تتعرض الجمهورية الإسلامية في إيران وكامل جبهات المقاومة لحملة إرهاب قصوى متعددة الفوهات، سواء عبر الحشد العسكري غير المسبوق، أو عبر الحرب النفسية المكثفة عبر تصريحات الرئيس الأمريكي ومنصات الدعايات العربية التابعة لأمريكا والتي تحمل لقب وسائل الإعلام كذبًا وزورًا، والهدف معلوم وهو انتزاع التنازلات وترهيب جماهير المقاومة وفك الارتباط المقدس بينها وبين المجاهدين بعد ثبوت أن هذا الاحتضان الجماهيري هو نقطة القوّة الكبرى لدى إيران وكامل حركات المقاومة.
ويرسخ في يقين المنطقة وفي يقين جماهير وحركات المقاومة أن الصراع مع العدوّ الأمريكي والصهيوني هو صراع وجودي وجولاته ممتدة وأن الحرب معه دائمة ومتعددة الأشكال، وأن المواجهة العسكرية محتملة في أي وقت، بل وأن فترات الهدوء الظاهري والهدنة ما هي إلا حرب بأشكال أخرى لا يتورع العدوّ عن شن عدوانه بها عبر الحصار والفتن، وبالتالي لا يعد التهديد بعدوان عسكري فزاعة لدول وحركات وجماهير المقاومة، ولا يعد وسيلة ناجحة للتركيع وانتزاع التنازلات.
ولكن مناقشة سيناريوهات الأحداث تكون بهدف الوصول لتصور دقيق وللاستعداد لكافة السيناريوهات وإتمام الجهوزية للمقاومة، سواء بشكلها العسكري الذي يتطلب التضحيات والفداء والاستعداد العسكري دفاعيًا وهجوميًا، أو بشكلها المعتمد على الترهيب والحصار والفتنة، والذي يتطلب إدارة حكيمة لأدوات الصمود والردع.
وبخصوص الانتشار العسكري الأمريكي الذي تكثف وبدا لافتًا، ولا سيما بعد خروج الشعب الإيراني بالملايين لدعم نظام الثورة الإسلامية ووأد فتنة إسقاط النظام عبر الثورة الملونة والإرهاب المدعوم علنًا من أمريكا والكيان الصهيوني، ينبغي رصد عدة عناوين بشكل مختصر:
1 – الحشد لترهيب المنطقة وإن كان ظاهره إيران:
هذه الحشود العسكرية المتمثلة في حاملات الطائرات والمدمرات البحرية التابعة لها وفي القاذفات الثقيلة وطائرات التزود بالوقود ومنصات الصواريخ الدفاعية، ومنصات الحرب الإلكترونية والغواصة النووية، مع الدعم اللوجستي المستمر من القواعد الأمريكية في أوروبا والخليج والأردن والتنسيق بين مختلف قيادات الأسلحة الأمريكية، هو بمثابة ترهيب لكامل دول المنطقة، ورسالة مبطنة إلى روسيا والصين، بأن (وزارة الدفاع) التي غيرت اسمها حديثًا إلى (وزارة الحرب) جادة في فرض الإرادة الأمريكية، وتزامن ذلك مع الإجراءات التصفوية في غزّة واحتلالها أمريكيًّا، يبعث برسالة إلى أي دولة تفكر في عرقلة الخطط الأمريكية والتهجير وغيره من خطط التمركز في القرن الافريقي. وبالتالي فإن الحشد يوجه رسائل متعددة حتّى لحلفاء أمريكا بالطاعة التامة وتيسير سير المخطّطات، إضافة إلى أنه رسالة دعم مطلقة للكيان الصهيوني وطمأنته بأن مخطّط «إسرائيل الكبرى» سيتم فرضه بالقوّة.
2 – استبعاد الحاجة إلى الذرائع عند تقدير الموقف الاستراتيجي:
حيث يتزامن هذا الحشد العسكري الأمريكي مع انقلاب أمريكي على النظام العالمي وقواعده وقانونه الدولي، وفي لحظة تاريخية حساسة تريد أمريكا بها استبدال المؤسسات الدولية بتكتلات وكيانات أمريكية مثل «مجلس السلام» في غزّة وتستدعي به مبادئ استعمارية صريحة وهو ما يعني عدم حاجة أمريكا إلى ذرائع ملموسة تبرر بها عدوانها وأن حساباتها عسكرية وأمنية حصرًا، حيث يتوقف إقدامها أو تردّدها على تقدير نجاح عدوانها من عدمه، وعلى مدى الكلفة والتداعيات.
3 – حتمية المواجهة في هذه الجولة المفصلية:
حيث تعد هذه الجولة من الجولات المفصلية تاريخيًا، لأن أمريكا خرجت بمجازفة كبيرة حيث تخلت عن النظام الدولي وحسن الجوار في أمريكا اللاتينية، وكذلك أهانت الحلفاء التاريخيين في أوروبا، وهو سلوك انتحاري قامت فيه أمريكا بالتضحية بالاعتماد على القوّة الناعمة، ووضعت سبيلًا وحيدًا لها وهو القوّة الخشنة والهيبة، وبالتالي هذا الخروج العسكري للمنطقة أكبر كثيرًا من منطق استعراض القوّة، وهي خرجت لتنتزع أحد انتصارين، إما تدمير قوى المقاومة وإسقاط نظمها، وإما انتزاع التنازلات والاستسلام وبالتالي تدميرها معنويًا، وهو ما يعطي لهذه الجولة صفة المعركة الوجودية ولا سبيل أمام إيران أو حركات المقاومة إلا المواجهة، سواء العسكرية، أو الصمود والثبات، وهو ما أعلنته قوى المقاومة من جهوزيتها وعدم خضوعها للتهديد وعدم قبولها للذلة مهما كانت النتائج والسيناريوهات.
4 – المراوحة بين العدوان وسياسة الضغوط القصوى:
تنقسم الآراء والتقديرات بشأن احتمالات العدوان العسكري، فالبعض يتوقع عدوانًا شاملًا وكبيرًا، والبعض يتوقع استخدام الحشد للضغط السياسي، والبعض يتوقع سيناريو وسيطًا مفاده توجيه ضربات محدودة لا تدفع إيران إلى رد كبير، وهو ما يمكن توظيفه تفاوضيًا للوصول إلى حل وسط في القضايا العالقة.
السيناريو الأكثر ترجيحًا:
في جميع الحالات السابقة، فإن منطق المساومة على التنازلات غير موجود في قاموس المقاومة، وهو ما يعني أن خيار الضغوط القصوى لن ينجح في فرض إرادة أمريكا وكسر إرادة المقاومة، كما أن خيار الضربة المحدودة، أعلنت إيران أنها لن تسمح به وأنها ستعتبر أي عدوان بمثابة عدوان شامل وستتعامل معه على هذا الأساس، إضافة إلى أن هدف الضربة المحدودة يتطابق مع هدف الحصار وهو المساومة والإخضاع للتفاوض من موقع الضعف، وبالتالي فلا قيمة له لأنه محكوم عليه مسبقًا بالفشل.
هنا يتبقى خيار العدوان الشامل بهدف التخلص من النظام الإيراني وأنظمة المقاومة بالمنطقة في اليمن ولبنان وإسكات صوت الأحرار من جماهير المقاومة.
وهذا الخيار يخضع لحسابات الكلفة والتداعيات، وهو ما استدعى استباقًا من حركات المقاومة ومن إيران حيث أعلن الجميع عن الجهوزية وأن المنطقة بأكملها ستتأثر، وأنها ستكون حربًا غير محدودة لا جغرافيًّا ولا من حيث قوة النيران وانتشارها.
وهنا نرى أن الأكثر فزعًا في هذه المنطقة هو العدوّ «الإسرائيلي» الذي أذاقته إيران ويلات المواجهة المباشرة، وهو ما نراقبه في التقارير الصهيونية التي تتوارى وراء ترامب وتتنصل من مسؤولية أي عدوان محتمل، كما نراه في دول خليجية تتظاهر بعدم مشاركتها وتتبرأ من العدوان خوفًا من تداعياته.
بينما شعوب المقاومة وحركاتها تقف متحفزة ومؤمنة بخيارها وجاهزة لدفع ثمن الكرامة، وقد قررت سلفًا أن الحياة لها معنى واحد، وهو الحياة الكريمة، وأن الموت خير من الذلة، وبالتالي فلا قيمة للحروب النفسية والفزاعات، والمقاومون متأهبون لجميع السيناريوهات.
وقد ألقت أمريكا بجميع أوراقها الإمبراطورية في هذه المعركة، وقد تخرج منها إمبراطورية سابقة على نمط الإمبراطورية البريطانية التي انهارت أمام مقاومة الشعوب والأحرار.
كاتب مصري
