الحديث عن احتمال إقدام الولايات المتحدة على ضرب إيران لا يمكن فصله عن جوهر الصراع الحقيقي: الملف النووي الإيراني، فهو العقدة التي تتقاطع عندها الحسابات الأمريكية والإسرائيلية، وتتشابك معها توازنات المنطقة كلها. واشنطن تدرك أن أي ضربة عسكرية مباشرة لإيران، خصوصًا إذا استهدفت منشآت نووية، لن تكون عملية محدودة الأثر، بل ستفتح مواجهة إقليمية واسعة يصعب التحكم بمسارها، لذلك تفضّل سياسة الضغط المركّب: عقوبات خانقة، تهديد عسكري دائم، وضربات غير مباشرة، بهدف كبح التقدّم النووي دون الانزلاق إلى حرب شاملة. في المقابل، ترى “إسرائيل” أن امتلاك إيران لقدرة نووية يمثل تهديدًا وجوديًا، ولذلك تدفع باستمرار نحو الخيار العسكري، سواء عبر الضغط على واشنطن أو من خلال عمليات سرّية واغتيالات وحرب سيبرانية، لكنها تعلم أنها عاجزة عن توجيه ضربة حاسمة منفردة دون غطاء أمريكي. وأي تصعيد مرتبط بالملف النووي لن يبقى محصورًا داخل الجغرافيا الإيرانية؛ فإيران بنت معادلة ردع إقليمية تجعل الرد موزعًا على أكثر من ساحة، من الخليج إلى العراق وسوريا ولبنان، وصولًا إلى البحر الأحمر، حيث يصبح اليمن بحكم موقعه الجغرافي جزءًا من ميزان الضغط لا ساحة حرب تقليدية جديدة، عبر تأثيره على الملاحة الدولية وباب المندب. ومن هنا يمكن القول إن المنطقة لا تقف على أعتاب حرب كبرى بقدر ما تعيش حالة توتر محسوب، تُستخدم فيها ورقة الحرب كأداة تفاوض حول البرنامج النووي، لا كخيار نهائي، فالجميع يدرك أن انفجار المواجهة يعني انهيار خطوط السيطرة وفتح باب الفوضى الإقليمية، وهو ما لا تريده أمريكا، ولا تتحمله المنطقة، حتى وإن واصلت إسرائيل الدفع نحوه.
وفي كل الأحوال فإن أي حرب محتملة على إيران، إذا ارتبطت مباشرة بالملف النووي وخرجت عن إطار الضربات المحدودة، فلن تكون حدثًا عسكريًا عابرًا، بل زلزال جيوسياسي تتردّد ارتداداته في الإقليم والعالم، بحكم تحكّم المنطقة بأهم شرايين الطاقة والتجارة الدولية، وعلى رأسها مضيق هرمز وباب المندب. فمضيق هرمز يمرّ عبره ما يقارب ثلث صادرات النفط العالمية المنقولة بحرًا، وأي تهديد أو إغلاق جزئي له سيؤدي فورًا إلى قفزات جنونية في أسعار النفط والغاز، واضطراب سلاسل الإمداد، وعودة شبح التضخم العالمي الذي لم يتعافَ أصلًا من آثار الحروب والأزمات السابقة. أما باب المندب، الذي يشكّل نقطة الوصل بين المحيط الهندي والبحر الأحمر وقناة السويس، فإن تحوّله إلى ساحة توتر أو صراع، سيعني عمليًا خنق أحد أهم خطوط التجارة العالمية بين آسيا وأوروبا، وارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، وربما تعطيل جزئي لحركة الملاحة، ما سينعكس مباشرة على الاقتصاد العالمي، خصوصًا الدول الصناعية المستوردة للطاقة والغذاء. وإقليميًا، ستتحول دول الخليج إلى مناطق استنفار أمني واقتصادي، وستجد نفسها بين خطر الاستهداف المباشر وضغوط الأسواق العالمية، بينما ستغدو ساحات مثل العراق وسوريا ولبنان واليمن نقاط اشتباك غير مباشر، تُستخدم فيها أدوات الردع المتبادل بدلاً عن المواجهة التقليدية، ما يهدد بتمزيق ما تبقى من استقرار هش. وفي هذا السياق، يكتسب اليمن أهمية استثنائية لا لأنه مركز قرار، بل لأنه يقع على خاصرة الملاحة الدولية، ما يجعله عنصرًا مؤثرًا في معادلات الضغط والرد، سواء عبر البحر أو السياسة. أما عالميًا، فستجد الولايات المتحدة نفسها أمام اختبار قيادة النظام الدولي، فيما ستستثمر قوى كبرى كالصين وروسيا هذا الاضطراب لتعزيز نفوذها وإعادة تشكيل موازين القوى، مستفيدة من فوضى الطاقة وتآكل الثقة بالاستقرار الغربي. ولهذا، فإن الحرب المرتبطة بالملف النووي الإيراني لا تُخيف فقط دول المنطقة، بل تُقلق العالم بأسره، لأنها لا تهدد حدود دول، بل تهدد قلب الاقتصاد العالمي، وهو ما يجعل الجميع يتعامل معها كورقة ضغط قصوى في التفاوض، لا كخيار سهل التنفيذ.
