسي والاقتصادي والاجتماعي، وهي الخطوة الأولى والحقيقية لتحويل شعار «نأكل مما نزرع» من أمنية نرددها إلى خبز يومي يملأ موائد اليمنيين بكرامة ودون حاجة لانتظار أكذوبة الإغاثة والمساعدات الدولية التي تأتينا من وراء البحار محملة بالسموم السياسية والغذائية على حد سواء. ومع كل هذا الوضوح في الرؤية والمطالب الشعبية لا يسعنا إلا أن نوجه الحديث لكل مسؤول غارق في التفاصيل الإدارية الهامشية والاحتفالات البروتوكولية بعيداً عن صميم عمله وجوهر مسؤوليته، فمن المخجل أن تظل مئات الآلاف من الهكتارات الزراعية بوراً تذروها الرياح في الوقت الذي نستطيع فيه تحويلها إلى ورشة عمل كبرى لا تنطفئ شعلتها إذا توفرت النوايا.
أما انتظار فتات المنظمات الدولية لتنفيذ دورات تدريبية عقيمة في القاعات فهو استهتار بالأمن القومي الغذائي وتجاهل متعمد لتوجيهات القيادة التي جعلت من الزراعة جبهة مقدسة، نحن بحاجة إلى خطة وطنية عابرة للبيروقراطية تبدأ فوراً بإعلان «مناطق استصلاح مفتوحة» في كامل جغرافيا السيادة الوطنية تسلم فيها الأرض للمواطن بسعر رمزي مع عقد انتفاع ملزم بالإنتاج، وتتضمن هذه الخطة إنشاء «مصارف وطنية للبذور» تبيع المدخلات للمزارع بالآجل وتسترد قيمتها من المحصول عند الحصاد لقطع الطريق على تجار الحروب وسماسرة المبيدات القاتلة، كما يجب أن تتولى وزارة الزراعة وبالتنسيق مع الوزارات المعنية إنشاء «أسواق السيادة» وهي أسواق جملة وتعاونية في مراكز المحافظات الكبرى تضمن وصول المحاصيل إلى مائدة المستهلك مباشرة دون وسيط يمتص ربح الفلاح.
وهذه الخطة المتكاملة التي تعتمد على «المواطن المنتج» كحجر زاوية، كفيلة بتجفيف منابع الفقر ودفن مشاريع المنظمات التي لا تريد لليمن أن ينهض، فالمواطن اليمني الذي يحصل على فدانين من الأرض في تهامة مع بئر تدار بالطاقة الشمسية لن يحتاج بعدها إلى انتظار سلة تبرعات مهينة، وسرعان ما سيتحول إلى رافد للاقتصاد ودافع للزكاة وحائط صد ضد كل المؤامرات التي تستهدف لقمة عيشنا. والسؤال الأهم: متى سننتقل إلى رحاب «صناعة النهضة» وندرك أن التاريخ لن يرحم من فرط في ذرة تراب صالحة للزراعة وهناك عائلات تتضور جوعاً، والفرصة اليوم مواتية أكثر من أي وقت مضى لتدشين هذا المشروع العملاق الذي سيغير وجه اليمن من بلد يحتاج القمح إلى أمة تأكل مما تزرع وتصون كرامتها بيديها، وبغير ذلك ستظل كل الجهود مجرد رماد يذروه الريح وسيبقى الفقر جاثماً على صدورنا ما لم نعد الاعتبار للأرض والإنسان في خندق واحد ضد التبعية والارتهان.
