ظاهرة الاستهلاك في رمضان

احمد ماجد الجمال

 

 

أطل علينا رمضان شهر الصوم والتقوى وصلة الرحم ومساعدة الفقراء وتجديد الإيمان والبناء النفسي للأفراد والأسر والمجتمع، فهو شهر الخير وهو سجادة الصلاة التي تتناجى حولها آيات الذكر والعبادة والدعاء كرحلة مدهشة ومناسبة قدسية تعيد ضبط الروح المثخنة بالأعباء وتوجه المشاعر المرهقة إلى نقطة التوازن والسكينة. وفرصة سانحة لنسج روابط الألفة والصفاء والعطاء واللقاء والسلام سواء الأمس أو اليوم أو الغد، لأنه أيقونة الشهور وموسم السرور إنما المفارقة تحوله إلى ظاهرة للاستهلاك والى سوق كبير لبيع وتسويق وترويج كل السلع الغذائية والبضائع والخدمات وذروة موسمية تتسابق عليها كل الشاشات والمحطات ويتأكد ارتباطها العميق بالعادات الاجتماعية وبالمائدة الكبرى التي أصبحت تحتضن كل ما لذ وطاب من الأطباق والوجبات المتنوعة.
ففي غير رمضان يتم تحضير ثلاث وجبات وفي رمضان المطالبون فيه بالصوم وجبتان حددت باسم الإفطار والسحور فلماذا أصبحت مائدة رمضان مكتظة وعدد الوجبات خلال الليل يفوق ما في غيره من الشهور الأمر الذي يؤدي إلى زيادة حدة ونزعة الاستهلاك الاستثنائي للسلع والخدمات وبالذات السلع التموينية والغذائية الرئيسية من القمح والأرز والتمور والزيوت..
وكذلك الخضار والفاكهة والحلويات واللحوم الحمراء والبيضاء إضافة إلى المشروبات الباردة والساخنة وبقية والمستلزمات المرتبطة بهذا الشهر وهذا الأمر لا جدال فيه باعتباره سلوكا بشريا في معظم الأحيان تفرضه ظروف معينة ومحددة مثل ظرف هذا الشهر الذي يمتنع خلاله الصائم لساعات طويلة من اليوم عن الأكل والشرب.
لذلك تزداد حركة الأسواق والتوسع في المبيعات ولعل هذا ما يثير الانتباه فالجميع يتهافتون في الشراء الذي لا علاقة له بالثراء أو الفقر.. الوفرة أو الندرة على نحو غير متوازن في المقابل هناك من يستغله بلا هوادة ويجعل منه ملاذا للربح والمكسب، حيث تتسع أبواب التجارة وسبل الكسب وبات كل التجار حاضرين ومستعدين لخوض غمار البيع بحثاً عن الرزق لكن الإشكالية في المنزلق الذي قد يجره الشيطان فيغوي النفوس بحلم الربح السريع ورفع الأسعار من خلال مظاهر متعددة كالتلاعب في الأوزان والأسعار والغش في السلع والكذب في المواصفات والتدليس في الجودة لصالح زيادة الربح ومن المؤكد أن المال الذي يبنى على الغش لا بركه فية والربح اليوم ربما يكون سببا في الخسارة غداً في الدنيا قبل الآخرة لأن البركة هي الفارق الحقيقي بين مال يزول سريعاً ومال يبقي أثره ونفعه.
رغم أن حركة السوق مفيد ويحرك النشاط التجاري النابع من فكرة أهمية الاستهلاك التي تعد جزءاً أساسياً من القواعد الاقتصادية التي تركز على العلاقة بين الدخل والاستهلاك وتربط ما بين زيادة دخل الأفراد وميولهم الاستهلاكية باعتبار أن الإنفاق الاستهلاكي هو المحرك الأساسي للاقتصاد وأن حث المستهلكين على الإنفاق يعد هدفا أساساً للتحفيز على الاستهلاك.
و في الاتجاه المناقض هناك مشهد يختزل اختلال المعادلة بين الزيادة غير المبررة في الاستهلاك وضعف ثقافة الشراء والوعي بالقدرات الشرائية والإمكانات المتاحة وزيادة الإنفاق الذي يقود إلى تراكم الأعباء والديون على الفرد ورب الأسرة بكل مستوياتهم سواء ذوي الدخل المحدود والأقل والأضعف بسبب الوضع الاستثنائي الذي تمر به بلادنا مما جعله مؤثراً سلبياً.. ومن الأهمية بمكان على القادرين الاهتمام بالصدقة وإطعام المساكين وتفريج كربة المعوزين، فالفقر يعني وصول الإنسان الى درجة النقص الحاد في تحصيل موارد الحياة الأساسية وبلوغ الفرد الى درجة الحرمان من تحقيقها كالغذاء والكساء والدواء وهي حالة موجودة عند كل الشعوب ولكنها تختلف بنسب متفاوتة تقل أو تزيد حسب أحوال البلاد وعند الله العدل المطلق حيث فرض الزكاة والصدقات التي خص بها هذه الفئة ووضع لها ضوابط لإدارتها بكفاءة.
ليتحقق من خلالها جوهر الشهر الكريم والذي يقوم على التعاون والشعور بالآخر ومع ذلك ضرورة اعتياد الإنسان من طفولته ومن صغره على التوازن في الاستهلاك والمبادرة في العطاء ومساعدة الضعفاء الذين بلا حول ولا عمل ولا موارد، وبالتأكيد سينعكس ذلك إيجاباً على حياته المستقبلية ويصبح قادرا على تحديد خياراته بشكل أفضل وعدم الاتكال في المعيشة على مساعدة الآخرين كحياة طبيعية، مما يؤدي الى تضرر دخله في المستقبل ربما ينعدم عطاؤه ويصبح متلقيا للمساعدات والصدقات ومن هذا المنطلق لابد من وضع المسافات المدروسة والحذر من المنعطفات المتوقعة وغيرها بضبط الاستهلاك الضروري بالتدبر العاقل للمشتريات المناسباتية وجعلها متوائمة مع الاحتياجات باستقامة لغرض استدامتها والحذر من منعطفات التغيير التي تشوه وجه إدارة الحياة حتى يكون السلوك الاستهلاكي انعكاسا لجوهر الشهر الفضيل كتعبير حقيقي عن مضمونه ومقياسا لقيمته.
كل ما نحتاجه هو الالتزام بالسلوك الاقتصادي الإسلامي الحسن الذي يدعو إلى الابتعاد عن الحياة المقولبة المكدسة بالنماذج السلوكية المكررة التي تتحول إلى عادات تحرم الإنسان من خيارات مختلفة ومتاحة، وكسر المألوف للخروج من القيود الاجتماعية السلبية بطرق مناسبة حسب ظرف كل إنسان باعتباره جزءاً من سلوك المسلم بالاعتدال في النفقة والتخطيط السليم للمصاريف الذي يؤدي الى المعيشة الآمنة وحتى وإن كانت في المستويات المقبولة بما يلبي على الأقل الحاجات الضرورية للحياة الكريمة، ويبقى المسلم بوعيه قادرا على التعامل بواقعية مع وضعه، لأن الشريعة الإسلامية وضعت الأسس العامة للتوازن وحسن الإدارة والتدبير في الاستهلاك مع ذلك من المتوقع أن تظل المعادلة مشروطة من قضية الاستهلاك إلى أن يتم بناء استقرار وتوازن مادي لمعالجة الاختلالات في الدخل وضبط الأسعار التي بقدرتها التقاط مضمون هذا الشهر ليكون بصمة طوال السنة.
باحث في وزارة المالية

قد يعجبك ايضا