تهامة.. حراك تنموي يعيد رسم ملامح الاقتصاد الوطني

محمد صالح حاتم

 

ما إن تطأ قدماك أرض تهامة حتى تتغير الصورة النمطية التي تربط اليمن بالفقر والمجاعة، ويتبدد كثير من القلق المرتبط بالأمن الغذائي. فهذه الأرض، بما تختزنه من موارد طبيعية وبشرية، تكشف أن المشكلة لم تكن في الإمكانات، بل في كيفية إدارتها واستثمارها.

ولم تكن تهامة يوما أرضا هامشية أو مساحة منسية في الجغرافيا اليمنية، بل كانت وما تزال ركيزة أساسية للأمن الغذائي والاقتصادي، ومصداقًا حيا للمقولة المتداولة: «لو زُرعت تهامة لأكلنا إلى يوم القيامة». واليوم تشهد تهامة حراكًا تنمويًا زراعيًا ومجتمعيًا وسمكيًا متصاعدًا، يؤكد قدرتها على قيادة مشروع وطني حقيقي نحو الاكتفاء الذاتي والتنمية المستدامة.

تمتلك تهامة مقومات اقتصادية كبيرة، في مقدمتها المساحات الزراعية الخصبة الواسعة، إذ لا تتجاوز نسبة الأراضي المزروعة 30٪، إضافة إلى توفر المياه بشكل ملحوظ، ما يجعل فرص التوسع الزراعي قائمة إذا ما أُحسن التخطيط، مع ضرورة ترشيد استخدام الموارد المائية واعتماد أنظمة ري حديثة تحافظ على الاستدامة.

وعلى أرض الواقع، يلمس الزائر ثورة تنموية حقيقية، تتجلى في التوسع بزراعة المحاصيل المتنوعة من حبوب وخضروات وفواكه، إلى جانب تنامي الثروة الحيوانية وتطور النشاط السمكي، بما يعكس تكاملًا في سلاسل الإنتاج الزراعي والغذائي. ولم يعد الحديث عن الاكتفاء الذاتي مجرد شعار، بل بدأت نتائجه بالظهور، وفي مقدمتها توطين صناعة الحليب ومشتقاته، حيث تسهم تهامة اليوم بنحو 10٪ من الاحتياج المحلي، وهو إنجاز أسهم في تقليل فاتورة الاستيراد، وخلق فرص عمل، وتوفر مصدر دخل لألاف الأسر، وتعزيز الاقتصاد المحلي.

وفي قلب هذا التحول، برز الدور الفاعل للجمعيات التعاونية الزراعية متعددة الأغراض، وكذلك السمكية وعلى رأسها جمعية ساحل تهامة ، التي تحولت من كيانات خدمية محدودة إلى أدوات حقيقية للتنمية المجتمعية، تقود مبادرات في شق الطرقات، وبناء المدارس، وتنفيذ مشاريع المياه والخدمات، من خلال تحشيد المجتمع واستنهاض طاقاته.

كما كانت تهامة سبّاقة في إدخال محاصيل استراتيجية، مثل فول الصويا، ما عزز من تنوع الإنتاج ورفع قيمته الاقتصادية. ولم يقتصر أثر هذا الحراك على الداخل التهامي فحسب، بل أصبحت تهامة نموذجًا تنمويًا يستقطب اهتمام الوفود من مختلف المحافظات، للاطلاع على التجربة، والاستفادة من دروسها، ونقلها إلى مناطق أخرى، وأسهم في إعادة لفت أنظار صناع القرار، ودفع الحكومة إلى إعادة النظر في التخطيط التنموي ليبدأ من الميدان، من عند المزارع نفسه، باعتبار الزراعة والتنمية الريفية أساس الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي.

إن ما تشهده تهامة اليوم ليس مشاريع متفرقة، بل مسار تنموي متكامل يؤكد أن هذه الأرض قادرة على أن تكون سلة غذاء اليمن، وأن الاستثمار فيها هو استثمار في مستقبل الوطن، وأن تهامة تمضي بثبات في قيادة قطار التنمية نحو يمن منتج ومستدام.

 

 

 

 

قد يعجبك ايضا