يوم سقوط الوصاية وانبعاث السيادة والكرامة

 د.محمد الضوراني

 

في حياة الأمم والشعوب محطاتٌ خالدة لا تُقاس بمجرد مرور السنين، بل بحجم الكرامة التي استُعيدت والسيادة التي انتُزعت من بين براثن الارتهان، ويقف يوم الحادي عشر من فبراير من عام 2015م كواحدٍ من أزهى تلك المحطات في تاريخ اليمن المعاصر، حيث شهد العالم رحيل آخر جندي من قوات «المارينز» الأمريكية من قلب العاصمة صنعاء، معلناً بذلك انكسار حقبة من التدخل السافر وبداية فجر جديد من الاستقلال الوطني الحقيقي. إن هذا اليوم لم يكن مجرد إجراء دبلوماسي أو مغادرة عابرة، بل كان تجسيداً حياً لانتصار الإرادة الإيمانية والشعبية التي رفضت أن يظل قرارها السياسي رهيناً خلف أسوار السفارات أو خاضعاً لإملاءات القوى الاستكبارية، فجاء خروج تلك القوات بصورتها المنكسرة وهي تُحطم أسلحتها وتغادر مطار صنعاء، ليرسم مشهداً رمزياً يختصر حقيقة كبرى؛ وهي أن الأرض التي تأبى الضيم لا تقبل على ترابها غازياً أو وصياً مهما بلغت سطوته، وأن السيادة الوطنية هي حجر الزاوية في بناء الدولة اليمنية القوية والمستقلة.

إن الثمار التي جناها اليمن من ذلك الجلاء التاريخي تتجلى اليوم بأبهى صورها في الموقف اليمني الشجاع والمبدئي إسناداً لمظلومية الشعب الفلسطيني؛ فلولا تحرر القرار الوطني من الهيمنة الأمريكية في ذلك اليوم المجيد، لما استطاع اليمن اليوم أن يتصدر المشهد العالمي في «معركة الفتح الموعود والجهاد المقدس»، مسطراً أروع الملاحم في البحرين الأحمر والعربي انتصاراً لغزة وللقضايا العادلة للأمة. وبهذه المناسبة الوطنية والمقدسة، نرفع أسمى آيات التهاني والتبريكات والمباركات للقيادة الثورية الحكيمة، وللشعب اليمني العظيم الصامد، وللأمة الإسلامية جمعاء، فهذا النصر لم يكن لليمن فحسب، بل هو بارقة أمل لكل الأحرار، وبرهانٌ ساطع على أن التمسك بالهوية الإيمانية والثبات على الموقف هما السلاح الأقوى في مواجهة قوى الطاغوت. إننا اليوم نحتفي بروح الصمود التي جعلت من الحادي عشر من فبراير عيداً للجلاء، وتأكيداً متجدداً على أن اليمن سيظل دائماً وأبعداً قلعة للأحرار ومقبرة للغزاة، ومباركٌ لهذا الشعب الأبي وللأمة هذا الإنجاز التاريخي الذي سيبقى محفوراً في ذاكرة الأجيال كعنوان للعزة، ودليلاً على أن فجر الحرية إذا بزغ في اليمن، فلا بد لقيود التبعية أن تنكسر وللوصاية الأجنبية أن ترحل إلى غير رجعة.

 

قد يعجبك ايضا