‏بشريَّة الهداة من عباد الله.. إشكالية تتكرر عبر العصور

محمد الفرح

 

منذ القدم والإنسان يواجه إشكالية غريبة مع رسالات الله.. كيف يقبل الهدى ممن يشبهه في الصورة والطبيعة؟ لقد تجلَّى هذا الموقف بوضوح في قصة نبي الله صالح مع قومه، حين قالوا باستنكار: “{فَقَالُوا أَبَشَرًا مِنَّا وَاحِدًا نَتَّبِعُهُ إِنَّا إِذًا لَفِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ }، فتساءلوا: كيف نتبع بشراً مثلنا؟ وكيف يُختار من بيننا واحد فقط ليحمل الرسالة؟ ويقودنا بل ذهبوا إلى اتهامه بالكذب والاغترار: { أَؤُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ} من سورة القمر- آية (25).

وهذه الإشكالية لم تكن خاصة بقوم صالح وحسب، بل تكررت عبر تاريخ الدعوات السماوية. فالبعض يريد أن تأتيهم الملائكة مرئية، أو مخلوقات خارقة، كشرط لقبول الهداية. ويستغربون أن يكون الهادي إلى الله إنساناً يأكل كما يأكلون، ويعيش هموم الحياة الدنيا، يتحدث لغتهم ويحمل ثقافتهم.

وكأن البشرية تريد أن تضع حاجزاً نفسياً بينها وبين الحق، فتختلق الأعذار لتبرير الإعراض.

ولكن الحكمة الإلهية تقتضي خلاف ذلك. فلو أرسل الله ملائكة، لقال الناس: كيف نقتدي بهم وهم لا يعيشون واقعنا؟ ولقالوا هؤلاء ملائكة لا نستطيع أن نجاريهم في الإلتزام والإيمان، ولكن عندما يأتي الهداة من جنس الناس، يصبح قدوة عملية ممكنة الاتباع، ومن خلاله يصبح الدين قابل للتطبيق.

فهو يعرف لغتهم، ويفهم ثقافتهم، ويشاركهم همومهم الإنسانية، ويواجه نفس التحديات التي يواجهونها، ومع ذلك يسمو بأخلاقه ووعيه، ويلتزم بتوجيه ربه.

والبشرية بحاجة إلى نموذج حي يرونه أمامهم، ليعرفوا أن الكمال البشري ممكن تحت ظل الهداية الإلهية.

وقد جاء في القرآن الكريم: {قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ}، فهذه البشرية هي التي تجعله قريباً من الناس، وتلك الرسالة هي التي ترفعه إلى مقام القدوة.

فالمشكلة ليست في كون الهادي بشراً، بل في النفوس التي تستكبر على الحق، وتختلق الاعذار وترفض الفطرة التي فطرها الله عليها.

إنها تريد معجزات خارقة لتؤمن، متناسية أن أعظم آية هي هذا القرآن، وأن أبلغ دليل هو هذا الإنسان الذي يتحول بنور الوحي إلى مصباح يهدي العالمين.

وقد حسم الله الأمر بقوله: {سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ}، فالعاقبة دوماً للحق وأهله، والبشرية تبقى في حاجة إلى من يذكرها بربها، ويعيدها إلى هداية الله وهداه، ولو كان تذكيرها يأتي من إنسان مثلها.

 

قد يعجبك ايضا