اليمن .. مشروع كرامة لا ساحة غنائم

محمد علي اللوزي

 

فيما يُسوَّق للرأي العام على أنه “تنسيق أخوي” و“تحالف من أجل الأمن والاستقرار”، تكشف الوقائع على الأرض أن ما يجري بين الإمارات والسعودية في اليمن ليس سوى صراع نفوذ ومصالح وأطماع، لا علاقة له بحماية المنطقة ولا بصون استقرارها.
فالتناقضات المتراكمة، وتعدد الأجندات، وتضارب الأدوات، كلها تؤكد أن اليمن تحوّل إلى ساحة تنافس حاد بين شريكين يفترض أنهما في خندق واحد، لكنهما في الحقيقة يتنازعان الغنائم قبل أن يجف دم الضحايا.
لقد دخلت السعودية الحرب من بوابة “الشرعية” وحدودها الجنوبية، فيما دخلت الإمارات من بوابة الموانئ والجزر والممرات البحرية. ومع مرور الوقت، تآكل الخطاب المعلن، وبقيت المصالح العارية وحدها تحكم المشهد. فأنشأت أبوظبي تشكيلات مسلحة خارج إطار الدولة، وسيطرت على الموانئ والجزر الاستراتيجية، ودفعت بمشاريع انفصالية، في مقابل سعي الرياض للإمساك بالقرار السياسي والعسكري العام، ومنع خروج الملف اليمني من يدها. وهكذا لم يعد الصراع مع “الآخر”، بل صار بين الحليفين نفسيهما.
هذا الصراع لم يُنتج أمنًا، بل فوضى؛ ولم يصنع استقرارًا، بل شروخ عميقة في الجغرافيا والمجتمع والسيادة. الأخطر من ذلك أنه أعاد رسم الصراع من كونه عدوانًا خارجيًا إلى صراع وصاية وتفكيك، تُدار فيه المناطق عبر مليشيات متناحرة، وتُختزل الدولة في واجهات شكلية، فيما القرار الحقيقي مرتهن لغرف عمليات خارج الحدود.
وإذا كان البعض يظن أن اليمن وحده هو الخاسر، فإن الحقيقة أبعد من ذلك. فاستمرار هذا الصراع بين الإمارات والسعودية لا يهدد اليمن فقط، بل يعجّل بتفتيت المنطقة بأكملها، وفي المقدمة دول الخليج نفسها. فحين تتغلب الأطماع على الشراكة، وحين تُستبدل الدولة بالمليشيا، والسيادة بالقواعد الأجنبية، فإن العدوى لا تتوقف عند حدود اليمن، بل تمتد إلى كل كيان هش يقوم على الريع لا على العقد الاجتماعي الحقيقي.
في المقابل، وبرغم الجراح والحصار والحرب، تظل اليمن حاضرة. حاضرة بوعي شعبها، وبقدرتها على الصمود، وبإصرارها على رفض الارتهان لأي محور أو وصاية. لقد تحولت اليمن، بفعل التحديات، من ساحة مستباحة إلى فكرة مقاومة ومشروع تحرر، يطرح نفسه اليوم كمشروع جديد في المنطقة: مشروع يرفض التبعية، ويرفض تحويل السيادة إلى سلعة، ويؤمن بأن القرار الوطني لا يُستورد ولا يُفرض، بل يُنتزع بإرادة الشعوب.
إن صراع الإمارات والسعودية في اليمن، ليس فصلًا عابرًا في كتاب السياسة، بل جرس إنذار للمنطقة بأسرها. فإما أن تُراجع دول الخليج سياساتها القائمة على الهيمنة والنهب، وإما أن تكتشف – متأخرة – أن النار التي أشعلتها في اليمن لن تتوقف عند حدوده. أما اليمن، فرغم كل شيء، تمضي في طريقها الصعب، لكنه الواضح: طريق الكرامة والاستقلال، وبناء ذاتها كمشروع لا كغنيمة.

قد يعجبك ايضا