في ظل التطور الكبير والملموس الذي تشهده أمانة العاصمة ومدن المحافظات والمديريات الرئيسية، من نمو واسع وبالأخص التطور العمراني والكثافة السكانية الذي يؤكد الأهمية العالية لإعداد نماذج جديدة ومبتكرة في ممارسات التخطيط العمراني لإعادة ضبط هيكله لاستيعاب المتغيرات السكانية والأنشطة التجارية وتوفير كافة أنواع الخدمات على الوجه المطلوب بمنظومة شاملة واستثمارها للتحول إلى نموذج حضري، لأن التخطيط لا يكتفي بإدارة الحاضر، بل يستثمر في المستقبل ويؤسس لقواعد النمو ويعتمد على دمج العلم مع دقة في إدارته لتقليل المخاطر المفاجئة عبر تصميم البنية التحتية التي تدعم عمل المجتمع والاقتصاد وتسهل الحياة اليومية وتظهر الشكل للمدن والمديريات، وغالبا ًما تتجه الأنظار إلى الجهات المعنية التي تقوم بتوفير المرافق العامة مثل المدارس والمستشفيات والمياه والصرف الصحي والكهرباء والاتصالات وشبكة النقل والمواصلات بطرق فعالة لتعزيز النقل العام والخاص التي تعمل في تخفيف الضغط على الشوارع للحد من الاختناقات المرورية وتوفير مساحات خضراء للحفاظ على التوازن البيئي وتجهيز الحدائق العامة لتحسين جودة الهواء والحياة وتعزيز الأنشطة التجارية وتحديد الأسواق التي تساهم في جذب الاستثمار وزيادة فرص العمل وإنتاج وظائف جديدة وتطوير القديم أو استبداله والحصول على منافع متجددة في جميع التخصصات والمهن والأعمال، بما يتماشى مع متغيرات الدورة الاقتصادية والاجتماعية ويؤدي إلى ارتفاع معدلات النمو لجميع الأنشطة وتضمين مساحات التخطيط مفهوم تنوع الأراضي واختبارات التربة حسب الاستخدام (سكني, تجاري, زراعي صناعي..) والخصائص الطبيعية (طينية, رملية, جيرية….)، حيث تتميز كل طبيعة بخصائص فريدة تؤثر على صلاحياتها سواء للزراعة أو البناء …مما يحدد طرق التعامل معها واستغلالها بأفضل الأساليب ومراعاة الكثافة السكانية وسياسة تقسيم واستخدام الأراضي والمساحات العامة وإدخال الأراضي الثانوية والبعيدة إلى المناطق الحضرية والحد من المناطق غير المرتبة والعشوائية التي ينتج عنها غياب البعد الإنساني المنضبط وإيجاد مساكن ملائمة وفق نماذج ومعايير هندسية بالتقنيات والأساليب الحديثة المتطورة في جودة البناء التي ساهمت في استغلال أفضل للمساحات وتخفيض التكاليف وساعدت في تحقيق القيمة المقبولة المتوازنة التي من الممكن أن تكون في متناول الغالبية من الناس بكل فئاتهم وتخصصاتهم وتحقق لهم الاستقرار الإنساني، ليصبح قرار الاستثمار والشراء قريباً تحكمه المزايا والحاجة والسعر، ذلك ما يؤكده الواقع عندما يصبح الفرق ملموساً في تقديم نوعية في السعر المتوازن والمناسب، لأن تصميم البنية التحتية الجيدة يسبق هذا القرار بخطوات ويؤثر فيه وعلى القيمة المضافة من الاستثمار العام والخاص بكل درجاته، سواء للشركات الناشئة أو الصغيرة أو المتوسطة التي تحقق وتوجد وظائف وأعمالاً ومنتجات وخدمات أكثر إضافة إلى أنها تدفع بقدرة القطاع العقاري على دعم الأجندة الاقتصادية، فضلًا عن تعزيز الشفافية والامتثال في سوق يعتمد بشكل كبير على البيانات والمعلومات عالية الحساسية لضمان استدامة النمو وتحقيق التنوع الاقتصادي، لتبقى قادرة على المنافسة، كما أن المدن والمديريات لا تعمل في الفراغات وإنما ترتبط بصماتها ونشاطها بالمناطق المحيطة بها وخصوصا التي تتشارك فيها الموارد والفرص للاستفادة من المزايا النسبية التكاملية ووفورات الحجم لبناء مشاريع استثمارية وإيجاد الحلول لاستخدام الأرض بأفضل الطرق المتاحة والتي أساسها الإنسان كمنظومة متكاملة، بحيث تصبح جوهرة وواجهة جذابة لا تفصل بين التحول العمراني والمجتمع وتقوم في تلبية احتياجاتهم باعتبارها إحدى الركائز الأساسية للتطوير والتزامها بمبادئ تضمن لها الاستمرارية مثل الحفاظ على المناطق ذات الأهمية التاريخية بوصفة عنصر وقيمة والمناخية والصحية والسعي نحو تحقيق معادلة التوازن بين مطالب النمو والحاجة إلى حماية البيئة للحد من التعديات على الموارد الطبيعية والعمل على التقليل من تأثير التلوث البيئي.
فالمدن الرئيسة والثانوية والمديريات تزداد كثافة بالسكان يوما بعد يوم، رغم تدني الاقبال على المدن والمناطق والمديريات الصغيرة وخصوصا التابعة للمدن الثانوية وتمركز الكثافة في المدن الرئيسية لوفرة الخدمات العامة وارتفاع مستوى النشاط الاقتصادي الذي يتيح سهولة في قضاء الاحتياجات والمتطلبات للأفراد وتعدد وتوسع فرص العمل والتجارة، وبالتالي من الأهمية بمكان تطوير وتعميم التخطيط الحضري وبناء بنية تحتية بعيدة عن الابهار والانبهار بدون عيوب إنشائية ولا تخفيها وتخضع للفحوصات الفنية والهندسية التي ترافقها استعدادات مالية وفنية بأعلى المواصفات والجودة كي تصمد أمام الظروف وزيادة مستوى استخدامها ومعدلات الاهلاك قبل ان ترضي العين في جميع المدن والمديريات الرئيسية والثانوية ليحل التوازن والانتشار على مستوى كل المحافظات وفي جميع المجالات كقاعدة ارتكاز للتطوير الهيكلي والتخطيط المستقبلي كخطة شاملة وثابتة تتم مراجعتها كل فترة، تتماشى مع المتغيرات على أرض الواقع وتتمكن من استيعاب التطورات والتوقعات المستقبلية سواء بالتوسع أو التحسين.
فالتخطيط للبنية التحتية ليس سياسات وإجراءات عمرانية فقط وإنما مؤشرات استثمارية والتي هي مزيج من الموارد الطبيعية ورأس المال البشري والبنية التحتية والتكنولوجيا قبل العقارات والمشاريع التجارية والصناعية والزراعية فهي توفر منافع واحتياجات أفراد المجتمع باعتبارها قوة صلبة وناعمة بمعنى أن لها قيمة مادية ومعنوية في تحقيق التنمية المستدامة ووسيلة لإحداث التغيير وتحقيق أقصى استفادة من الموارد وتوزيع التنمية الاقتصادية داخل كل مخطط عمراني للوصول إلى الأهداف الاجتماعية والاقتصادية والعمرانية في إطار تعاون بين الجهات المعنية وأفراد المجتمع والقطاع الخاص، لأن الكثير من الناس الذين يغيبون عن المدن والمديريات الكبرى وحتى الصغيرة عندما يعودون إليها بعد فترة من الزمن يجدون الوضع لم يكن كما كان عليه في السابق، حيث يلاحظون ارتفاع حجم البناء والأسواق العشوائية والطرق الضيقة والمقفلة والأحياء المزدحمة بالورش والدكاكين والبسطات التي زادت من التلوث والضجيج وهي ظاهرة أصبحت منتشرة على مستوى العالم .
لذا فإن التخطيط الجيد للبنية التحتية يساعد على إحداث تغييرات إيجابية باعتباره إطار التنمية، ومن المؤكد أن يتيح ذلك الاستعداد المبكر برسم خارطة طريق التي تساعد على توضيح المسار المستقبلي وربط الأهداف برؤية مستقبلية بعيدة المدى كوسيلة فاعلة للخطوات العملية الواقعية محددة بزمن يضمن وضوح الاتجاه بشكل أفضل لليوم والغد فالمدن والمديريات المزدهرة تصبح لها رؤية يتبعها إطار عمل للتطوير بطريقة مرتبة واستشراف للمستقبل وتوقع للاحتياجات حاليا ومستقبلا وهنا تكمن أهمية ترتيب الأولويات النسبية للقضايا العامة الملحة وحجم الموارد المتاحة كتوفر الميزانيات وتكاليف الصيانة وتنسيق الجهود وإقامة روابط مزدوجة بين التخطيط طويل المدى والإجراءات قصيرة المدى، فكل عملية لا تكون نتاج إجراءات عفوية، وإنما بناء على خطط تستطيع مواجهة التحديات وتكون على استعداد للاستفادة من الفرص وإدارة المخاطر بمعلومات مؤرشفة وموثوقة عن الوضع القائم ومن المرجح أن تترك المدن والمديريات التي لا تخطط بشكل جيد أن تبرز بصمات مستقبلها من الآن، كأن تكون وراء الركب عما يماثلها ذات الإعداد الجيد والتخطيط والتصميم والتنفيذ عالي الجودة وبالنظر إلى حجم التحديات التي تواجه التخطيط العمراني، فالتعامل بواقعية أمر مطلوب، حيث من المتوقع أن لا تتم معالجة وتنفيذ جميع المشاريع المطلوبة في وقت واحد ودفعة واحدة، بل بميزانِ يصاغ ويأخذ وقته حسب الأولويات النسبية وأفضل طريقة للإنجاز هي المشاركة من الجميع في صنعه، بحيث يكون فعلاً مستداماً لتحسن بنية الاقتصاد لا مجرد تحسن في الأرقام والمؤشرات.
باحث في وزارة المالية
