من يدفع فاتورة الحشود الأمريكية في الشرق الأوسط؟

محمد عبدالمؤمن الشامي

 

 

الحشود العسكرية الأمريكية في الشرق الأوسط، ليست مجرد تحركات عسكرية عابرة، ولا قرارات طارئة تفرضها ظروف أمنية مفاجئة، بل هي نتيجة مسار سياسي واقتصادي طويل، تُدار فيه القوة كسلعة، والحرب كاستثمار، والأمن القومي كشعار لتبرير الاستنزاف. في كل مرة تُرسل فيها واشنطن حاملة طائرات أو مجموعة بحرية، يُقال إن الهدف هو “حماية المصالح الأمريكية”، لكن السؤال الحقيقي الذي يُتجاهل عمدًا هو: من يدفع الثمن؟ الجواب واضح، وإن حاول الإعلام الأمريكي تغليفه: المواطن الأمريكي هو من يدفع بالكامل، وبلا شراكة.
منذ سنوات، تحوّل الشرق الأوسط إلى ساحة مفتوحة لاستعراض القوة الأمريكية، لكن هذه القوة لا تأتي من فراغ. كل حاملة طائرات هي مدينة عائمة تبتلع مليارات الدولارات سنويًا بين تشغيل وصيانة وحماية ورواتب وتسليح. وهذه المليارات لا تسقط من السماء، بل تُقتطع من الضرائب، من الخدمات العامة، من التعليم، من الرعاية الصحية، ومن القدرة الشرائية للمواطن الأمريكي الذي يزداد فقرًا بينما تُضخ الأموال في البحار البعيدة.
دونالد ترامب، الذي يتصرف بعقلية رجل الأعمال لا رجل الدولة، يستعرض القوة كما يستعرض الصفقات. يهدد، يلوّح، ويحوّل السياسة الخارجية إلى مسرح ضغط ومساومة. لكنه في الوقت نفسه يصطدم بدولة عميقة، ترى في الحروب الخارجية شريان حياة دائماً. الصراع بين ترامب والدولة العميقة ليس صراعًا على مصلحة المواطن، بل صراع على من يسيطر على ماكينة الحرب الأمريكية، ومن يحتكر عوائدها السياسية والاقتصادية.
في قلب هذا المشهد تقف اللوبيات الصهيونية وشركات السلاح الأمريكية، المستفيد الأكبر والأكثر ثباتًا. هذه الجهات لا تخسر في أي سيناريو: إذا اندلعت حرب ربحت العقود، وإذا توسع الانتشار العسكري ربحت القواعد، وإذا تصاعد التوتر ربحت سباق التسلح. أما المواطن الأمريكي، فلا يربح شيئًا. لا أمنًا، ولا استقرارًا، ولا رفاهًا. كل ما يحصل عليه هو فاتورة أعلى، وتضخم أقسى، ومستقبل أكثر هشاشة.
الميزانية العسكرية الأمريكية لم تعد انعكاسًا لحاجة دفاعية حقيقية، بل أصبحت مؤسسة قائمة بذاتها، تلتهم الموارد وتعيد إنتاج الأزمات. مئات المليارات تُصرف سنويًا على الحروب والانتشار العسكري، بينما يعجز ملايين الأمريكيين عن دفع الإيجار، أو تحمل تكاليف العلاج، أو تسديد ديون التعليم. أي أمن قومي هذا الذي لا يضمن لمواطنيه أبسط حقوق العيش الكريم؟
الحاملة الأمريكية، التي كانت يومًا رمزًا للهيمنة، تحوّلت اليوم إلى رمز للفجوة الصارخة بين الخارج المتخم بالسلاح والداخل المثقل بالفقر. مدينة عائمة تحرسها المدمرات والغواصات، في بلد تُغلق فيه المستشفيات، وتتدهور فيه البنية التحتية، ويُترك فيه المواطن وحيدًا في مواجهة الأزمات. هذه ليست قوة، بل اختلال في الأولويات، وانفصال خطير بين الدولة وشعبها.
تحت شعار “الأمن القومي”، تُبرَّر كل مغامرة جديدة في الشرق الأوسط. لكن الواقع يقول إن هذه المغامرات لا تحمي المواطن الأمريكي، بل تزيد من هشاشة المجتمع، وتعمّق الانقسام الاجتماعي والسياسي. الداخل الأمريكي اليوم يعيش توترًا غير مسبوق: تضخم، ديون، انعدام ثقة، واستقطاب حاد. ومع ذلك، تُصر النخبة السياسية والعسكرية على تصدير الأزمات إلى الخارج، وكأن الحروب قادرة على إنقاذ الداخل المنهك.
السؤال الذي يفرض نفسه بقوة: من يكسب فعليًا من هذه الحشود؟ ترامب يكسب نقاطًا سياسية ويغذي صورته كرجل قوي. الدولة العميقة تضمن استمرار نفوذها وهيمنتها. اللوبيات الصهيونية وشركات السلاح تحصد أرباحًا خيالية بلا أي محاسبة. أما المواطن الأمريكي، فهو الخاسر الأكبر: يدفع من ماله، من استقراره، من مستقبله، وحتى من ثقته بالنظام السياسي الذي بات يراه يعمل ضده لا لأجله.
ما يحدث اليوم ليس سياسة خارجية فاشلة فقط، بل إنهاك داخلي ممنهج. الولايات المتحدة تستعرض قوتها في الخارج، لكنها تفعل ذلك على حساب تماسكها الداخلي. التاريخ مليء بالأمثلة: الإمبراطوريات لا تسقط عندما تضعف جيوشها، بل عندما يُستنزف شعبها. من روما إلى بريطانيا، الدرس واحد: القوة العسكرية لا تنقذ نظامًا يتجاهل الداخل.
اليوم، الولايات المتحدة تقف أمام لحظة تحذير واضحة. الحشود العسكرية في الشرق الأوسط قد تبدو مهيبة، لكنها تخفي خلفها واقعًا داخليًا متآكلًا. المواطن الأمريكي هو من يدفع الفاتورة، حربًا بعد حرب، وقرارًا بعد قرار، بينما تُراكم اللوبيات والشركات أرباحها بلا سقف.
وإذا استمر هذا المسار، فإن قصة انهيار الإمبراطورية الأمريكية لن تُكتب بسبب هزيمة عسكرية، بل بسبب استنزاف الداخل، وتراكم الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية. المواطن الأمريكي سيكون الشاهد والضحية،

قد يعجبك ايضا