قراءة تحليلية في خطاب السيد القائد بمناسبة الـ11من فبراير

محمد فاضل العزي

 

لم يكن بيان السيد عبد الملك بدر الدين الحوثي بمناسبة الحادي عشر من فبراير مجرد استذكار لحدث عسكري وقع قبل أحد عشر عاماً، بل جاء كوثيقة سياسية وأخلاقية تحاول إعادة تعريف الصراع الراهن في المنطقة والعالم. من خلال الربط بين جلاء المارينز الأمريكي من صنعاء عام 2015 وبين التحولات الكبرى في غزة والشرق الأوسط.

قدم البيان قراءة استراتيجية تتجاوز الحدود الجغرافية لليمن لتخاطب الوجدان العالمي.

أولاً: كسر «الوصاية» واستعادة المركز الإداري

انطلق البيان من نقطة جوهرية وهي تحويل ذكرى «11 فبراير 2015» من مجرد إجراء دبلوماسي أو رحيل لقوات أجنبية إلى «نصر إلهي» نابع من الهوية الإيمانية. يركز التحليل هنا على أن القيمة الحقيقية لهذا الجلاء تكمن في إنهاء عهد «السفير الأمريكي» الذي كان يمثل الحاكم الفعلي والقرار الأول في صنعاء. هذا التأكيد يهدف إلى ترسيخ مفهوم «الاستقلال الناجز»، حيث يرى البيان أن خروج المارينز «ذليلاً» دون مفاوضات أو مساومات هو الذي منح اليمن القدرة على اتخاذ قراراته السيادية بعيداً عن التبعية لأمريكا.

ثانياً: وحدة المصير في محور المقاومة

انتقل البيان بسلاسة من الشأن اليمني إلى الشأن الإقليمي، بربط انتصار «ثورة سبتمبر» اليمنية بذكرى انتصار «الثورة الإسلامية» في إيران عام 1979. هذه التوأمة في الخطاب ليست مجرد بروتوكول سياسي، بل هي إعلان عن ترسيخ جبهة عالمية ترفض «الطاغوت» وتتبنى قضايا المستضعفين. يحلل البيان النجاح الإيراني خلال 47 عاماً كمثال على القدرة على بناء نهضة حضارية رغم الحصار، وهو ما يسعى الخطاب اليمني لاستلهامه في مواجهة التحديات الراهنة.

ثالثاً: غزة وفضيحة «إبستين».. سقوط القوة الناعمة للغرب

لعل الجزء الأكثر حدة وغير التقليدي في البيان هو الربط المباشر بين الجرائم الإسرائيلية في غزة وبين فضائح النخبة السياسية الغربية المتمثلة في «وثائق جيفري إبستين». هنا ينتقل الخطاب من الصراع العسكري إلى «الحرب الأخلاقية»؛ حيث يستخدم البيان هذه الفضائح كأداة لتعرية «النخبة الصهيونية العالمية».

يرى التحليل أن استحضار ملف «جزيرة الشيطان» يهدف إلى تجريد الغرب من «أهليته الأخلاقية»؛ فمن يمارسون «الطقوس الشيطانية» في الخفاء هم أنفسهم من يديرون آلة الإبادة الجماعية في غزة. هذا الربط يضع الشعوب أمام خيار قيمي: إما الخضوع لمنظومة يصفها البيان بـ»الإجرامية والمنحلة»، أو الانضمام لمشروع التحرر القائم على القيم الفطرية والإيمانية.

رابعاً: المسؤولية التاريخية وقيادة الأمة

يختتم البيان برؤية استشرافية تضع الأمة الإسلامية أمام مسؤولية قيادة المجتمع البشري. فالبيان لا يرى في الانتصارات اليمنية أو الفلسطينية مجرد مكاسب ميدانية، بل هي «دروس مهمة» تعزز الثقة بوعد الله. الدعوة هنا هي للتحرك الجماعي لمواجهة مخطط «تغيير المنطقة العربية» و”إسرائيل الكبرى”، من خلال الوعي بأساليب الصهيونية في إخضاع النخب السياسية عبر الابتزاز أو الترهيب.

ختاما:

يمثل هذا البيان «مانيفستو» جديداً للصراع؛ فهو لا يكتفي بالحديث عن السيادة الوطنية اليمنية، بل يشن هجوماً قيمياً كاسحاً على المركزية الغربية. إنه يحاول إقناع المتلقي بأن المعركة اليوم ليست بين دول، بل بين «منظومة شر» عالمية متورطة في أبشع الانتهاكات الأخلاقية، وبين «مشروع إيماني» يسعى لاستعادة كرامة الإنسان.

قد يعجبك ايضا