انطلاق شرارة ثورة إنتاجية داخل المنازل قبل المصانع: رمضان محطة مباركة نحو استراتيجية توطين الإنتاج والاستهلاك المحلي «نأكل مما نزرع ونلبس مما نصنع»
واليمن يمر بهذه المرحلة الحساسة في مواجهة قوى الطغيان والاستكبار العالمي يدرك أهمية المعركة الاقتصادية بالذات ما يتعلق بالهيمنة والتبعية الغربية الأمريكية الصهيونية التي استطاعت أن تتحكم وتسيطر عبر عقود طويلة مضت على السوق العالمي ، واستهلاك الأمم والشعوب بالذات في مجال الغذاء باعتباره من أهم الأوراق للضغط وإخضاع دول وشعوب العالم المعاصر لهيمنتها ، وقد أدركت القيادة الثورية في عاصمة اليمن الحر «صنعاء» أهمية هذه المعادلة في معركة المواجهة الكبرى مع الأعداء، وبدأت بحراك رسمي وشعبي لتشجيع ودعم الإنتاج والاستهلاك المحلي وفق الأولويات الرئيسية الثلاث المتمثلة بتوطين إنتاج الغذاء والكساء والدواء محلياً ، باعتبارها أمن قومي للبلد ، وهدف استراتيجي لتحقيق الاكتفاء الذاتي والتخلص من التبعية الاقتصادية لأعداء اليمن والأمة.
الثورة/ يحيى الربيعي _ أحمد المالكي
ومن المؤكد أن ما نشاهده في مهرجانات ومعارض وأسواق المنتجات الوطنية يصب في هذا الاتجاه، وبما أن رمضان يعتبر موسماً للتسوق فإن من واجبنا كيمنيين تشجيع المبادرات المجتمعية والتحول من ثقافة استهلاك المنتجات الخارجية إلى تشجيع المنتجات المحلية في السوق الوطني، كما لا يفوتنا أن نذكّر بأهمية تفعيل سلاح المقاطعة الذي يعتبر «جهاد وعبادة» وفرصة متاحة داخل الأسواق اليمنية في هذا الشهر الفضيل.
حيث تأتي فعاليتا مهرجان «رمضانك محلي» 4-14 فبراير 2026م، والتي نظمته مؤسسة بنيان التنموية على ساحة سوق الخميس بمديرية التحرير، ومهرجان «خير ما أنتجه أيدينا»، ونظّمته جمعية الوحدة التعاونية الزراعية متعددة الأغراض بمديرية الوحدة، 22- 26 من شعبان 1447هـ، وكلاهما يقام بدعم من وحدة دعم المشاريع والمبادرات المجتمعية بأمانة العاصمة، ضمن سلسلة من المبادرات التي ترعاها حكومة التغيير والبناء في إطار رؤيتها التنموية لتعزيز دور المرأة اليمنية والأسر المنتجة، والني تأتي استجابة لتوجيهات قائد الثورة السيد عبدالملك بدرالدين الحوثي بأهمية الاهتمام بالجوانب الاقتصادية، وخصوصاً الزراعية والصناعية وتعزيز الاقتصاد الوطني المقاوم.
مشروع وطني
هذا ما أكد عليه القائم بأعمال رئيس الوزراء، العلامة محمد مفتاح، خلال تدشينه لمهرجان «رمضانك محلي»، أن التوجه القادم يهدف لتحويل هذه المبادرات إلى «مشروع وطني متكامل لتمكين عشرات الآلاف من الأسر»، معلناً عن توجهات لإنشاء مراكز تسويق دائمة تضمن استمرارية هذا التدفق الإنتاجي، مما يعزز من قدرة المواطن الشرائية ويحمي الاقتصاد من الابتزاز المعيشي الذي تمارسه قوى العدوان.
زخم إنتاجي
وفي السياق، يؤكد القائم بأعمال وزير الزراعة والثروة السمكية والموارد المائية، عمار الكريم، خلال زيارته لمهرجان «رمضانك محلي» أن هذه المبادرات تكتسب زخماً مغايراً لاسيما أنها تأتي بالتزامن مع التطوّر اللافت الذي تشهده الجمعيات التعاونية في عموم المحافظات الحرة، وإطلاق المشاريع الزراعية التسويقية الناجحة، مشيراً إلى أن «هذا الزخم الإنتاجي يجسد بوضوح إرادة شعب يرفض الانكسار ويواصل تعزيز الجبهة الاقتصادية»، مشيراً إلى أن الجودة العالية لهذه المعروضات تأتي نتاجاً لبرامج تدريب وتأهيل مكثفة حولت المنازل إلى وحدات إنتاجية فاعلة ومستدامة تحت إشراف مؤسسة بنيان التنموية وبالتنسيق مع الهيئة اليمنية للمواصفات والمقاييس وجمعية حماية المستهلك.
قصص نجاح
من عمق المعاناة التي أرادها تحالف العدوان الصهيو-أمريكي قيداً يكسر إرادة اليمنيين، انطلقت شرارة ثورة إنتاجية داخل المنازل قبل المصانع، حيث لم تعد قصص النجاح محصورة في «سوق الخميس»، وإنما انطلقت لتكتب فصولاً من معركة «السيادة» التي تخوضها الأسر اليمنية بصبر استراتيجي في كل شبر من الأرض الطيبة؛ فالحجة «أم أمين» كنموذج من الأسر اليمنية التي كانت بالأمس تجاهد لتوفير أدنى احتياجات مائدتها الرمضانية في ظل الحصار الجائر ونقل وظائف البنك المركزي، تحولت اليوم إلى أيقونة إنتاجية، حيث استطاعت بمعاونة أبنائها وبإمكانيات متواضعة أن تحول ركناً في منزلها إلى معمل لإنتاج البهارات والمجففات الطبيعية، لتنافس بجودة منتجها ونظافته أرقى الأصناف المستوردة التي كانت تفرضها شركات الاحتكار العالمية بأسعار باهظة.
وتتجلى عظمة هذا التحول في شهادة نموذج آخر من قصص نجاح الأسر اليمنية هو الشاب «يحيى»، صاحب أحد مشاريع الأسر التي انخرطت في مسار الإنتاج المحلي بعد أن أغلقت في وجهه سبل العمل التقليدية جراء العدوان، إذ يروي كيف تحول من «مستهلك ينتظر الفرج» إلى «منتج يصنع الأمل»، من خلال مشروعه الصغير لإنتاج الزيوت النباتية الخام المعصورة على البارد، مؤكداً أن الدافع لم يكن مادياً فحسب، بل كان استجابة لنداء الكرامة الوطنية والمشاركة الفاعلة في حملات المقاطعة للبضائع الأمريكية والإسرائيلية، ليصبح منتجه اليوم مطلباً أساسياً لزوار مهرجان «رمضانك محلي»، ليس فقط لسعره المنافس، بل لكونه ثمرة جهد يمني خالص يتحدى قوى الاستكبار التي راهنت على تجويع الشعب.
وفي مشهد يجسد مبدأ الإيمان الراسخ والصبر الجميل، تطل «الحجة أم أمين» كنموذج لليمنيين الذين يحيون طقوس الشهر الكريم رغم شراسة الحرب الاقتصادية، مؤكدة بكلمات مفعمة بالثقة أن «الحرب مهما سعت لنزع الفرحة، فلن تمنعنا من إحياء رمضان بحد الأدنى من المتوفر».
وعي مجتمعي
تتنوع المعروضات التي أبدعتها الأيادي اليمنية لتشمل كافة متطلبات المائدة الرمضانية، حيث تبرز الزيوت النباتية المعصورة محلياً، والحبوب المتنوعة ما بين قمح بلدي وذرة رفيعة وشامية والأزر اليمني، وأنواع البقوليات، والأعسال بمختلف أصنافها، والبهارات والحلويات والمعجنات المصنوعة بالمكسرات والتي تحتفظ بنكهتها الأصيلة بعيداً عن المواد الكيميائية والحافظة، كما تمتد هذه الإبداعات لتشمل قطاع المنسوجات والملابس والمشغولات اليدوية والعطور والمنظفات، والأدوات المنزلية من المباخر والمقالي المصنوعة من الأحجار والسفر اليمنية المنسوجة من سعف النخيل. والكثير من المنتجات والمصنوعات اليدوية أثبتت جدارتها في ميدان المنافسة.
تحول جوهري
أما عن الأسعار وإقبال المستهلك، فقد شهدت الأسواق تحولاً جوهرياً في ثقافة الاستهلاك؛ حيث توضح يسرى المطاع، منسقة سوق الخميس بمؤسسة بنيان التنموية، أن الإقبال الشعبي على منتجات الأسر المنتجة انتقل من مرحلة «الدعم العاطفي» إلى «الاحتياج الحقيقي» النابع من الثقة في القيمة الصحية والغذائية للمنتجات الوطنية، فالمستهلك اليمني اليوم بات يدرك أن كل ريال يُدفع في منتج محلي هو رصاصة في صدر الحصار وخطوة نحو السيادة الاقتصادية، وهو ما يفسر التزاحم الكبير على أروقة المهرجانات، حيث يجد المواطنون في هذه المنتجات بديلاً آمناً ووطنياً ينسجم مع حملات المقاطعة الشاملة للبضائع الأمريكية والإسرائيلية، مؤكدين بسلوكهم الشرائي أن الوعي المجتمعي قد امتد ليشمل السلة الغذائية، محولاً التحديات الاقتصادية إلى رافعة حقيقية للبناء والتنمية وتحقيق الاكتفاء الذاتي.
تكامل إداري
هذا الحراك الاقتصادي لم يكن ليبلغ هذه الذروة لولا التكامل بين إرادة الأسر المنتجة وبين الرؤية الوطنية التي عملت كجسر عبور لهذه الطاقات من العوز إلى الكفاية؛ فالمراقب لحركة المتسوقين في المهرجانات يلمس بوضوح كيف تلاشت ثقافة الانبهار بالخارجي أمام «جودة المنتج المحلي»، حيث تشير البيانات الميدانية إلى أن أكثر من 60 % من رواد مهرجانات ومعارض الأسر المنتجة اليمنية باتوا يفضلون المنتجات الوطنية لجودتها الصحية وخلوها من المواد الحافظة، معتبرين أن الشراء من هؤلاء «الفرسان المكافحين» هو عمل جهادي يسهم في تدوير الكتلة النقدية محلياً ويقطع الطريق أمام سياسات الإغراق التي تتبعها الشركات الاحتكارية العالمية لتدمير المنتج المحلي.
وفي ختام هذا المشهد الدرامي، تبرز ملامح النصر الاقتصادي في عيون تلك النسوة اللواتي يعرضن بفخر منسوجاتهن اليدوية ومنظفاتهن المنزلية، مؤكدات أن اليمن الذي صمد عسكرياً أمام أحدث ترسانات الأسلحة، ينجح اليوم في كسر «حصار الرغيف» وتحويل كل بيت إلى قلعة إنتاجية؛ إنها الملحمة التي أثبتت للصديق والعدو أن «الوصاية الدولية» قد دُفنت تحت أقدام المنتجين الصامدين، وأن مائدة رمضان اليمنية هذا العام هي مائدة «عزة وكرامة» أُعدت بأيادٍ لا تعرف المستحيل، ليبقى اليمن شامخاً، منتجاً، ومستغنياً بخيرات أرضه الطيبة.
