نفاق المعايير الغربية

محمد عبد المؤمن الشامي

 

لم يعد نفاق المعايير الغربية، مسألة تحليل نظري أو خطاب مضاد، بل حقيقة يومية تكشفها الوقائع قبل التصريحات. ففي الوقت الذي تشهد فيه الولايات المتحدة اضطرابات داخلية عميقة، وصدامًا مفتوحًا بين الشارع والسلطة، وصمتًا دوليًا مطبقًا تجاه العنف الرسمي، تتحول أي احتجاجات في دول خارج الدائرة الغربية إلى “أزمة دولية” تستدعي الإدانة والعقوبات وربما التهديد العسكري. إنها معايير واحدة في الخطاب، ومقياسان في التطبيق.

من شوارع مينيسوتا، حيث الرصاص الفدرالي يواجه الغضب الشعبي وتتصادم السلطات المحلية مع المركزية في مشهد دستوري مقلق، إلى طهران، حيث تُستدعى لغة حقوق الإنسان فورًا لتبرير الضغط والتصعيد، تتجلى ازدواجية الغرب في أوضح صورها. قمعٌ يُبرَّر حين يكون أمريكيًا، واحتجاجٌ يُجرَّم حين يكون خارج الحسابات الجيوسياسية. وبين هذا وذاك، تُفرَّغ القيم من معناها، وتتحول المبادئ إلى أدوات، والحقوق إلى أوراق ضغط.

تعيش ولاية مينيسوتا الأمريكية حالة استقطاب حاد، تتقاطع فيها مساعي إدارة الرئيس دونالد ترمب لفرض سياسات هجرة متشددة مع تصاعد الغضب الشعبي والحقوقي إثر مقتل الشاب أليكس بريتي برصاص ضباط فدراليين. حادثة فجّرت موجة احتجاجات واسعة، وأعادت إلى الواجهة سؤال استخدام القوة الفدرالية، وحدود صلاحيات الحكومة المركزية، ودور السلطات المحلية في حماية مواطنيها. لم يعد الأمر مجرد حادثة أمنية، بل تحوّل إلى صراع دستوري مفتوح يكشف هشاشة الخطاب الأمريكي حول سيادة القانون حين يُختبر داخل حدوده.

ورغم خطورة المشهد، لم نسمع بيانات إدانة من العواصم الغربية، ولم تُعقد جلسات طارئة في المنظمات الدولية، ولم تُفرض عقوبات، ولم تُرفع تقارير حقوقية صارمة. فجأة، أصبح القتل “تطبيقًا للقانون”، وأصبحت الاحتجاجات “توترًا اجتماعيًا”، وتحولت الديمقراطية إلى مظلة تبريرية لكل ممارسة، مهما بلغت حدّتها. هكذا تُدار المعايير حين يكون الفاعل هو الولايات المتحدة.

في المقابل، ما إن تشهد إيران احتجاجات داخلية، حتى يتحول المشهد إلى قضية عالمية عاجلة. تتسابق التصريحات الغربية، وتُستدعى لغة التهديد والعقوبات، ويُقدَّم الحدث بوصفه دليلًا على فشل الدولة وشرعية التدخل. لا أحد يسأل عن السياق، ولا عن ازدواجية المقارنة، ولا عن الأسباب الاجتماعية والاقتصادية، ولا عن حق الدول في معالجة شؤونها الداخلية بعيدًا عن الوصاية الخارجية.

الأخطر من ذلك أن الخطاب الغربي لا يقف عند حدود الإعلام والسياسة، بل يُترجم سريعًا إلى أفعال قسرية. فقد رافق هذا التصعيد السياسي حشد عسكري أمريكي متكرر في الشرق الأوسط، واستعراض للقوة بذريعة “حماية الاستقرار” أو “حماية الشعب الإيراني”. وهي ذريعة باتت مكررة ومكشوفة، إذ غالبًا ما تنتهي هذه “الحماية” بزعزعة الاستقرار، لا بصونه، وبمعاقبة الشعوب لا بحمايتها.

إن المفارقة الصارخة تكمن في أن دولة تعجز عن احتواء أزماتها الداخلية دون عنف، وتفشل في محاسبة أجهزتها الأمنية بشفافية، تدّعي فجأة امتلاك الوصاية الأخلاقية على شعوب أخرى. فمن لا يحاسب نفسه، لا يملك شرعية محاسبة غيره. ومن يبرر القمع في الداخل، يفقد تلقائيًا حق الوعظ في الخارج.

وهذا السلوك يكشف أن حقوق الإنسان في القاموس السياسي الغربي ليست مبدأً ثابتًا، بل أداة انتقائية تُستخدم وفق ميزان المصالح. فهي تُرفع كسيف في وجه الخصوم، وتُخفَض كدرع حين تمسّ الذات أو الحلفاء. وبهذا، تُفرَّغ القيم من مضمونها الأخلاقي، وتتحول إلى لغة ضغط لا أكثر.

ولا تقتصر آثار هذه الازدواجية على الدول المستهدفة، بل تمتد لتقويض النظام الدولي نفسه. فحين تُدار العدالة الدولية بمعايير مزدوجة، تفقد المؤسسات الدولية مصداقيتها، وتتعزز قناعة الشعوب بأن القانون الدولي لا يُطبّق إلا على الضعفاء. وهو ما يُغذّي الغضب، ويُعمّق الانقسام، ويدفع العالم نحو مزيد من الاستقطاب وعدم الاستقرار.

إن استمرار هذا النهج لا ينذر بعالم أكثر أمنًا، بل بعالم أكثر فوضى. فالقيم التي لا تُطبّق على الجميع تتحول إلى شعارات جوفاء، والنظام الذي يُدار بازدواجية صارخة يفقد شرعيته السياسية والأخلاقية معًا. وفي ظل هذا الواقع، يصبح السؤال مشروعًا وملحًّا: كيف يمكن للغرب أن يقود العالم أخلاقيًا، وهو عاجز عن مواجهة تناقضاته الداخلية؟

في النهاية، يكشف ما يجري من مينيسوتا إلى طهران حقيقة لا يمكن إنكارها: الغرب لا يطبّق معاييره إلا وفق مصالحه، ولا يُحاسب نفسه على تجاوزاته الداخلية قبل أن يُدين الآخرين. ازدواجية المعايير هذه ليست مجرد موقف سياسي، بل استراتيجية ممنهجة تهدف إلى الهيمنة والسيطرة، وإعادة تعريف القيم الإنسانية بما يخدم القوة لا العدالة.

ومن يبرر القمع داخل حدوده، ويهدّد الآخرين باسم حقوق الإنسان، يفقد كل مصداقية أخلاقية، ويثبت أن خطاب الديمقراطية والقيم العالمية لا يعدو أن يكون قناعًا لإخفاء مصالحه الاستراتيجية. في عالم يسوده هذا النفاق، تبقى الحقيقة واضحة: لا حرية، ولا عدالة، ولا حقوق، إلا إذا خدم ذلك ميزان القوة، وكل من يقف خارج هذا الميزان يصبح عرضة للمحاسبة المزدوجة.

 

 

قد يعجبك ايضا