رئيس ملتقى التصوف الإسلامي العلامة عدنان الجنيد لـ”الثورة”: علاقة اليمنيين بالنبي والرسالة قديمة قدم التاريخ بدأت قبل وبعد مولده حتى ظهور الرسالة المحمدية وإلى الآن

 

بعد مولد رسول الله وبعد مبعثه، كان اليمنيون أول من آمنوا برسول الله وناصروه.
الاستعمار، والوهابية، عملوا على محق كل صلة بالنبي محمد (ص)، من خلال تبديع الاحتفاء بيوم مولده، وتبديع ما يفعله محبوه من الصوفية وغيرهم.
نرى اليوم كيف التف اليمنيون حول السيد العلم قائد الثورة المباركة، في زمن تكالبت على اليمن قوى الطغيان العالمي.
فلنجعل من مناسبة مولد النبي حديثاً يتكلم به أهل السماوات والأرض جنهم وإنسهم، وذلك من سبل مواجهة الإساءات المتكررة للدين الإسلامي
المد الوهابي حاول استهداف الهوية اليمنية بإنشاء المئات من المعاهد والمراكز العلمية والجامعات وغيرها داخل اليمن خلال العقدين الماضيين وكانت لذلك آثار كارثية.
تغييب الولاء الوطني لدى أتباعهم من اليمنيين، فأصبح ولاؤهم لمشيخات نجد وأنظمة النفط، وليس لوطنهم يمن الإيمان.

تؤكد المعطيات والوقائع التاريخية ولحكمة وأمر جلل أراده الله وهيأه أن ارتباط اليمنيين بالرسول الأعظم محمد عليه وآله أفضل الصلاة والسلام أزلي وقديم بعمق التاريخ النبوي اليمني.
في هذا الحوار الذي أجرته «الثورة» مع العلامة عدنان الجنيد – رئيس ملتقى التصوف الإسلامي، حاولنا تسليط الضوء على هذه العلاقة الأزلية بين اليمن والرسالة المحمدية ، حيث يؤكد العلامة الجنيد ، أن هذه العلاقة والروابط ، بدأت قبل مولد وبعثة النبي بثلاثمائة عام أو أكثر، حين آمن به الملك تبع الذي (قيل إنه نبي)، عندما أراد القضاء على اليهود القاطنين في المدينة، لكنه تراجع عن غزوهم لمٌا علم من علماء اليهود بظهور نبي تكون المدينة دار هجرته، فقام ببناء بيتٍ لرسول الله -صلى الله عليه وآله- حتى إذا هاجر يسكن فيه، وأوصى أهل يثرب ومن أتى اليمن ليسكنوا يثرب ، وإلى هذه الشهور والأعوام، فهم السباقون إلى الإسلام، ومن أوائل المسلمين الذين تحملوا ألوان التنكيل والعذاب، وضحوا بنفوسهم حباً في الإسلام‏ ورسول الإسلام سيدنا محمد ‏عليه وآله الصلاة والسلام.
العلامة الجنيد تطرق بالتوضيح إلى الكثير من الأحداث والروايات النبوية والمراحل التاريخية التي ربطت شعب الحكمة والإيمان بخاتم الأنبياء والمرسلين، وأساليب وطرق الصهيونية العالمية والمد الوهابي السئ لاستهداف هذه الروابط والهوية الإيمانية اليمنية .. فإلى التفاصيل :-

الثورة  / أحمد علي

بداية حدثونا عن الارتباط التاريخي بين اليمنيين والرسول محمد عليه وآله أفضل الصلاة والتسليم ؟
اليمنيون لهم ارتباط بالنبي صلوات الله عليه وآله، ولهم شغف به، ولقد ناصروه ودعوا إلى نصرته من قبل مولده بقرون، فهذا أحد ملوك اليمن وهو الملك تبع ( وقيل إنه نبي) أراد أن يقضي على اليهود القاطنين في المدينة، لكنه تراجع عن غزوهم لمٌا علم من علماء اليهود بظهور نبي تكون المدينة دار هجرته، فقام ببناء بيتٍ لرسول الله -صلى الله عليه وآله- حتى إذا هاجر يسكن فيه، وأوصى أهل يثرب ومن أتى بهم من اليمن ليسكنوا يثرب، واوصاهم جميعاً إذا جاء هذا النبي، عليهم بمؤازرته ونصرته، وترك لهم كتاباً يسلمونه للنبي ومكتوب فيه :
شهدت على أحمد أنه
رسول من الله بارى النسمْ
فلو مُدَّ عمرى إلى عمرهِ
لكنت نصيراً له وابن عمّ
وجالدت بالسيف أعداءَهُ
وفرّجت عن صدره كل غَمْ
فهو من أول من آمن بالنبي قبل مولده وبعثته بثلاثمائة عام أو أكثر، وذهب إلى الكعبة فغسلها، وطاف بها ، ويمر الزمن، ويهاجر رسول الله إلى المدينة، وكل واحد من أهلها يريد أن يأخذ رسول الله إلى بيته، فيقول لهم: دعوا الناقة فإنها مأمورة.. فتأتى الناقة عند بيت أبي أيوب الأنصاري، وتبرُك ، وهذا البيت الذي يسكنه أبو أيوب، كان بيت تبَّع الذي بناه لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فلم ينزل صلوات الله وسلامه عليه وآله إلا في بيته الذي بناه له منذ ثلاثمائة عام.
وكذلك نجد (سيف بن ذي يزن) قد بشر برسول الله، فقد روي أن (عبدالمطلب) ذهب إلى اليمن وبمعيته جماعة من قريش ليهنىء سيف بن ذي يزن بانتصاره على الحبشة، وبعد شهر من ضيافة سيف لعبدالمطلب انفرد بسيد قريش عبدالمطلب، وبشره بحفيد له سيكون نبياً، ثم قال له: إن الذي ذكرت لك حق، فاحتفظ بابنك، واحذر عليه اليهود، فإنهم له أعداء، ولن يجعل الله لهم عليه سبيلاً، واطوِ ما ذكرتُ لك دون هذا الرهط الذي معك، فإني لست آمَنُهُ أن يدخلهم التحاسد من أن يكون لك الرياسة فيبغون لك الغوائل، وينصبون لك الحبائل وهم فاعلون، أو أبناؤهم، ولولا أنى أعلم أن الموت مجتاحي قبل مبعثه، لسرت بخيلي ورجلي حتى أصير بيثرب دار ملكه، فإني أجد في الكتاب الناطق، والعلم السابق أن يثرب استحكام أمره، وموضع قبره، وأهل نصرته.
وبعد مولد رسول الله وبعد مبعثه، كان اليمنيون أول من آمنوا برسول الله وناصروه، فلا أحد يجهل دور اليمنيين في نصرة الرسول -صلى الله عليه وآله وسلم- على مدى القرون وإلى هذه الشهور والأعوام، فهم السباقون إلى الإسلام، ومن أوائل المسلمين الذين تحملوا ألوان التنكيل والعذاب، وضحوا بنفوسهم حباً في الإسلام‏ ورسول الإسلام سيدنا محمد ‏عليه وآله الصلاة والسلام.
فهذه أسرة (آل ياسر) التي آمنت برسول الله ودخلت في دين الله، وهم (عمار بن ياسر)، وكذلك (أبوه) من أوائل شهداء الإسلام، وكذلك أمه (سمية بنت خياط) وهي أول شهيدة في الإسلام..
وخبر آل ياسر وما جرى لهم من كفار قريش مثبوت في كتب السير والتاريخ، لا يجهله أحد من أهل العلم..
بل وهناك من اليمنيين من أتى‏ إلى رسول الله – صلى الله عليه وآله وسلم- كي ينصره، لاسيما بعد أن اشتد أذى قريش لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ..
فقد روى ابن سعد في طبقاته أن رجلاً مرّ بالرسول صلى الله عليه وآله وسلم، وهو من “أرحب” من “همدان”، اسمه “عبدالله بن قيس بن أم غزال”، فعرض عليه الرسول صلى الله عليه وآله وسلم الإسلام، فأسلم، فقال له الرسول صلى الله عليه وآله وسلم: «هل عند قومك من منعة”؟, فقال له عبدالله بن قيس: نعم يا رسول الله, واستأذن رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- أن يذهب إلى قومه، وواعد رسول الله -صلى الله وسلم عليه وعلى آله- موسم الحج المقبل، ثم خرج من مكة يريد قومه، فلما عاد إلى قومه قتله رجل من “بني زُبَيْد».
وورد أن « قيس بن مالك بن أسد بن لأي الأرحبي» قدِم على رسول الله وهو بمكة، وقال للنبي صلى الله عليه وآله وسلم: أتيتك لأؤمنَ بك وأنصرك، فعرض رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عليه الإسلام فأسلم، فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «تأخذوني بما فيَّ يا همدان»، فقال قيس بن مالك: نعم بأبي أنت وأمي، فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «اذهب إلى قومك فإن فعلوا وقبلوا فارجع أذهب معك»، ثم خرج إلى قومه فأسلموا بإسلامه، ثم عاد إلى الرسول فأخبره بإسلامهم، فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «نعم وافد القوم قيس, وفيتَ وفى الله بك»، ومسح على ناصيته وكتب له عهداً على قومه «همدان» أحمورها وعربها وخلائطها ومواليها أن يسمعوا له ويطيعوا.» رواه ابن سعد في طبقاته
قلت: وهنا يدرك المنصف أنه وقبل بيعة الأنصار في العقبة (وهم يمنيون أيضاً)، كان اليمنيون قد بايعوا، وقبل أن تكون المدينة المنورة داراً للهجرة النبوية ومقراً للدولة الأولى في الإسلام، كانت اليمن قد رحَّبت واستبشَرَت واستعدَّت وتهيَّأَت لتكون هي من يضطلع بأعباء ذلك، لولا أن لله خيرةً ومراداً غير ذلك.
هناك إشارات وروايات كثيرة تواترت عن الرسول تؤكد فضل أهل اليمن باعتبارهم مدد الرسالة النبوية.. حدثونا عن هذه الجزئية ؟
إن اليمنيين هم مدد النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- وهم ظهره وسنده، وهم من دافعوا ومازالوا يدافعون عنه وعن دينه، وقد أشار النبي -صلى الله عليه وعلى آله- إلى ذلك، فقد روى الطبراني عن أبي أمامة البابلي، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ” إن الله استقبل بي الشام، وولّى ظهري اليمن، وقال لي : يا محمد، قد جعلت ما تجاهك غنيمة ورزقاً، وما خلف ظهرك مدداً، ولايزال الإسلام يزيد، وينقص الشرك، حتى تسير المرأتان لا تخشيان إلا جورا ” ، ثم قال: “والذي نفسي بيده لا تذهب الأيام والليالي حتى يبلغ هذا الدين مبلغ هذا النجم”..
نعم إن اليمنيين هم مدد الرسول -صلى الله عليه وآله وسلم- ومدد الإسلام، فهم الذين نصروا الإسلام عبر مراحل التاريخ، وإلى يومنا هذا ..
فالنبي -صلى الله عليه وآله وسلم- قد وصفهم قبل ألف وأربعمائة سنة من الزمن بأنهم المناصرون لهذا الدين والحاملون له ..
فقد قال النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- فيهم: «نعم الحي همدان .. ما أسرعها إلى النصر وأصبرها على الجهد ! منهم أبدال وأوتاد الإسلام» رواه ابن سعد في طبقاته
قلت: إن هذا الحديث -آنف الذكر- له دلالات عظيمة وإشارات فخيمة، تشير إلى عظمة اليمنيين، وما خصهم به الله تعالى، بنصرهم للإسلام ولنبي الإسلام، وصبرهم على مصائب ودواهي الأيام والأعوام، وذلك في سبيل الحق تعالى.
هكذا ظل اليمنيون يناصرون رسول الإسلام ويناصرون آل بيته عليهم الصلاة والسلام، فقد كان لهم موقف بارز في عهد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب -عليه السلام- حيث نصروه في حروبه مع الناكثين والقاسطين والمارقين، وكانوا سنداً وعوناً له في جميع مواقفه، ولهذا قال لهم الإمام علي في يوم صفين: «يا معشر همدان، أنتم درعي ورمحي» ، وقال فيهم شعراً:
ولو كنت بواباً على باب جنةٍ
لقلت لهمدان ادخلوا بسلامِ
امتدت الروابط والمحبة بين اليمنيين والرسالة المحمدية عبر نصرة اليمنيين لآل البيت بعد رسول الله والإمام علي ؟ ما سر امتداد هذه العلاقة حتى الآن؟
نعم استمرت نصرة اليمنيين لآل بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم، في دعوتهم للإمام الهادي (يحيى بن الحسين) عليه السلام، ونصرته، والتمسك بمذهب آل البيت، ونصرتهم لأئمة آل البيت والتفافهم حولهم، في تسلسل تاريخي لم ينقطع إلا فترات وعقود قليلة، وهانحن نرى اليوم كيف التف اليمنيون بالسيد العلم قائد الثورة المباركة، في زمن تكالبت على اليمن قوى الطغيان العالمي، وانتشرت الوهابية لتغيير الدين، وحرف البوصلة عن آل البيت، وتوجيهها نحو أمريكا وحليفتها دولة الكيان، وحين رأوا نجاح الثورة اليمنية بقيادة علم من أعلام آل البيت، جلبوا عدواناً عالمياً ليس له مثيل في وحشيته وطغيانه، لأنهم يعلمون أن ظهور قائد من آل البيت في اليمن سوف يعرقل كل مخططاتهم للسيطرة على العالم العربي وثرواته، لكن اليمنيين انتصروا لثورتهم بصدق الولاء لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وعمق انتمائهم لهذا الدين الحنيف، وتمسكهم بهويتهم الإيمانية التي أشاد بها رسول الله وجعلها أحاديث تُذكر حتى قيام الساعة.
هناك محاولات مستمرة لأعداء اليمن لطمس الهوية الإيمانية لليمنيين وتشويه وطمس الروابط اليمنية النبوية.. وضحوا لنا والقراء الكرام عن هذا المسار الخطير؟
بالنسبة لمحاولات أعداء اليمن وأعداء الإسلام لمحو هذه الرابطة بين اليمنيين والنبي صلى الله عليه وآله وسلم، فقد حاولوا تنفيذها بالاستعمار، ثم بالوهابية، التي عملت على محق كل صلة بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، من خلال تبديع الاحتفاء بيوم مولده، وتبديع ما يفعله محبوه من الصوفية وغيرهم، من موالد وأناشيد، وعملوا على تحجيم شخصية النبي والإساءة إليه وإلى آل بيته، ورفعوا من قدر مناوئي آل البيت، عندما لم يجدوا ما يقدحون به، وعملوا على تجفيف كل منابع الحب لرسول الله، عبر اتهام الناس بالزندقة والبدعة، في الوقت الذي يعملون في السر على توجيه البغضاء لآل البيت، عبر نشر الشائعات، والفتن الطائفية والعرقية، حتى وصل بهم الأمر إلى التكفير.. وفي الأخير باركوا العدوان على اليمن، وشرعنوا له بفتاويهم وخطبهم، حتى على منبر رسول الله، وعلى منبر الكعبة المشرفة.. ولا ننسى مجزرة (تنومة) التي ارتكبتها عصابات آل سعود الوهابية بحق اليمنيين العائدين من فريضة الحج، والمكائد السياسية والحروب التي شنتها الدولة السعودية على اليمن، وزرع العملاء، وبذلهم كل غال ونفيس لإفقار اليمن واليمنيين.
وسبيل المواجهة الحقيقي والفاعل، هو ما نفعله اليوم، من التفافنا حول آل البيت، ونصرة العلم المجاهد السيد عبدالملك بن بدرالدين الحوثي -حفظه الله-، الذي حض اليمنيين على التمسك بدينهم وهويتهم الإيمانية، وعمل على تعميق الصلة التاريخية بين اليمنيين ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وإحياء فريضة الجهاد في سبيل الله ضد الطغاة والمستكبرين والغزاة، والحض على كل القيم الدينية والإنسانية النبيلة والكريمة، لأن ذلك من أهم متطلبات المرحلة، لمواجهة كل ما يدور في العالم الغربي من مؤامرات ضد الإسلام والمسلمين، وضد الإنسانية جمعاء، التي يراد لها أن تفقد كل شيء، حتى إنسانيتها وكرامتها وشرفها، وحتى اعتبارها المادّي المتمثل ببشريتها، ليسهل للصهيونية والماسونية استعبادها التام والكامل والمطلق.. وهذا لن يكون لهم ما دمنا متمسكين بهويتنا، منتصرين لقضايانا العادلة، رافعين رايات الجهاد، في ظل السيد العلم من آل رسول الله، الذين أمرنا بتوليهم والتمسك بهم حتى لا نضل أبداً، وهذا هو السر في انتصارنا وعودتنا إلى إسلامنا الحق الذي جاء به النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وإيماننا الذي شهد لنا به صلى الله عليه وآله وسلم..
فلنجعل من مناسبة مولده حديثاً يتكلم به أهل السماوات وأهل الأرض، جنهم وإنسهم، وذلك من سبل مواجهة الإساءات المتكررة للدين الإسلامي، وللقرآن الكريم، ولشخص النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ولتكن أعمالنا كلها لله ولرسوله صلى الله وسلم عليه وعلى آله.
كيف حاول أعداء اليمن محو هذه الرابطة الدينية والتاريخية عن طريق الوهابية الصهيونية باستهداف الهوية اليمنية وهل نجحت هذه المحاولات وإلى أي حد ؟!
أقول : حاولوا محو هذه الرابطة الدينية والتاريخية عن طريق الصهيو وهابية حيث بدأ الفكر الوهابي الصهيوني بالدخول إلى اليمن، بداية السبعينيات، خاصة بعد حكم المشير عبدالله السلال، وبالتحديد أيام حكم القاضي عبدالرحمن الأرياني، حيث بدأت السعودية بالتدخل، وبدأت بإنشاء المعاهد الدينية، بالذات في محافظة تعز، التي كانت تمثل التجمع الأكبر للشافعية الصوفية، حيث جعلوا جزءاً من مدرسة الثورة الثانوية، في مدينة تعز، معهداً دينياً، وجمعوا الإخوان للعمل فيه، وكانت تحصل صراعات بين طلاب المعهد وبين طلاب مدرسة الثورة، وكان طلاب المعهد يتهمون طلاب المدرسة الثانوية بأنهم يقطعون المصاحف ويدوسونها بأقدامهم، وهذه عادة الوهابية في اتهامهم لكل من خالفهم، وكان لطلاب المعهد مبالغ مالية وتغذية شهرية من وزارة المعارف السعودية، واستمرت هذه المعاهد بأعداد قليلة جداً، حتى أيام الحمدي .. ولم يحصل لها الإنتشار الكبير، في جميع مناطق الجمهورية، إلا في عهد علي عبدالله صالح، فبعد اغتيال الشهيد الحمدي، وصعود علي عبدالله صالح سدة الحكم، استباحت السعودية البلاد، وعاثت فيها الفساد، بفكرها الوهابي، الذي صدرته إلى الشعب اليمني، وتدخلت في جميع شؤون البلاد، فلا صغيرة ولا كبيرة إلا ولها يد فيها، بل كانت لها الوصاية الكاملة على البلاد ..
وبعد حرب 79م، وظهور الجبهة الوطنية وتوسعها في المناطق الوسطى، تم إنشاء هيئة عامة للمعاهد العلمية، توازي وزارة التربية والتعليم، ووضعت لها ميزانية مالية ضخمة، وتم تحزيم حدود مناطق الشمال المحاذية للجنوب بالمعاهد الدينية، حماية لسلطة صنعاء من الغزو الشيوعي – حسب تعبيرهم -.
لخصوا لنا الخطوات والطرق الوهابية السعودية التي حاولت طمس واستهداف الهوية اليمنية الإيمانية؟
يمكننا أن نلخص خطواتهم لاستهداف الهوية اليمنية الإيمانية بالآتي :
إنشاء المعاهد الدينية (الوهابية) في جميع مناطق اليمن :
إن أغلب المعاهد الدينية التي تم انشاؤها في اليمن كان في الثمانينيات، وأول معهد تم إنشاؤه في مدينة تعز هو معهد تحفيظ القرآن، وكانوا يبنون المعاهد في الأماكن التي يتواجد فيها (مشائخ، أو علماء، أو مدارس، أو أربطة دينية، أو مساجد تأريخية تابعة لكل من الزيدية والصوفية والشافعية)..
فمثلاً في مدينة صعدة، التي فيها ضريح ومسجد الإمام الهادي -ع- ومدارسه العلمية، أسس الوهابية دار الحديث في دماج، بالقرب من مدينة صعدة، وفي محافظة تعز بنوا معاهد في مناطق ذي البرح معهد القادسية، ومعهد البرداد في برداد، وكلاهما في مديرية صبر الموادم، ومعهد حراء في جرجور تحت المسراخ، ومعهد بئيس في حصبان، وكلاهما في مديرية المسراخ، إلى غيرها من المعاهد..
استهدفوا هذه المناطق لقربها من مسجد وضريح إمام الصوفية أحمد بن علوان «قدس الله سره» .. كذلك لأن هذه المناطق فيها علماء صوفية وشافعية، وتقام فيها حوليات الأولياء..
واستهدفوا كذلك مدينة الجَنَدْ، التي فيها مسجد معاذ بن جبل (المسجد التاريخي)، استهدفوا وبنوا بجانب المسجد معهداً سموه معهد الجند سنة 1981م وذلك من أجل القضاء على حلقات الذكر والعلم التي كانت تقام في مسجد الجند، وكذلك كي يَحولوا بين الزائرين وبين المسجد، وحتى لا تقام فيه مناسبة جمعة رجب وقد حدثت صراعات كثيرة بينهم وبين الصوفية الشافعية، الذين كانوا يكثرون من زيارة جامع الجند، ويحيون فيه المناسبات الدينية، لاسيما مناسبة الرجبيّة (الجمعة الأولى من رجب).
* محافظة إب :
كانت مدينة العدين معقلاً للصوفية والشافعية، وفيها آثار تاريخية، وقباب قديمة، استهدفها الوهابيون ببناء الكثير من المعاهد الوهابية، واختاروا المناطق التي فيها زوايا صوفية أو آثار تاريخية صوفية، ومن هذه المعاهد، التي بنوها هناك:
– معهد السارَّةْ، في منطقة (الإيوان – بَنِيْ علي) ناحية (مذيخرة)، ومعهد ذي النورين، ومعهد الجرف، وكلاهما في (الجَعَاشِنْ)، وهدفهم من إنشائها محاربة الصوفية والزوايا، التي كانت منتشرة هناك، لبني الأهدل، وبيت علوي، وسادة الجُعْدِي، وسادة بني المَغارِبَة..
واستهدفوا – أيضاً – مدينة العلم والعلماء (جِبْلَة)، التي كانت قبلة لعلماء الزيدية والشافعية، استهدفوها ببعض المعاهد، منها معهد في الربادي – جبلة، ومعهد بن عقيل، وغيرها، وذلك من أجل إثارة الفتنة، تحت ذريعة القضاء على المذهبية – على حد زعمهم – .. وكذلك ليحولوا بين الزائرين وبين مقام السيدة أروى ومسجدها الأثري التاريخي.
واستهدفوا – أيضاً – مديرية ذي السفال، التي كانت في فترة من الزمن حاضرة الفقهاء والعلماء، كما في (كتاب السلوك للجَنَدي)، استهدفوها وما جاورها من المناطق بمعاهد كثيرة، أهمها :
– معهد عمر بن عبدالعزيز في مدينة (القاعدة)، مديرية ذي السفال.
– معهد خالد بن الوليد في (السَّيَّانِي)
– معهد عمار بن ياسر – السياني، وغيرها من المعاهد.
وهكذا استهدف الوهابية جميع مديريات محافظة إب بالمعاهد، التي لو ذكرناها لطال بنا المقام.
* محافظة رَيْمَةْ :
إن الخلفية الثقافية للمجتمع في ريمة، قبل الثمانينات، كانت ثقافة صوفية، وفيها أضرحة وقباب الأولياء والصالحين، ولهذا تم استهدافها ببناء المدارس
والمعاهد الوهابية، ومن أهمها :
– معهد دار القرآن في (عُزْلَة مَسْوَرْ – مديرية مَزْهَرْ)، وهو أبرز المعاهد في ريمة.
– معهد (محفل) (عزلة مَحْفَلْ – مديرية كُسْمَةْ).. سابقاً، قبل ضم عزلة محفل إلى مديرية مزهر بعد اعتماد ريمة محافظة.
– معهد عبدالله بن مسعود في عزلة بني منصور مديرية كسمة .
– معهد الفاتحين في عزلة بني أحمد مديرية الجعفرية .
– معهد الصديق – الرباط – مديرية الجبين، وغيرها من المعاهد وهي كثيرة .
وهناك معاهد كثيرة في بقية المحافظات، ولولا خشية الإطالة لذكرناها، وما ذكرناه عبارة عن نماذج فقط .
* منهجية المعاهد العلمية وأنشطتها :
تتبع هذه المعاهد ما تسمى بـ(الهيئة العامة للمعاهد)، حيث كانت لها ميزانيات خاصة، و منهجها في المرحلة الأولى منهج وهابي سعودي، ولا يتبع وزارة التربية والتعليم، ثم بعد أن استولوا على وزارة التربية والتعليم أصبحت معظم المدارس الحكومية تحت نظرهم، وقد أعدوا منهجاً وهابياً للطلاب في كافة المستويات التعليمية.
وكانت منهجيتها مشبعة بفكر ابن تيمية، ومحمد بن عبدالوهاب، فالتوحيد الذي يدرسونه يقسمونه إلى عدة أقسام، ويؤدي هذا التقسيم إلى تكفير غيرهم من المذاهب، الذين يعدون – بحسب منهجهم الوهابي- موحدين توحيد ربوبية فقط، وليس توحيد ألوهية، فهم متساوون مع المشركين في توحيد الربوبية لاعتقادهم بأن الله هو الرازق والخالق و…. الخ،
لكنهم غير موحدين توحيد ألوهية، فهم مثل المشركين، لأن المشركين اتخذوا مع الله آلهة أخرى، وكذلك الصوفية والشافعية اتهموهم بأنهم اتخذوا الأولياء آلهة من دون الله، وأنهم قبوريون ووثنيون، كما أنهم اتهموا الزيدية أنهم روافض ومجوس.
وهكذا أصبح غيرهم بنظرهم مشركين، يجب محاربتهم، وتحل دماؤهم.
لهذا كان طلاب هذه المراكز يخرجون بين كل فترة وأخرى لتحريض الناس في القرى والمدن، حتى غيروا عقول الكثير منهم، وكانت هناك نتائج سيئة وكارثية، كما ستعلمها في الآثار والنتائج، وكانت – أيضاً – هذه المراكز تخرّج المقاتلين، وتصدرهم إلى أفغانستان، حيث كان من أنشطتهم التدريبات الرياضية والعسكرية، وإذا سئلوا عن ذلك أجابوا: «المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف».
وكانت هذه المراكز تقوم بتخريج دعاة يوزعون لاستهداف المجتمع، عبر حلقات في المساجد، أو في المجالس، أو في خطب الجمعة.
الجامعات :
قام الوهابية بإنشاء الجامعات ذات الطابع الوهابي، تحت مسميات تحمل الطابع الديني، كجامعة الإيمان وجامعة القرآن الكريم، أو الجامعات الخاصة التي يتم استغلالها بشكل كبير في تجنيد الشباب لخدمة هذا الفكر.
إنشاء الجمعيات الخيرية :
أنشأت الوهابية الكثير من الجمعيات، ومن أشهرها جمعية الحكمة اليمانية، وجمعية الإحسان.
وكان لهذه الجمعيات الدور الأكبر في تفريخ المراكز الوهابية، وتوسع انتشارها في مناطق مختلفة من البلاد.
إضافة إلى أنها تقوم ببناء الكثير من المساجد والمكتبات ودور تحفيظ القرآن، وأكثر هذه المراكز تم انشاؤها في التسعينيات، منها على سبيل المثال في مدينة تعز :
– مركز المنار للعلوم الشرعية .
– مركز تعز للعلوم الشرعية .
– مركز الشافعي الشرعي. سموه بهذا الاسم كي يستهدفون قلوب الشوافع عبر تدريس بعض فقه الشافعي، مع أنهم يكفرون الشافعي نفسه.
– مركز دار القرآن .
-مركز التقوى النسائي.
وغيرها من المراكز، التي تُشرف عليها وتقوم بتمويلها الجمعيات الخيرية، خاصة جمعية الإحسان الخيرية، أو جمعية الحكمة اليمانية، وغيرهما.
ولهذه الجمعيات تمويلات هائلة، تأتيها من السعودية ومن دول الخليج، ومن أماكن خارجية، لا يُعلَمُ مصدرُها.
المساجد :
تم بناء الآلاف من المساجد، عبر وكلاء سعوديين في اليمن، وعبر جمعيات، وعبر تجار يمنيين، من الذين عادوا من السعودية، وكانت هذه المساجد خارجة عن نظر وزارة الأوقاف، هذا في البداية، وبعدها تمكنوا من الاستيلاء على وزارة الأوقاف، فأضحت معظم المساجد تحت نظرهم.
إن المؤامرة الكبرى على الهوية اليمنية الإيمانية، بدأت تنطلق من هذه المعاهد والمساجد، وبطريقة متقنة، وتعبئة مدروسة، وبنشاط كبير، لدرجة أنه كان يخيل للمستمع أنه في مساجد نجد والرياض، وليس في مساجد يمن الإيمان ..
حيث استطاع الوهابيون أن يضربوا الهوية اليمنية الإيمانية، بكافة شرائحها ومكوناتها، مستغلين بذلك عاطفة الشعب اليمني، كونه يتأثر برجال الدين، ولهذا بثوا سمومهم، ودججوا المجتمع اليمني بثقافات مغلوطة منحرفة، وشحنوهم بالطائفية، والفتن المذهبية، والمناطقية .. فقد كانوا يكفرون مخالفيهم من المنابر، ويقولون بأن الشيعة مجوس، وانهم أخطر من إسرائيل، هذا في التسعينيات، وأما ما بعد التسعينيات فقد كانوا يخطبون في منابرهم ويقولون بأن الحوثيين أخطر من اليهود، ويؤكدون ذلك بأيمانهم الكاذبة..
وأما تحذيرهم الناس من الصوفية، فحَدِّثْ ولا حَرَجْ، فقد حرَّضوا الناس على تكفير الصوفية، وسموهم بأنهم قبوريون، يعبدون الأولياء، وأن الموالد وإقامة المناسبات الدينية من البدع المنكرة والشركيات، ثم شنوا حملاتهم التشويهية على عدة مناسبات دينية مثل ذكرى يوم الغدير، وقالوا بأنها مناسبة شيعية، يختلط فيها الرجال مع النساء، وكل رجل يأخذ امرأة الآخر…
وهكذا ظلوا عقوداً من الزمن يشحنون قلوب الناس بالعداوة والبغضاء ضد غيرهم من إخوانهم من الصوفية والشافعية والزيدية، حتى وصلوا بالناس إلى حمل السلاح، بل وإن أتباعهم أصبحوا أعواناً للغزاة المعتدين، على بلد الإيمان..
كل هذا الكم الهائل من التشاط والدعم الوهابي الذي استهدف الهوية اليمنية الإيمانية كانت له آثار ونتائج خطيرة على المجتمع والهوية.. هل بالإمكان أن توضحوا أهم نتائج المد الوهابي على المجتمع اليمني؟
كانت لتلك الخطوات التي قام بها الوهابية، في استهداف الهوية اليمنية آثاراً سيئة ونتائج مدمرة، نجملها في الآتي :
1 – تمزيق النسيج الإجتماعي لليمنيين، حيث ظهرت الطائفية والمناطقية، وانتشرت ثقافة الكراهية، وظهرت عداوات عدّة تحت مسميات دينية.
2 – تدمير ونسف القباب الأثرية والأضرحة التي تضم الرموز الدينية، التي لأصحابها المحبة الكبيرة لدى اليمنيين .
3 – أعمال الذبح والسحل التي حدثت في تعز وفي عدن ومحافظات أخرى، من قبل دواعش الوهابية، لمن خالفهم في الفكر، حيث ذبحوا الكثير من مخالفيهم، بل وسحلوا جثثهم، ناهيك عن إحراقهم للمنازل، ورمي الجثث من أعالي أسطح البيوت.
4 – الإستيلاء على التعليم، فأثروا على عقول كثير من الطلاب وغسلوا أدمغتهم بالفكر الوهابي.
5 – فصل اليمنيين عن تراثهم الفكري والإيماني، حيث جعلوا من علماء اليمن السابقين محلاً للطعن، وشككوا في عقيدتهم، واستبدلهم برموز نجدية وهابية.
6 – ظهور التطرف الديني والتعصب الطائفي في أوساط اليمانيين، بسبب الشحن الذي اعتمدته مدارس التكفير الوهابي.
7 – تغييب الولاء الوطني لدى أتباعهم من اليمنيين، فأصبح ولاؤهم لمشيخات نجد وأنظمة النفط، وليس لوطنهم يمن الإيمان.
8 – حرف مسار أمة الإيمان عن عدوهم التاريخي (اليهود)، حيث استبدل الوهابية عدواً آخر هو الشيعة، بحسب زعمهم .
9 – نشوء حالات الإرتزاق، حيث كان للفكر التكفيري دور رئيسي في إعداد وبرمجة الشباب لكل المعارك التي يحددها الأمريكان، بدءاً من أفغانستان، ومروراً بسوريا والعراق، وانتهاءً بدورهم في القتال مع دول العدوان على بلدنا اليمن، بمال سعودي، ودعم أمريكي صهيوني، وتخطيط بريطاني، واشتراكهم المباشر في هذا العدوان، الذي جعلهم يَبدونَ كأسوأ مرتزقة في التاريخ.
10 – ظهور ما تسمى بـ الفئة الصامتة والمحايدة، وتستند في معظم مبرراتها إلى ما بثه الفكر الوهابي.
11 – فصل الأمة عن الثقلين (كتاب الله وأهل البيت) عليهم السلام، واستبدالهما بعناوين ورموز أخرى، وكانت من أهم أسباب انحرافهم بأتباعهم .
المد اليهودي الصهيوني والوهابي حاول و يحاول باستماتة اللعب على الورقة الطائفية والمذهبية لإحداث شرخ كبير في أوساط اليمنيين الذين ظلوا يتعايشون باختلاف مذاهبهم على مدى التاريخ الإسلامي ، ماذا عن هذه الجزئية؟ وكيف حافظ اليمنيون على وحدتهم المجتمعية وقناعاتهم الدينية ، بعيدا عن هذا الاستهداف الخطير؟
إن اليمن كانت تنتهج مذهبين وهما المذهبان البارزان والأكثر انتشاراً في اليمن هما الفكر الزيدي والمذهب الشافعي، ومن يستقرئ تاريخ اليمن والدول التي حكمتها، فلن يجد أيَّ صراع أو حروبٍ مذهبية، مثل ما جرى من حروب مذهبية في غير اليمن من الأمصار، وأما الحروب التي كانت بين بني رسول وبين الأئمة الزيدية، إنما كانت لأسباب سياسية لا مذهبية، وكل الحروب التي حدثت في اليمن كانت سياسية فقط، بشهادة المؤرخين اليمنيين والرحالة العرب ..
حتى أن السيدة أروى لما حكمت اليمن، كان في مجلسها ممثلو المذاهب الأخرى، ولم تجبر رعيتها على مذهبها، وكذلك علي بن محمد الصليحي، فكان الناس يعيشون بحرية، كل واحد يمارس طقوسه الدينية حسب مذهبه، ويروي التاريخ أن علي بن محمد الصليحي كان يعين قاضي القضاة من الشافعية، مع أنه فاطمي إسماعيلي، وهذا يدل على روح التسامح والتعايش وقبول المذاهب الأخرى..
كذلك بيت حميد الدين لما حكموا اليمن لم يفرضوا على الناس فكرهم (الزيدي)، بل إن الإمام أحمد كان يولي في المناطق الشافعية قضاة منهم، مع أنه كان قادراً على أن يفرض على رعيته الفكر الزيدي الذي ينتهجه، لا سيما وأن بيده زمام الحكم، والبلاد في قبضته، وهذا دليل على اعترافه بالمذاهب الأخرى، وسماحه لرعيته بأن يتمذهبوا بأي مذهب شاؤوا..
ويُعَدُّ هذا العامل الأول الذي أسهم في تحصين الوعي وتغذية التلاقح الفقهي والفكري بين الزيدية والشافعية.
– العامل الثاني : محبة آل البيت «عليهم السلام» والتقارب الفكري والمذهبي في عدد من المسائل الفقهية ..
وإليك توضيح ذلك :
إن الإمام الشافعي كان من أكبر المتفانين بحب أهل البيت «عليهم السلام» وهو الذي أوجب الصلاة على الآل في التشهد، وهو القائل :-
يا آلَ بيتِ رسولِ الله حُبكمُ
فَرضٌ من الله في القرآنِ أنزلهُ
يكفيكمُ من عظيمِ الشأنِ أنكمُ
من لم يُصَلِّ عليكمْ لا صلاةَ لهُ
إلى غير ذلك من أبياته الشعرية، التي تنم على تشيعه ومحبته للعترة الطاهرة عليهم «السلام» .. ومن يقرأ كتابه الأم، فسوف يجد آراء كثيرة، يتفق بها مع الفكر الزيدي، مثل التثويب في صلاة الفجر (الصلاة خير من النوم)، فهي لم تصح عنده.
وكذلك أذان الجمعة، يرى أنه أذان واحد فقط…، إلى غيرها من الآراء التي يتوافق بها مع الفكر الزيدي، وكثيراً ما كان يقول :»إذا صح الحديث فهو مذهبي» ..
– العامل الثالث : انفتاح فقهاء المذهبين على بعضهما، سواء في تلقي علماء كل مذهب من الآخر، أو الفتوى المرنة التي تتضمن ما هو معتمد لدى المذاهب الأخرى ..
– العامل الرابع : وحدة دور العبادة بين الطرفين، فلا توجد مساجد خاصة بكل مذهب، كما هو الحال في عدد من الدول.
– العامل الخامس : وحدة الزي الشعبي لدى المنتمين لكل من الفكر الزيدي والمذهب الشافعي، بخلاف بقية الدول، حيث يتميز علماء كل مذهب بزي عن علماء المذهب الآخر.
– العامل السادس: الإندماج الاجتماعي: من خلال علاقات المصاهرة والزواج، التي كانت تتم بين الزيدية والشافعية، دون أي إشكالية.
إلى غيرها من العوامل التي جعلت من الفكر الزيدي والمذهب الشافعي نموذجاً فريداً في التعايش والتصالح والتسامح، وكل هذه العوامل التي ذكرناها آنفاً، هي التي أسهمت في تحصين الوعي، وتغذية التلاقح الفقهي والفكري بين الزيدية والشافعية..
وقد عملت هذه العوامل – أيضاً – على تعزيز الهوية اليمنية الإيمانية، بكل جوانبها ( الثقافية والدينية والتاريخية وغيرها ) .
وهكذا ظل أبناء اليمن (زيدية وشافعية) متمسكين بدينهم، معتزين بهويتهم، حتى دخل الفكر الوهابي النجدي، الذي أشعل الفتن في كل بيت على مستوى الفرد وعلاقته بأسرته، فضلاً عن إشعاله للفتنة في جميع المناطق اليمنية على المستوى المجتمعي العام، وقد علمت سابقا خطواته الشيطانية التي قام بها لضرب الهوية الإيمانية لليمنيين، وكيف عمل على تحريف دينهم والتشكيك بعقيدتهم.
ورغم أن التعايش الفكري والمذهبي بين اليمنيين، الذي ظل فيه الشافعية والزيدية في سلام ومحبة ووئام، لأكثر من ألف عام، ولكن هذا التعايش كاد أن يفقد بريقه في القرن العشرين، حيث كانت أُعين الوهابية تتطلع إلى استهداف البلاد اليمنية، وقامت بإعداد خطوات عملية ( وقد ذكرناها سابقا)، مستخدمة المال والنفط والنفوذ، فدخلت الوهابيةُ اليمنَ عبر استقطاب علماء، وبناء مساجد ومعاهد ومدارس وجمعيات، مستغلة بذلك حالة الفقر والعوز الذي يعانيه اليمنيون، فدخلت على حين غرة، ولم يدر اليمنيون إلا ومساجدهم ومدارسهم ومناهجهم مليئة بالأفكار والدعاة الوهابية، الذين حالوا بينهم وبين آبائهم، السابقين إلى الإسلام، والناصرين لخير الأنام، الذين لم يلبث الوهابيون أن كفروهم وفسقوهم، ولم يكتفوا بذلك بل دمروا أضرحتهم وقبابهم ومراكزهم …
وما هذه الحرب المشتعلة إلا أثراً من تلك الآثار التي خلفها الغزو الفكري الوهابي، حيث أن أكثر المشاركين في العدوان على اليمن، وفي سفك دماء اليمنيين هم من الذين تأثروا بالفكر النجدي الوهابي، وأكثر حالات السحل والذبح، التي تمت في عدة محافظات، تولى كبرها أفرادٌ ينتمون إلى مدارس التكفير الصهيو وهابي.
كيف يجب أن نواجه هذه الاستهدافات للحفاظ على هويتنا اليمنية النبوية الإسلامية؟
أقول : إن كل ما سبق يحتم على الجميع القيام بمسؤولياتهم ضد هذا الاستهداف الممنهج، بإعداد رؤية تعليمية صحيحة، وقد منّ الله علينا بقيادة ربانية، ومسيرة قرآنية، ومنهج إلهي كفيل بإعادة الإيمان اليماني إلى سابق عهده، ليقف اليمنُ شامخاً أمام كل التحديات، في وجه النفاق النجدي الشيطاني، والتآمر الأمريكي الصهيوني..

قد يعجبك ايضا