تجري حوارات بين إيران وأمريكا وعناوينه الملف النووي الإيراني، وسباق التسلح، الغرب لا يريد أن تكون هناك قوة كبيرة في الشرق، والشرق يريد أن يحقق القدر الكافي من التوازن مع الغرب، وهذا الصراع قديم لكنه يتجدد اليوم، فالحضارة الشرقية كانت وماتزال في صراع مع الحضارة الغربية، وربما كان الصراع القديم قائماً على الغلبة والقوة، أما اليوم فهو قائم على قيم ومعايير جديدة، وهي معايير شائكة ومعقدة ومتطورة بتطور المستويات الحضارية الحديثة، وبتطور المعارف والعلوم والتقنيات، وبالتغير العميق في النظم والنظريات النفسية والأخلاقية، ومستوى العلاقات الاقتصادية وأدوات الإنتاج، وحاجات المجتمعات، ووظائف الدولة التي انتقلت من مبدأ الرعايا إلى مبدأ المواطنة المتساوية، ومن مبدأ الغنيمة إلى مبدأ الحقوق والواجبات، وقد تحدث الفكر الإسلامي عن الكليات الست من واجبات الدولة عند البعض ,والأصول الستة عند البعض الآخر وهي : حفظ الدين، والنفس، والمال، والعقل، والعرض، والوطن، وهذه الكليات تجمع عليها كل الثقافات والأديان، إلا أنها تتسع في ثقافات وتضيق في ثقافات أخرى، وهي اليوم أكثر اتساعا في الغرب وأكثر ضيقا في الشرق، وقد اتسعت المعارف والنظريات لتلك الكليات في الغرب، وظل العقل الشرقي يضيق بها، ويصر على بقائها في إطار المفاهيم القديمة دون تطوير أو تحديث حتى أصبحت أحد عناوين الصراع بين الشرق والغرب، وقد اتخذ منها ذرائع له في التدخل في تحديث المجتمعات الشرقية، فهو مؤخرا يلوح بحقوق التظاهر, ويعلن جهارا بضرورة التدخل لحماية المتظاهرين، وكان قبل ذلك يشتغل تحت عناوينها في تمرير مصالحه، وتغيير الأنظمة التي تتعارض مع ثنائية الهيمنة والخضوع من خلال فرض النظم الاجتماعية والحرية الاجتماعية والعدالة الاجتماعية، وهذه العناوين ليست غريبة على الفكر الشرقي ولكنها أصيلة فيه، لكن توقف حركة الفكر والاجتهاد كان كارثة على الشرق جعلت منه مجتمعا تقليديا غير مستوعب لحركة التطور ولا حركة الانتقال إلى المستويات الحضارية الحديثة .
الحياة ليست ثابتة وحركة المجتمعات في تطور مستمر, ويحدث التبدل الدائم والمستمر في علاقات الإنتاج وأدوات الإنتاج، وتبعا لذلك يحدث التطور في مستوى حركة المجتمعات، وهذا التطور يلزم مواكبته فكريا وسياسيا وتشريعيا وبما يحفظ للمجتمع كيانه واستقراره وهويته الثقافية، وقد يحدث الصراع الذي يؤثر على المجتمعات من خلال عدم المعرفة والمواكبة خاصة في ظل التطورات التقنية الحديثة التي حوَّلت الكون إلى قرية صغيرة، فكل وسائل المنع والحظر غير مجدية في عالم أصبح مفتوحا على كل الخيارات والحضارات والثقافات، ويتفاعل معها كل جزء من الثانية، فإيقاع الزمن أكثر سرعة مما نتخيل في يومنا أو غدنا، فاليوم بالضرورة هو غيره بالأمس والغد هو غيره اليوم .
ولذلك فالفكر وحركته وتنشيطه لمواكبة التطورات الحضارية المتسارعة في عالمنا اليوم هو المرتكز الأساس في الحياة المعاصرة القائم على المعرفة والمعلومات التي تتدفق كل جزء من الثانية دون قدرة على السيطرة عليها أو ضبطها بما يحقق قدرتنا على الانتصار في الصراع القائم اليوم، وهو صراع مصالح غايته تحقيق الرفاه للمجتمعات، وهو في المجتمع الحداثي تحقيق الرفاه للأفراد وتوسيع دائرة الحريات الشخصية إلى درجة القضاء على القيم والتطبيقات الاجتماعية والأخلاقية في الثقافات الإنسانية .
ولعل ما يحدث اليوم في الشرق كله من اضطرابات وانقسامات وصراعات وتوترات، ومن تدخلات للآلات الحربية، ومن حوارات وحروب، قد تجاوزه الغرب منذ الثورة الثقافية الفرنسية في القرن الثامن عشر والتي كانت لها تأثيرات عميقة على أروبا والعالم الغربي كله، وقد حاولت هذه الثورة حل الاشكالات المعدة والعميقة في تلك المجتمعات، وكانت سببا مباشرا وغير مباشر في الاستقرار والتطور والانتقال إلى البناء والتصالح مع ذاتها وتأريخها وحضاراتها وموروثاتها الثقافية وفي التمدن والإصلاح المستمر لحياة المجتمعات، وتنمية مشاعر الانتماء من خلال توسيع مفاهيم الكليات الست التي قالت بها الأديان السماوية كلها والفلسفة والفكر الإنساني المصاحب للمستويات الحضارية التي يصل اليها المجتمع .
لقد تقدم الغرب على الشرق وأصبح قوة غالبة ثقافيا وحضاريا واقتصاديا وتأخر الشرق ثقافياً ومعرفياً واقتصاداً وحضارة، رغم قدرته على التقدم على اعتبار أنه صاحب البذرة الأولى فيما وصل إليه الإنسان المعاصر من تطور، فالتقنيات المعاصرة تعتمد على الخوارزميات التي أبدعها الشرق في مرحلة حضارية فارقة، والحقوق والحريات، والنظم والمعارف ومبادئ الحديثة كان للشرق فضل البذرة الأولى فيها، لكنهم بذروا بذرتهم الأولى، فتعهدها الغرب بالرعاية والتشذيب حتى أثمرت، وأهملها الشرق فخسر وهان على الحضارات والناس أجمعين وهو اليوم يستجدي ثمار ما بذره من الغرب .
فالقوة لم تعد تنحصر اليوم في العتاد العسكري وما تملكه الدول من جيوش وعتاد فهذا المفهوم قديم تجاوزه المعيار الحديث بدليل أن الغرب يحرص على اغتيال العلماء والمفكرين وكل ذي معرفة من الشرق من الذين يرفضون الاحتواء والبقاء في بلدانهم ولعل الذاكرة تستذكر اغتيال العلماء في العراق وفي إيران وفي سوريا في الآونة الأخيرة، ولو عادت إلى الوراء لوجدت المئات من العلماء الذين تم اغتيالهم في الشرق، والحوار اليوم بين إيران وأمريكا يصب كله في احتكار المعرفة لأنها مصدر القوة الحقيقي، فهي السلاح الحقيقي الذي يخشاه الغرب، فهم لا يريدون أن تمتلك إيران القدرة المعرفية ولا الخبرات التراكمية خوفا من فقدان السيطرة على العالم، ولدى الغرب استراتيجية واضحة في تعطيل العقول والحد من فاعليتها وينقفون على ذلك المليارات على شكل مساعدات، وترصد العالم فإذا وجدت نابغة في أي علم من العلوم تستميله بالمال، فإن رفض تكلف مجاميعها الجهادية(الاستخبارية ) باغتياله وشواهد ذلك كثيرة في الزمن المعاصر .
ما نخلص اليه هو القول إن الصراع بين الشرق والغرب تغيَّر بتغيَّر المستويات الحضارية وهو صراع معرفة وفوارق حضارية وثقافية أكثر من أي شيء آخر .
