الثورة نت
يومية - سياسية - جامعه

مصطلحات الغناء الشعبي اليمني

 

عبدالرحمن مراد*

يرتبط اليمني بالغناء ارتباطا وثيقا , فالإيقاع يصاحبه في كل نشاط ينشط فيه في حياته اليومية ,أو في دورة الحياة , وهذ الارتباط قديم قدم وجود الانسان , وهو شائع في الهجرات التاريخية وما يزال الواقع يشير اليه في صعيد مصر , وفي الشام وأطرافها والعراق وأطرافها , وحيثما هاجر الانسان اليمني القديم تجد أثرا لذلك الارتباط الوثيق قد لا تكاد تلمحه في غيرهم من الاجناس الاخرى التي تستخدم الغناء للترفيه في مناسبات ومناشط محدودة .
والغناء الشعبي اليمني يتنوع بتنوع نشاط الانسان , فهو في المناسبات الفرائحية غيره في المناشط الاقتصادية , وفي الحياة اليومية غيره في دورة الحياة الطبيعية , وهو عند المرأة غيره عند الرجل بحكم نشاط كل جنس , مع اعتبار الفارق الموضوعي بين الجنسين في النص الغنائي , فالمرأة قد تتحدث عن العاطفة والحب , ومثل ذلك من المعائب في نصوص الغناء عند الرجال .
ترك التطور الحضاري والتقني أثرا واضحا على مجمل فنون الانسان اليمني , ولذلك كاد أن يهمل الكل , ويكتفي بما يصله جاهزا من غيره ولم يعد يكلف نفسه عناء الابتكار والابداع في مناسباته الاجتماعية , بعد ان كان مبدعا لتجلياتها أصبح مستهلكا لها ومتاثرا بما يبدعه غيره .
مشكلة اليمن أنها لم تول هذا الجانب اهتماما خاصا كبقية الدول بحكم عوامل تنموية وثقافية وعوامل تاريخية واقتصادية وسياسية , لذلك لا تكاد تجد تأصيلا للغناء الشعبي اليمني , وما هو متوافر بين دفتي كتب يشير من بعيد ولا يغوص في المتن وفي المصطلح ولا في المضمون , وهي جهود فردية لن تصل الى حفظ المصطلح المتعارف عليه في الذاكرة الجمعية للإنسان , ولذلك وجدت نفسي معنيا بتتبع هذا المصطلح في نطاق جغرافي محدد من اليمن , وهو محافظة حجه التي تقع في الشمال الغربي للعاصمة اليمنية صنعاء وتبعد عنها بـ 123كم2 , وهي تتجانس ثقافيا مع جل المحافظات الجبلية كعمران وصنعاء وصعدة مع قليل من التغاير في الهويات المحلية , وثمة اختلاف في المصطلح أو تداخل مع إب وتعز , ويمكن أن يقال إن منطقة تهامة والساحل الغربي تختلف عن مناطق الهضبة الجبلية في الفنون وفي المصطلحات ,وتكاد تكون حضرموت نسيجا فنيا متفردا يتماوج في الوانه بين الحضرمي والافريقي والهندي , ومثل ذلك الأثر الهندي لا يمكن نكرانه في عموم الساحل اليمني , وكذلك الاثر الافريقي , فالإنسان وفق طبيعته يؤثر ويتأثر .
***
– مصطلحات الغناء المرتبطة بالنشاط الزراعي :
الزراعة نشاط حيوي ومهم عند الانسان اليمني منذ فجر التاريخ الى اليوم , وما يزال الكثير يستعين بالغناء لتذليل ما يشق على النفس من اتعابها , ولذلك فالمصطلحات المتداولة هي :
1 – المَهْجَى : (بفتح الميم وسكون الهاء وفتح الجيم ) وهو صوت يقال في أيام الصواب – والصواب معلم زراعي صيفي عند أهل اليمن – وهو يصاحب الثور والمحراث التقليدي من بداية الحرث الى نهايته , والمهجى صوت يقال مع الثور كنوع من ترويض الثور ونوع من الاستبشار بالصيف وله اسماء أخرى عند البعض لكن هذا هو الشائع في نطاق بحثنا المشار اليه .
2 – الجَوْن : (بفتح فسكون ) وهو صوت يقال أثناء بذر البذور في الأرض حتى انتهاء الجحر – الجحر عند اهل اليمن فترة زمنية تمتد لشهرين قمريين أمطارها قليلة ونادرة وفي الغالب تبدأ من منتصف مايو الى منتصف يوليو .
3 – بالة الخريف : وهو صوت يقال في فصل الخريف , أثناء تنقية الأرض من الحشائش الطفيلية التي تنبت وتؤثر على المحصول .
4 – بالة علان : وعلان نجم زراعي وهو معلم زراعي وهو عند المزارع اليمني موسم الحشيش (العلف ) حيث يقوم المزارع بحصد الحشائش وتخزينها لاستخدامها طوال العام للحيوانات . وبعد علان يكون موسم ( الشرناف ) والبعض يسميه (الصومي ) وهو عبارة عن مرحلة زراعية يقوم المزارع فيها بتشذيب السنبلة من أوراقها وتخزينها كعلف للحيوانات , ثم يدخل موسم صراب الدخن (موسم حصاد الدخن , والدخن نوع من الحبوب معروف ) ومن ثم حصاد الذرة .
5 – الدّيْهَاني : (بسكون الياء وفتح الهاء ) وهو صوت يقال من أول الشتاء الى آخره .
***
تلك المصطلحات ترتبط بنشاط الزراعة عند المزارع اليمني وهو نشاط غالبية السكان في المرتفعات الجبلية , وثمة أصوات أخرى ترتبط بالحالة النفسية والوجدانية وهي كالتالي :
1 – الليلي : نسبة الى الزمن – الليل – ويقال في الليل وليس له نظم , للتعبير بالصوت المتموج عن الحالة الوجدانية للإنسان .
2- الصبحي : نسبة الى الصبح ويقال في الصباح أثناء السير الى أماكن بعيدة ترويحا عن النفس , ويقال في الاعراس .
3 – المغرد : (بفتح الميم وسكون الغين ) وهو صوت منغم لا يصحبه نظم في الغالب ويقال في رابعة النهار حين اشتداد حرارة الشمس وهو على حالين هما :
– المغرد الملقوف : ويؤدى بشكل مجموعات , مجموعة تبدأ ومجموعة ترد.
-المغرد الجمعي : نسبة الى يوم الجمعة ويؤدى يوم الجمعة قبل الصلاة أو أثناء العودة من المساجد .
***
* التسابيح :
ترتبط التسابيح بالجانب الديني وهي متعددة في الايقاع لكنها أكثر ميلا الى الايقاع الثقيل الذي يناسب الوجدان الديني وهي تبدأ من بعد صلاة العشاء من كل خميس تبشيرا بيوم الجمعة , وتكون في نهار الجمعة لتضفي على يوم الجمعة قدرا من القداسة .
والتسابيح تبدأ مع تباشير الفجر من كل يوم من المساجد قبل آذان الفجر .
– تسابيح الحج :
تسابيح الحج تبدأ من لحظة استعداد الشخص للسفر الى مكة في بيته , ثم تصحبه الى مكان توديعه .
– تسابيح المدرهة :
المدرهة آلة خشبية تنصب في باحة الدار بعد سفر رب الاسرة للحج وتقال فيها بعض التسابيح والاصوات متوزعة بين الرجال والنساء , وتستمر لحين عودة الحاج الى بيته , ولها رمزية وجدانية واعتقادية فهي ترى أن “المدرهة ” من خلال حركتها تحفظ الحاج في ذهابه وإيابه .
***
أما مصطلحات الغناء عد الرجال التي ترتبط بمناشط عامه فهي كالتالي:
– الهيدة : ( بفتح الهاء وسكون الياء وفتح الدال ) مصطلح غنائي يقال في المناسبات الاجتماعية , كالترحيب الضيف كقولهم :
يا ضيف جانا يا خيرة أمجاد العرب
أحفاد حمير رحبت ترحيب حار
من جاء زيارتنا هلا بالضيف والخال
مرحب بكم ماعقب الليل النهار
***
– الرَّزفة : (بفتح الراء وسكون الفاء وفتح الفاء ) وترتبط بالعرس تصاحبها رقصة تسمى رزفة في صفين متقابلين بين أهل العريس وأهل العروس , وتقال في تمجيد كل طرف للآخر , وفي تمجيد الفروسية والبطولة ومكارم الأخلاق كقولهم :
سمعت رنة سيل
وأنه رجاجيل سيل
والليل تسمع زجيله
***
– المهجل : ( بفتح الميم وسكون الهاء وفتح الجيم ) وهذا المصطلح يرتبط بالبناء وله أيقاعات متعددة وأصوات متعددة وفق طبيعة النشاط المصاحب له .
– الزامل : وهو لون غنائي أكثر شهرة وتداولا في الفترة الاخيرة بسبب بواعثه الموضوعية وتجديد وظائفه في حركة المجتمع وتموجه في اليمن , وهذا المصطلح يرتبط بالصراع وبعلاقات القبائل ببعضها , فكل قبيلة تستخدم لبيان موقفها وأغراضها وهو متشعب في بابه وسنفرد له دراسة كاملة حتى نلم بكل تعرجاته .
– فن الحمد له : هذا صوت غنائي يقال بعد ولائم الاعراس عند فراغ الناس من طعامهم في العرس يصطفون صفين متقابلين ثم يبدأون بالحمد والشكر للإله الواهب الرازق ويخلصون الى بيان مآثر المضيف ومآثر قبيلته ويذكرون جزءا من تاريخها وبطولاتها , ويكاد أن يكون حصرا في قبائل حجور ( وحجور بطن من حاشد تقطن الاطراف الشمالية لليمن في الحدود القريبة من السعودية وهي من اعمال محافظة حجة ) من دون القبائل الأخرى إذ أننا لم نلحظه في غيرهم حسب علمنا .
– فن الطارق : هذا الفن خاص بالأعراس وهو عبارة عن مباراة ذهنية تقوم على الجناس التام والناقص ويكون بين طرفي العرس من جهة العريس والعروس, وموطنه تهامة الشام من وادي مور الى صبيا جنوب المملكة العربية السعودية , وهو فن كاد أن ينقرض رغم أهميته وجماله الفني وجزالته .
***
– أغاني المرأة :
المرأة كالرجل فالطبيعة النفسية والثقافية ذات توحد , ويكمن الاختلاف في طبيعة النشاط وفي الاهتمام الموضوعي لكل منهما فالرجل جل اشتغاله بالجوانب الاقتصادية والاجتماعية والعسكرية وهي قضايا ذات تعدد اتشعب في المجتمع اليمني , والمرأة تتعدد مناشطها في المنزل وفي المرعى وعند الجبال بقصد جلب الحطب أو الحشائش ,هي تخلق علاقة وجدانية من نوع خاص من أدواتها التقليدية كالرحى وأدوات الطهي التقليدية , ولذلك فموضوعها وجداني صرف , ويتنوع الايقاع بتنوع النشاط , فالرحى الذي تتعامل معه المرأة اليمنية لطحن الحبوب تكاد أن تشعر بحركتها في ايقاع الاغنية وفي تموجها الصوتي , ومثله في “هدهدة ” الطفل الذي يتناغم مع الحركة والنشاط ويتوحد مع الغرض , فالمرأة جعلت من الإيقاع واحة تستظل فيأها من تعب النشاط اليومي لها , وقد حصرت الايقاعات بالاستعانة بأهل الدراية من أرباب هذا الفن فوجدته كما فصل لي فيه القول الفنان محمد فارع – فنان شعبي معروف من أبناء محافظة حجة – ومصطلحاته عندهم كالتالي :
1 – ايقاع الدسعة
2 – ايقاع الشنية
3 -ايقاع السلامية
4 – ايقاع الظاهرية
5 – ايقاع الموج
ويقول الفنان محمد فارع إن الاغنية الشعبية الواحدة متنوعة في ايقاعاتها بين حركة الايقاعات المذكورة , وكل أغنية تتكون من ثلاثة ايقاعات تمسى أغنية الثلاث , وأي أغنية تتكون من خمسة إيقاعات تسمى أغنية الخمس . وكل أغنية لابد أن تختم بإيقاع الموج وهو ايقاع خفيف يتناغم من الحالة الوجدانية التي تتدرج من الثقيل الطربي الى المتوسط وصولا الى الحالة الطربية القصوى التي تمتاز بالخفة التي تشبه تمام الاكتمال الطربي عند الانسان , وتكاد تكون الاغنية تجسيدا للحالة الوجدانية وتناغما معها بشكل متدرج ومدرك وفق قياسها الطبيعي الذي يستند الى تفسير الظواهر عن طريق منهج تراكم الخبرات التاريخية وليس ذلك علما قائما بذاته ويمكن أن يقال إنه علم لكن الاهمال ترك العناية به فلم يعمل على تقعيده وتأصيله التأصيل العلمي كما فعل مع غيره من العلوم , ولا أقصد بهذا عموم الغناء والموسيقى بل أعني طبيعة الغناء الشعبي اليمني بحكم عمقه التاريخي , وهو الى اليوم سماعي .
ولا يمكن نكران أن المعارف العلمية المتداولة عند الخواص في الموسيقى تجد لنفسها وجودا في التداول عند أرباب الغناء الذين يتلقون معارفهم وفق الاسس العلمية التي تأصلت في الذاكرة الثقافية العربية ووجدت شيوعا من منابع الاشعاع العربي كبغداد في مصطلحات مقاماتها وكمصر في مركزيتها الثقافية منذ بداية عصر النهضة وبلاد الشام في عمومها ودمشق وبيروت على وجه الخصوص .
***
في اليمن معارف وعلوم أبدعها الانسان في الحضارات التاريخية المختلفة وكان لتراكمها وتوالي خبراتها واستمرارها في الذاكرة الجمعية قيمة معرفية كبيرة لكنها لم تجد من الاهتمام ما يوازي أثرها وقيمتها , ويمكن أن يقال إن مخزون الذاكرة السمعية الجماعية ما يوازي ما هو مكتوب على الطروس والورق , وبالرغم من تعدد المؤسسات الثقافية اليمنية وتعدد الجامعات إلا أن الاهتمام بتلك الثقافات والمعارف دون المستوى المطلوب , وربما كان للصراع القائم في اليمن في الوقت الحالي أثر محمود على بعض الفنون التي تتسق تفاعلاتها مع طبيعة المرحلة المضطربة فكان التفاعل في احيائها للقيام بوظائف بعينها بمثابة التأكيد على قيمتها في تشكيل الوجدان الجمعي , فالفنون التي تتسق مع طبيعة الشعوب وتكون تعبيرا عنهم هي الأكثر تأثيرا في وجدانهم كما تدل التجارب , إذ لا يمكننا أن نأتي “بالراب” الى اليمن مثلا ولكننا قد نوظف “الشيلة” وقد لا يمكننا أن نأتي “بالدبكة ” ولكننا بالتأكيد قد نوظف رقصة “البرعة ” لأنها هي التعبير عن وجدانهم وحركة تفاعلهم اليومي مع الاشياء والموجودات ولأكثر اتساقا مع طبيعتهم .
والفنون وفق طبيعتها ترحل مع الانسان ثم تترك أثرها في المكان , فالدان الحضرمي هاجر مع الحضرمي الى الاندلس وهو اليوم يشير الى هويته المكانية لكنه في الغد القريب سوف يصبح جزءا من الفن الشعبي الاندلسي وهاكذا دواليك .
ولذلك حين تحدثنا عن الفنون اليمنية في سياقها التاريخي وتوزعها المكاني في المستهل كانت تحضرنا هجرة الشعوب وهجرة الفنون معها والتاريخ يتحدث عن ذلك بشكل مفصل , لذلك فحين نمعن النظر في فنون صعيد مصر مثلا نجد جذرا تاريخيا واحدا وإن تعددت المستويات نظرا لتعدد واختلاف المؤثرات الحضارية في توالي الاحقاب والسنين .
يبقى القول إن اليمن غنية بثقافتها وفنونها وهي تحتاج الى من يعيد اكتشافها .

قد يعجبك ايضا