الثورة /
إن البطولات التي يسطرها الشعب اليمني اليوم في مواجهة الاستكبار الأمريكي الصهيوني هي نتاج طبيعي لهوية امتلكها شعبنا وتحرك على أساسها. هذه الهوية هي هوية إيمانية جامعة لخّصها الرسول محمد صلوات الله عليه وآله وسلم حين قال: “الإيمان يمان والحكمة يمانية”، ولأن أول مبادئ هذا الإيمان هو التحرر من العبودية للطواغيت، فقد انطلق الشعب اليمني اليوم في الانتصار لمظلومية الشعب الفلسطيني، فواجه أقوى الجيوش على مستوى العالم، متسلحا بسلاح الإيمان، معتمدا على الله سبحانه وتعالى ومعونته وهدايته.
وكما انتصر الأجداد من الأوس والخزرج للرسول الأكرم صلوات الله عليه وآله فإن شعبنا اليوم يسير على نفس المنوال، حاملا على عاتقه الانتصار للمستضعفين وحماية كيان الأمة، في ظل انحراف عربي إسلامي عن الهوية حتى وصلوا إلى أحط مستوى وبالشكل الذي استطاع اليهود -الذين ضُربت عليهم الذلة والمسكنة- أن يقهروا أكثر من ملياري مسلم فيما وقف الشعب اليمني -حينما امتلك هوية إسلامية- ليواجه أقوى الجيوش ويتغلب عليها ويصمد أمام كل التحديات بإمكانات متواضعة.
حين انتفض اليمن انتصارًا لغزة، لم يكن ذلك خروجًا عن المألوف، بقدر ما هو عودة إلى الأصل، وحين اهتز الشارع اليمني غضبًا لإحراق المصحف الشريف والإساءة للقرآن الكريم، ليس فعلًا طارئًا، وإنما تعبير صادق عن هويةٍ تعتبر القرآن روحها، والإيمان بوصلتها، والكرامة خطّها الأحمر.
في غزة، رأى اليمنيون صورتهم، ورأوا جوهر إيمانهم يُستهدف، فغزة -في الوعي اليمني- هي قضية إيمانية عنوانها الحق في مواجهة الباطل، والمستضعف في مواجهة الطاغوت، ولهذا، جاءت المواقف اليمنية -شعبًا وقيادةً- حازمةً وواضحةً، لأن الهوية الإيمانية لا تعرف الحياد حين يُذبح الحق على مرأى العالم، فالإيمان -في جوهره- موقف، والانتماء الإيماني يفرض الاصطفاف مع المظلوم، لا الاكتفاء بالتعاطف البارد أو البيانات الخجولة.
لقد تحرك اليمن من منطلق أن نصرة فلسطين جزء من الإيمان، وأن الصمت خيانة للهوية، وأن التخلي عن غزة يعني التخلي عن جوهر “الإيمان يمان”، وهذه معادلة لا يقبلها اليمني الذي تشكّل وعيه على أن الإيمان فعل، لا ادّعاء.
الغضب للقرآن الكريم
وحين أُحرِق القرآن الكريم، وامتدت أيادي الكراهية لتدنيس أقدس مقدسات الأمة، لم يرَ اليمنيون في ذلك حادثةً معزولة، وإنما استهداف مباشر لهويتهم، فالقرآن الكريم في الوعي اليمني دستور الحياة، ومنبع القيم، وأساس الهوية، ولهذا، كان الغضب اليمني غضبًا واعيًا، عميقًا، يتجاوز ردود الفعل الشكلية؛ لأن المساس بالقرآن الكريم هو مساس بالإيمان، والمسّ بالإيمان هو مسّ بالكرامة، والكرامة في الهوية اليمنية ليست قابلة للمساومة.
تحرك الشعب اليمني غضبا للقرآن الكريم بداية بالقائد السيد عبدالملك بدرالدين الحوثي الذي أصدر بيانا اعتبر الجريمة النكراء -التي أقدم عليها المرشح الأمريكي بإحراق القرآن الكريم- خطوةً في إطار الحرب الصهيونية على هوية ومقدسات الأمة التي تسعى لمحونا والسيطرة على الأمة روحا وفكرا وثروات وأرضا. وفي بيانه دعا السيد القائد إلى عضب شعبي واسع، لقي استجابة منقطعة النظير تعبّر عن تجذر الشعور تجاه المقدسات في الشعب اليمني، فقد خرجت في العاصمة صنعاء ومختلف المحافظات ما يزيد عن (1500) مسيرة جماهيرية حاشدة، كما نظم الطلاب في المدارس والجامعات والمعاهد وقفات حاشدة، إضافة إلى الخروج الجماهيري للعاملين في المؤسسات الرسمية. وهذا الغضب تجسيد للإيمان الحي الذي يرفض السكوت، ويأبى تحويل المقدسات إلى مادة للسخرية باسم حرية زائفة، صُنعت لحماية الكراهية لا لحماية الإنسان.
الهوية الإيمانية حين تنتج موقفًا لا يساوم
إن ما يميّز الموقف اليمني اليوم أنه موقف متسق مع ذاته؛ فاليمن الذي اختار الإسلام طوعًا، واحتضن الإيمان بوعي، هو ذاته اليمن الذي يرفض اليوم الخضوع للطغيان، سواء تجلّى في عدوان على غزة، أو في تدنيس للقرآن، أو في مشاريع استعباد وهيمنة، فالهوية الإيمانية -حين تكون حيّة- لا تبقى حبيسة الشعارات، وإنما تتحوّل إلى موقف، وإلى غضبٍ في وجه الباطل، وإلى نصرةٍ للمظلوم، وإلى ثباتٍ لا تزعزعه الضغوط ولا الحصار.
هكذا تتصل الحلقات من جمعة رجب التي دخل فيها اليمنيون الإسلام دون سيف، إلى ساحات الغضب التي خرجوا فيها دفاعًا عن القرآن، إلى مواقف النصرة التي أعلنوا فيها وقوفهم مع غزة، سلسلة واحدة، وجذر واحد، وهوية واحدة (هوية الإيمان والحكمة والكرامة). وبهذا المعنى، فإن المواقف اليمنية المعاصرة تأكيد جديد على أن الإيمان إذا سكن القلوب تحوّل إلى فعل، وإذا تجذّر في الهوية، صار موقفًا لا يُشترى ولا يُكسر.
