الثورة نت
يومية - سياسية - جامعه

تحالف العدوان السعودي الاماراتي وصناعة الأضداد في المناطق المحتلة

على خطى الاستعمار القديم وسياسة "فَرِّقْ تَسُد"

صراعــات دول تحـالف العدوان منذ إعــلان الحرب حتــى “إعلان الزبيدي”
الإمارات والسعودية أنشأتا مجاميع مسلحة تحت مسميات عدة ودفعتا بها لمواجهة الآخـر
ضغوط إماراتية من منطلق السيطرة تقابلها قرارات سعودية صادمة ضحيتها المرتزقة
سعت السعودية لاحتواء مرتزقة المؤتمر وإنشاء برلمان جديد.. فيما احتضنت الإمارات طارق عفاش والانتقالي

في العام 2015، أعلنت دول الخليج تحالفاً عسكرياً تتصدر مشهده السعودية للعدوان على اليمن، واستطاعت تلك الدول بما لها وعلاقتها تكوين تحالف من 17 دولة تتمثل قيادته العليا بـ “المملكة المتحدة (بريطانيا) والولايات المتحدة الأمريكية والكيان الصهيوني”. تحالف يشبه ذلك الذي حشدته قريش لقتل الرسول محمد (صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله) وجمعت له من كل قبيلة رجلاً؛ حتى يضربوه ضربة رجل واحد فيتوزع دمه بين القبائل، لكن خطتهم فشلت كما فشل الحلفاء الجديدون، فما وجدوه في اليمن بعد انطلاق العدوان جعل الكثير من تلك الدول تغير قناعاتها بأن أهدافهم صعبة المنال خاصة أن آلاف الصواريخ الذكية والمحرمة دولياً والحصار المطبق لم يُحدث تأثيراً في قوة الردع المضاد فاضطرت تلك الدول إلى الانسحاب من الحلف العدواني والاعتذار لأبناء اليمن.

الثورة /عبدالقادر عثمان

بعد مرور عامين على الحرب، أي في العام 2017، تفككت دول العدوان حتى أصبح تحالفها يعرف بالتحالف السعودي الإماراتي ومن ورائه أمريكا وبريطانيا، وبدأت الصورة تتضح أكثر حينما توسعت دائرة الخلاف السعودي الإماراتي على نطاق السيطرة والنفوذ في المحافظات الواقعة تحت الاحتلال جنوبي اليمن، خاصة على مناطق الثروات والموانئ كحضرموت وعدن والمهرة وشبوة ولحج، حينها عملت الإمارات على إنشاء ما عرفت بـ “المقاومة الجنوبية” (مليشيات متطرفة ترفع علم الانفصال وتطالب به) وقدمت لها الدعم الكافي من السلاح والمال، في الوقت الذي تمسكت فيه السعودية بعناصر حزب الإصلاح في مارب وسيئون وبعض القوات المرتزقة التابعة للفار هادي.

مليشيات خاصة
لم تكتف الإمارات بذلك، بل أنشأت مجاميع مسلحة أخرى تحت مسميات عدة، كـ “الحزام الأمني، النخبة الشبوانية والحضرمية والعدنية، العمالقة وغيرها”، ساعدها ذلك في إضعاف المليشيات الموالية للسعودية في بعض المحافظات؛ ليكون لها النصيب الوافر من الثروات، واستخدمت خلافاتها مع القيادات التابعة للسعودية من عناصر الإصلاح وحكومة هادي في ذلك مطالبة بإجراء تغييرات في حكومة المرتزقة وقيادة ما تسميها بـ “الشرعية”، بحيث تزيح الإصلاح وقياداته، الذين تصنفهم كإرهابيين، ليحل بديلاً عنهم عناصر من حزب المؤتمر المنشق والمتواجد في مصر والسعودية والإمارات.
تلك الضغوط التي مارستها الإمارات من منطلق سيطرتها على المحافظات المحتلة قابلتها السعودية بقرارات صادمة؛ إذ أجبرت هادي الذي استمرأ العيش في فنادق الرياض على اتخاذ قرارات بعزل القيادات الموالية للإمارات من مناصبهم في حكومة الفنادق وتمثل ذلك بالإطاحة بكل من الوزير هاني بن بريك، ومحافظ عدن عيدروس الزبيدي في الـ 27 من أبريل 2017، فيما دعمت الإمارات الزبيدي وصاحبه بعد ذلك لإنشاء ما بات يُعرف بـ “المجلس الانتقالي الجنوبي” في الـ 12 من مايو من العام ذاته، ليكون المجلس ورقة ضغط يستخدمها ولي عهد أبو ظبي محمد بن زايد في صراعه مع ولي عهد المملكة محمد بن سلمان، وباتت المليشيات التابعة للإمارات تدين بالولاء للمجلس الذي أعلن منذ لحظته الأولى تبنيه لما أسماه “استعادة دولة الجنوب العربي”، وهو اسم جديد ابتكرته الإمارات غير الاسم القديم للمحافظات الجنوبية قبل إعلان الوحدة عام 1990.

توسع مطامع
كان غرض الإمارات استخدام المجلس الانتقالي التابع لها لكسب بعض المواقف أمام السعودية، بيد أن تماهي المليشيات مع أطماعها جعلها تمد بصرها إلى ما وراء ذلك وبات الانفصال هدفاً رأت أنها تستطيع من خلاله تحقيق مكاسب خيالية خاصة إذا ما أتيح للمحافظات الجنوبية حق تقرير المصير ووافق المجلس السياسي الأعلى في صنعاء على الانفصال، حيث يمكن لها إقامة إمارة جديدة تحولها من ساحل عمان إلى دولة تملك تأثيراً عالمياً لتحكُّمها بمسار التجارة العالمي عبر باب المندب، لكنها لم تدرك أن السياسي الأعلى يتحدث عن دولة يمنية ذات سيادة ولا ينظر إلى اليمن كشطرين ولديه استعداد لخوض حرب لعشرات السنين مع أي قوة تفكر بتقسيم أو احتلال أو انتهاك سيادة اليمن الواحد.
وبينما اتجهت السعودية إلى تجنيد الأطفال من دارفور واليمن خاصة تعز وبعض المحافظات الجنوبية، كما كشفت قناة “الجزيرة” في تحقيق استقصائي؛ لحماية حدودها من تقدم الجيش واللجان الشعبية الذين باتوا على مشارف مدينة نجران وأصبحت أسلحتهم تصل إلى ما وراء الرياض، نحت الإمارات بعد تجنيدها 12 ألف مرتزق جنوبي واستقطابها 30 ألفاً من البلاك ووتر والجنجويد إلى ممارسة العنف والقمع والإهانة بحق أبناء الأرض وعملت على إنشاء السجون السرية لتكون مصير كل الرافضين لتواجدها، وزجت بمئات الشباب والناشطين والصحافيين المعارضين لممارساتها وحملات التجنيد الإجباري التي نفذتها من أجل مواجهة الجيش واللجان.

هادي الأداة
في الوقت ذاته لم يكن أمام السعودية سوى التمسك بهادي والإصلاح ليكونا لها غطاءً قبيحاً لارتكاب جرائم الحرب، ودفعت بمجاميع مسلحة من المرتزقة في مارب إلى حضرموت؛ لتعزيز تواجدها، إلى جانب سعيها الحثيث لنيل نصيب من كعكة الجنوب الراضخ للاحتلال، لكن الإمارات اتخذت خطوات تصعيدية هذه المرة ورفضت في العام 2017 هبوط طائرة الفار هادي في مطار عدن الذي يسيطر عليه مرتزقتها، وذلك في خطوة فاشلة أرادت السعودية أن توصل من خلالها رسالة مفادها “نحن من يمسك بزمام الأمور”، كما عملت الإمارات على إهانة وزراء ينتمون لحكومة الفنادق، كانوا ينوون المرور في الطريق التي تسيطر عليها مليشيات النخبة الشبوانية بين حين وآخر في العامين 2017-2018، ومنهم صالح الجبواني الذي خرج لغرض وضع حجر أساس لميناء قناء في شبوة، كما منعت عبد الله لملس من المرور إلى المحافظة نفسها، ووزير نفط هادي ومحافظ الجوف المعين من قبله، وبادرت للسيطرة على محافظة سقطرى.
بعد ذلك أرادت الإمارات مقايضة الفار هادي بالسماح لحكومته بالتواجد في عدن مقابل عقد استثماري يتيح لها الحق في امتلاك سقطرى لنحو 90 عاماً، وبعد موافقته وإصدار قراره بذلك سمحت الإمارات بتواجد حكومة هادي لبضعة أشهر قبل أن تصعّد ضدّهم أثناء تحرك السعودية للسيطرة على المهرة فاندلعت الاشتباكات في عدن وحاصر مرتزقة الإمارات مرتزقة السعودية في قصر المعاشيق وبعض المعسكرات، واستمرت السعودية في التحرك داخل المهرة الحدودية مع سلطنة عمان من أجل الوصول إلى البحر وإنشاء ميناء نفطي يساعدها على تجاوز التحكم الإيراني عبر مضيق هرمز.

اختلاف أهداف
لعل الغضب الإماراتي – شريك التحالف – آنئذٍ نابع من رغبة ابن زايد بالسيطرة على المحافظات الجنوبية دون غيرها، فيما السعودية أيضا ترغب بالسيطرة على اليمن كلها وترى أن الإمارات عامل مساعد في الوصول إلى الهدف المنشود وما يمكن أن يشكله موقع اليمن الاستراتيجي من قوة إضافية، حيث أن إطلالة البلد على البحر الأحمر من جهة، والمحيط الهندي من جهة أخرى، سيحقق للسعودية أو الإمارات امتيازات اقتصادية كبرى، وهو ما سيزيد من فرص الهيمنة على المنطقة.
في العام 2018، توسعت دائرة الخلافات بين الحلفاء من جديد، لكن هذه المرة باتت السعودية تخشى من نكران الفار هادي لها وفراره إلى الإمارات المسيطرة على الأرض، إذ كشفت وكالة “أسوشيتد برس” الأمريكية أن “السعودية منعت هادي وابنيه ووزراء وعسكريين يمنيين من العودة إلى عدن، مؤكدة أنهم رهن الإقامة الجبرية في المملكة”، وبدأت تخطط لإيجاد بديل لهادي الذي باتت صحته متقلبة وغير مطمئنة، لكنها لا تريد حزب الإصلاح المعروف بولائه لقطر وتركيا، بل تبحث عن مرتزقة آخرين يدينون بالولاء لمن يدفع أكثر فاختارت بعض عناصر المؤتمر ومنهم سلطان البركاني.
في المقابل، فتحت الإمارات أحضانها لمليشيات طارق عفاش وأنشأت له معسكرات في الجنوب، ودعمت مليشياته والسلفيين وما يسمى بـ “العمالقة” في الساحل الغربي وتعز لتنتهي المعادلة باندلاع اشتباكات بين الإصلاح والسلفيين في مدينة تعز، لكن الإمارات أدركت فشل معركة الساحل أمام الجيش واللجان فقررت ترك هذه الجبهة رهن التهدئة لتجنيبها مزيدا من الخسائر، خاصة أن لها تجارب عدة مع هذه القوات ولم تحقق خلالها أي نتائج، إلى جانب أن الصواريخ اليمنية والطائرات المسيرة باتت تهدد مدنها ومنشآتها الاقتصادية، ومن جانب آخر رأت تأجيل معركة تعز إلى حين الانتهاء من قطع يد المملكة في شبوة وحضرموت والمهرة، فقررت دعم مليشيات النخبة والحزام الأمني، في الوقت ذاته دفعت السعودية بتعزيزات عسكرية إلى هذه المحافظات وهو ما أدى إلى اشتباكات عنيفة كان الخاسر الأكبر فيها المدنيون.

انقلاب ثانٍ
في تعز خرج عناصر الإصلاح في مظاهرات حاملين صور قادة الإمارات. خطوة لاقت استهجاناً واسعاً من قبل اليمنيين ومنهم نشطاء محسوبين على الحزب نفسه، بعد ذلك، اندلعت اشتباكات جديدة في تعز تخلت خلالها الإمارات عن السلفيين، ليس دعما للإخوان، بل لأن معركتها البعيدة عن الإعلام في المحافظات الجنوبية أهم من تعز التي يحيط بها الجيش واللجان من عدة محاور وقد يستردونها من الأطراف التابعة للتحالف في أي لحظة، كما أنها تنظر إلى الطرفين المتصارعين في المدينة باعتبارهما مرتزقة لا قيمة لهما. وكشفت الصحافة الأميركية معركة كبيرة بين السعودية والإمارات في المهرة موازية لتلك التي في تعز، استمرت إلى ما بعد ذلك بأشهر.
في العام 2019، رضخت السعودية لضغوط الإمارات المطالبة بسحب مليشيات علي محسن الأحمر التابع للسعودية من المهرة وحضرموت، فقررت الأولى التخلي عن هادي وإنشاء برلمان لشرعية الفنادق برئاسة البركاني. حينها كانت الإمارات قد وصلت إلى ذروة الخلاف مع المملكة وآمنت إيماناً مطلقاً بتفعيل المجلس الانتقالي كسلطة بعد أن استخدمته في البداية كورقة واستخدمت عناصره في التخلص من القيادات الموالية للسعودية عبر سلسلة عملاقة من الاغتيالات التي نفذتها قيادات المجلس، وعندما قررت المملكة عقد جلسة للمجلس في عدن منعت الإمارات ذلك، ورد المجلس الانتقالي قائلًا “ليس في أرضنا موطئ قدم واحدة للمرتزقة” في إشارة إلى مرتزقة السعودية.
هذه الخطوة أغضبت السعودية التي قررت اختيار سيئون لعقد جلسة واحدة لاجتماع النواب المرتزقة، لكن الخلافات التي دارت في الاجتماع قبل تنصيب البركاني بين المؤتمر والإصلاح جعلت المملكة تضع في حسبانها أن الإصلاح قد يتصرف بطريقة استفزازية خاصة أنه على خلاف تاريخي مع المؤتمر، كما أن مليشياته تسيطر على سيئون، فقررت ضرب عصفورين بحجر واحدة، من خلال إدخال قواتها إلى المدينة تحت مبرر حماية المدينة وتأمينها من تنظيم القاعدة الذي نشط مع سيطرة دول العدوان على المحافظات الجنوبية ويستمر حتى اليوم، فيما السبب الحقيقي لدخول القوات هو تعزيز التواجد السعودي في الجنوب ومحاولة ضرب الإمارات بيد من حديد، وهذا ما حصل عقب شهر أبريل من العام الماضي، حيث دفعت السعودية بتلك القوات إلى أبين وشبوة والمهرة وأبقت منها جزءاً في حضرموت، لكن جزءاً من الخطة لم ينجح.

انقلاب أخير
مثل ذلك احتقاناً في المشهد الجنوبي لم يستمر كثيراً، حيث انفجر الوضع من جديد في أغسطس الماضي، ليطيح بالتواجد السعودي وأياديها في تلك المحافظات (حكومة المرتزقة ومعسكراتها المعروفة بالحرس الرئاسي)، وانتهى ببسط الإمارات نفوذها في كل المناطق التي سيطرت عليها السعودية وإعلان المجلس الانتقالي التابع للإمارات استعادة ما اعتبرها دولته، ونفذت مليشياته حملة نهب واسعة لمنازل المسؤولين في حكومة الفار هادي، سبقتها حملة تهجير أبناء المحافظات الشمالية من المحافظات الجنوبية، وأعقبها اجتماع سعودي إماراتي في الرياض، خرج ببيان يؤكد أن “مشروع الدولتين في اليمن واحد ولم يتغير”، وتلاها استهداف الإمارات لقوات هادي في نقطة العلم بعدن بعد فشل الأخيرة في اقتحام المدينة والسيطرة عليها، وبدء محادثات بين الطرفين تحت مسمى “اتفاق الرياض”، فشلت هي الأخرى.
مؤخرا تأزم الوضع مرة ثالثة بعد إعلان مرتزقة السعودية السيطرة على جزيرة سقطرى ومن ثم تغيّرت المعادلة تالي ذلك اليوم، فأعلن مرتزقة الإمارات سيطرتهم ومن ثم انفجر الصراع، وبدأ الانتقالي تصعيداً عسكرياً، استمر منذ أسابيع حتى مطلع الأسبوع الجاري، ليتوجه بانقلاب أعلن على ضوئه ما سماها “حالة الطوارئ” في عدن وباقي المدن الجنوبية و”إدارتها ذاتياً”، ليكتمل مشهد المشروع الإماراتي السعودي الطامح لتفتيت اليمن بكل الوسائل، وهو مشروع ظلوا يسعون له منذ 1990، ولا يملك هدفاً سوى خدمة العدو التاريخي المتمثل بالكيان الصهيوني الراغب بخنق شمال اليمن المعروف بقوة وشراسة رجاله في القتال وعداوتهم للصهيونية، وهذا ما يؤكده صرخة الكيان في تسعينيات القرن الماضي عندما قال رئيس وزرائه آنذاك “إن ما أعاق وصول إسرائيل إلى البحر المفتوح هو قيام المارد اليمني” في إشارة إلى اليمن الواحد، ولعل هذا هو سر العدوان على اليمنيين، والرغبة المستميتة في تمزيق البلد.

قد يعجبك ايضا