تفرد وإبداع الشعراء اليمنيين في المدائح النبوية

 

الثورة / خليل المعلمي

تحل علينا مناسبة المولد النبوي الشريف كل عام بروحانيتها وفعالياتها المختلفة فتعم الاحتفالات كل قرية ومديرية ومدينة، ويعبر اليمنيون جميعهم عن حبهم وابتهاجهم بحلول هذه المناسبة بالأهازيج والاحتفالات والمسابقات والكلمات المعبرة والقصائد والأناشيد والمدائح، وإقامة الندوات الفكرية والثقافية والخطابية لاستخلاص العبر من سيرة الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وإله وسلم.
ويرافق هذه الاحتفالات تنشيط الحركة الإبداعية والثقافية والفنية في مجالات مختلفة كالشعر وإلقاء الأناشيد والرسم والنحت وغيرها من الأنشطة التي يتهافت إلى المشاركة فيها الشباب من مختلف المحافظات.
وعلى مر التاريخ فاليمنيون يحتفلون بهذه المناسبة بطرقهم الخاصة والمتعددة في إقامة الموالد وإحياء الليالي المحمدية عبر الأهازيج والأناشيد، وقد برع من الشعراء اليمنيين الكثير عبر التاريخ أبدعوا وكانت نتاجاتهم في مدح الرسول صلى الله عليه وآله وسلم.
فالمديح النبوي هو من أهم موضوعات الشعر العربي وقد نظم الشعراء المسلمون فيه قصائد عديدة، فمنذ بزوغ فجر الإسلام أقبل الشعراء على مدح النبي صلى الله عليه وسلم معبرين عن حبهم وعواطفهم الجياشة تجاهه، مستعرضين صفاته الخلقية والخلقية، واصفين الشوق لرؤيته وزيارة قبره وغير ذلك من الأماكن المقدسة التي تتصل بحياته، ذاكرين لمختلف معجزاته ومراحل سيرته وأحداثها، ومتتبعين لغزواته وما إلى ذلك، ويعتبر لون من التعبير عن العواطف الدينية، وباب من الأدب الرفيع، لأنها لا تصدر إلا عن قلوب مفعمة بالصدق والإخلاص.
ويختلف هذا المديح عن المدح التكسبي أو مدح التملق، الذي يوّجهه الشعراء المتكّسبون بشعرهم إلى السلاطين والوزراء وغيره، فهذا المدح يوّجه إلى أفضل خلق الله، محمد صلى الله عليه وسلم، ويطبعه الصدق والمحبة والوفاء والإخلاص. ومن المعهود أن هذا المدح النبوي الخالص يتسم بالتضحية والانغماس في التجربة العرفانية والعشق الروحاني اللدني.
خصائص المديح النبوي
تكمن خصائص المديح النبوي في أنه شعر ديني ينطلق من رؤية إسلامية، تطبعه الروحانية الصوفية من خلال التركيز على الحقيقة المحمدية التي تتجلى في السيادة والأفضلية باعتباره سيد الكون والمخلوقات، وأنه أفضل البشر خِلقة وخُلقاً. ويتميز المديح النبوي أيضاً بصدق المشاعر ونبل الأحاسيس ورقة الوجدان وحب النبي محمد بن عبد الله طمعاً في شفاعته ووساطته يوم الحساب.
ظهور المديح النبوي
المديح النبوي فن قديم متجدد، أرسى قواعده كعب بن زهير وتبعه شعراء آخرون في بيان مناقب الرسول تعبيراً عن مشاعر الحب والإعجاب والرجاء ومتنفسا ببؤس الحياة الإنسانية ووسيلة للشفاعة والتقرب من الله تعالى، وكانت قصيدة الشاعر كعب بن زهير التي بدأها بالتالي:
بانت سعاد فقلبي اليوم متبول
متيمٌ إثرها لم يفد مكبول
وقال كل خليل كنت آمله
لا ألفينك إني عنك مشغول
حتى وصل إلى البيت:
إن الرسول لنورٌ يستضاء به
مهندٌ من سيوف الله مسلول
ومع انتشار الدعوة الإسلامية بدأ شعر المديح النبوي ينتشر ويظهر شعراء تلو الشعراء ومن جميع الأقطار الإسلامية، وارتبط بالشعر الصوفي مع ابن الفارض وغيره، ولكن هذا المديح النبوي لم ينتعش ويزدهر ويترك بصماته إلا مع الشعراء المتأخرين وخاصة مع الشاعر “شرف الدين البوصيري” في القرن السابع الهجري.
ومن اليمن ظهر العديد من شعراء المديح النبوي في فترات متعددة من التاريخ منهم العارف بالله عبدالرحيم البرعي، وأحمد بن علوان، والشاعر والملحن جابر رزق، والشاعر الحسن الهبل، والعديد من الشعراء في العصر الحديث والمعاصر أمثال الشاعر صالح سحلول والمحضار وغيرهم، نستعرض أهم الشعراء اليمنيين وأهم المؤلفات في المديح النبوي.
تراث نادر وفريد
يتميز اليمن بامتلاكه تراثاً لا مادي نادر وفريد هو الأكثر حضورا في مختلف الأزمنة، وذلك لأن اليمني بفطرته يمتلك طاقة إبداعية متميزة، فقد ضمت الرقوق والمخطوطات في المكتبات والدور الرسمية والخاصة عشرات الآلاف إن لم يكن مئات الآلاف من القصائد التي كان أبرزها قصائد المديح النبوي، وقد عمل المبدعون على مر التاريخ على إنشادها في موشحات وأناشيد يفضل اليمنيون استحضارها في كل أوقاتهم..
وتختلف الأنماط الإنشادية بين المناطق اليمنية، ففي صنعاء تتخذ نسيجا ابتهاليا، وفي حضرموت يلتقي مع الأشكال الفولكلورية مثل الدان والعُدة، بينما امتدت الموشحات والأناشيد الصوفية من تهامة إلى مرتفعات المناطق الوسطى ومراكز التصوف في تعز، ومن بين ذلك يبدو الموشح الصنعاني أكثر تمسكاً بهويته التاريخية وأكثر تشدداً في الحفاظ عليها، على عكس بقية المناطق التي سارت في ركب التطور إلى حدٍ ما أو أدخلت الآلات الموسيقية على أناشيدها كحضرموت وتهامة، وهذا ما أكده المنشد علي محسن الأكوع رئيس جمعية المنشدين اليمنيين.
عبدالرحيم البرعي
شاعر ومتصوف يمني من أبناء منطقة برع في تهامة اليمنية، عاش في فترة العصر الرسولي، وله ديوان منشور، أغلب قصائده تصب في الثناء على الله وإظهار نعمه والدعاء والتضرع إلا أن لب ديوانه المنشورة في مدح المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم ومما جاء في قصيدة البرعي في مدح المصطفى:
كأني بزوار الحبيب وقد رأوا
بيثرب نوراً في السماء تصعدا
وهبَّت رياح المسك من نحو روضةٍ
أقام بها الداعي إلى سُبلِ الهدى
محمدٌ الحاوي المحامد لم يزل
لمن في السماء السبع والأرض سيدا
ثمالي ومأمولي ومالي وموئلي
وغاية قصدي حيث لم ألق مقصدا
شددت به أزري وجددتُ أنعُمي
وأعددتهُ لي في الحوادث مُنجدا
وجاءت أشهر قصائد “البرعي” التي قالها وأصابته في مقتل الشوق إلى الحج “يا راحلين إلى منى”، حيث توفي قبل أن يصل إلى مكة بسبب الاجهاد والتعب، وقال فيها:
يا راحلين إلى مِنى بقيادي
هَـيَّـجتُمُ يومَ الرَّحيلِ فؤادِي
سِرتُم وسَارَ دلِيلُكم يا وَحْشَتِي
الشَّوقُ أقْلَقني وصَوتُ الحادي
أحرمتمُ جَفْنِي المنامَ بِـبُـعدِكُم
يا سَاكِنين الْمُنحنَى والـوادي
فإذا وَصَلْتُم سالِـمِـينَ فَبَلّـغُـوا
مِنَّي السَّلامَ إلى النَّبيَّ الهـادي
ويَلُـوحُ لِي مابَـينَ زمزمَ والصَّفا
عِندَ المَقامِ سَمِعتُ صوتَ مُنادِي
ويقولُ لِي يَـا نائما جِدَّ السُّرى
عَرفاتُ تَجلِي كُلَّ قَلبٍ صادِي
تاللهِ مَـا أَحلى المَبيتَ علَى مِنَى
فِي لَـيْـلِ عِيدٍ أَبرَك َالأعيادي..
مَن نَالَ مِن عَرَفات نَظرة سَاعَةٍ
نَالَ السُّرورَ ونَالَ كُلَّ مُرادِي
ضَحُّوا ضَحَايَـاهُم وسَالَ دِماؤُهَا
وأَنَا المُتَيَّمُ قَد نَحرتُ فُـؤَادي
لَـبِسُوا ثِيَابَ البِيضِ شَارَات الرَّضـا
وأنَا المتَـيَّـمُ قد لَبِستُ سَوادِي
يَا رَبَّ أنتَ وَصَلْـتَـهُم صِلنِي بِـهـمْ
وبِـحَـقّـهِم يا رَبَّ حُلَّ قِـيَـادِي
بِـالله يَـا زُوَّار قَـبر مُحَمَّدٍ
مَن كَـانَ مِنْكُم رائِحاً أَو غَـادِي
يُبْـلِـغ إلى الـمُخْتارِ ألَفَ تَحِيَّـةٍ
مِن عاشِـقٍ مُتَـفَـتّتِ الأَكْبـادِ
قُولُوا لَـهُ عَبْدُ الرَّحيمِ مُتَيَّمٌ
وَمُفَارِقُ الأَحْبَـابِ والأَوْلادِ
صَلَّى عَلَيكَ الله يَا عَلَمَ الْـهُـدَى
مَا سَارَ رَكْبٌ أَوْ تَرَنَّـمَ حَادِيْ
طبع ديوانه مرات كثيرة في (مطبعة الحلبي)، و(البولاقية) في مصر، و(بومباي) في الهند، وقد حقق الديوان الباحث المصري محمد عبداللطيف قناوي في رسالة ماجستير في جامعة القاهرة، وصحح النصوص الشاعر اليمني المعاصر (حسن بن صغير بن حمود بن يغنم البرعي).
جابر رزق
هو شاعر وملحن ومنشد يمني، من أبرز الشخصيات الأدبية اليمنية نهاية القرن التاسع عشر، كان يعزف ويغني قصائده قبل أن ينتقل إلى الإنشاد، ولد عام 1842م في قرية القابل في ضواحي صنعاء، درس في صنعاء وعمل في الحديدة في السلك الحكومي آنذاك، برز كشاعر حميني رقيق ومنشد. له ديوان مطبوع باسم «زهرة البستان في مخترع الغريب من الألحان.
من قصائده في مدح المصطفى صلى الله عليه وسلم:
من رُوي أن الحصى في كفه السامي نطق
يا من به قد طاب زمزم والحرم
أزكى الصلاة تغشاك من رب الفلق
والآل والأصحاب قومٌ لا ترى إلا الحدق
إذ أقبلوا فالفرد فيهم كالأشم
يوم افتتاح البيت من أسند صدق
صلى عليه الله تعداد الخلائق والفِرق
والآل والأصحاب ما البرق ابتسم
والعفو يا منان عن عبد أبق
تمثل موشحات جابر رزق (1842-1905م) الدينية أحد الجوانب الخفية للسيرة الغنائية اليمنية، فإليه تعود أقدم ألحان يمنية معروفة باسم مؤلفها، غير أن ألحان جابر رزق تمتلك خصائص تفردت فيها عن الغناء التقليدي المعروف، جعلته صاحب بصمة واضحة من خلال الموشحات الدينية التي تُنسب إليه شعراً ولحناً.
فمنذ وقت مبكر بدأت ميول الشيخ جابر رزق الغنائية، حد أنه خرق التقليد المُتبع في الإنشاد الديني الشائع بصنعاء، وتعلم العزف على القنبوس.
وفي الطرائق المعروفة للغناء الديني شكل جابر نقطة التقاء بين الغناء الصنعاني التقليدي وبعض السمات الشعبية التهامية، وبعض طرائق الإنشاد الصوفي الشائع هناك، وهذا التلاقح مده بالجرأة لخرق بعض التقاليد الراسخة في الغناء اليمني عموماً والصنعاني خصوصاً.
يشير الفنان جابر علي أحمد إلى السمة التعبيرية التي صاغها جابر رزق في توظيفه الإيقاع، وتحديداً في كسره القاعدة الشائعة في الغناء التقليدي باستخدام إيقاع واحد، وهو التلوين الإيقاعي الذي سيصوغه في الموشحة المذكورة سابقاً بمقام الراست، في نسج الإيقاع العربي مع الإيقاع المحلي بين السؤال والجواب.
وفي مقال نشره الكاتب جمال حسن بعنوان “ابتكار اللحن في حضرة الدين” يقول: يمكن ملاحظة جانب تعبيري في لحنه الأشهر وهو موشح “دع ما سوى الله” من مقام الحسيني المتفرع من البيات، لينتقل مباشرة في ثاني نغمة أربع درجات نغمية أي من “دو” الجواب في غناء “دع” إلى “فا” الجواب في “ما سوى الله”. وللعلم فإن درجة “فا” الجواب هو آخر الأوكتاف والنصف الذي تتيحه آلة القنبوس في الغناء التقليدي، وكما لو كان تعبيراً عن اعتماده الكامل على الله. لكن الأرجح أن هذا المدى التعبيري لم يتسم بمنهجية انتقلت إلى الغناء العربي المتأثر بالموسيقى الأوروبية. فالموسيقى اليمنية لم تتح أي ملامح تنظير سواء في المقامات أو الإيقاعات أو أي جوانب شكلية، واعتمدت كلياً على النقل.
ويضيف: في موشح “ربّ حسّن المختم”، والذي وظف فيه مفردات تهامية، يعتمد على درجات منخفضة؛ طبيعة النظم أيضاً تؤثر على طبيعة اللحن، وتميل أكثر إلى الصيغة الصوفية. ففي “دع ما سوى الله”، نلاحظ سمة غير التماثل في البناء السلمي للحن، لكنه أكثر تماثلاً في موشحه “رب حسن المختم”، على رغم التباين الأكثر وضوحاً في طول الخلايا اللحنية. هل كان أيضاً هناك أثر من احتكاكه بالأتراك في الصيغة اللحنية، أو بالشوام الذين عملوا مع الأتراك في اليمن؟ وهذا يعيدنا إلى مصدر استلهامه إيقاع “المصمودي الكبير”. هكذا تبدو صيغة جابر رزق كمرحلة استكشاف مبكرة لإمكانية التجديد في الغناء اليمني، وإن ظلت مقيدة ببيئة محلية منعزلة وأكثر تقليدية، ومناخ غير متسامح للغناء. لكنه أعاد النشيد في قالب الغناء والعكس، واستحضر النشيد المتصوف بالتجاور مع التواشيح الصنعانية.
ويقول في قصيدة “يا من لك الشأنُ العظيم”:
يا مَنْ لك الشأن العظيمْ
صلِّ بتسليمٍ على خير الملا
من قام بالإسلام والدين القويم
المصطفى طه الرحيمْ
سعدت بوطأته السموات العلا
لما رقى ليلاً وكلَّمَه الكليمْ
ما لي إذا هبّ النسيمْ
يزداد شوقي بالذي حاز الحلا؟
باهي المحيّا مائسُ القدِّ القويم
ريمٌ يُباهي كلَّ ريم
وفي قصيدة “يا منجّي”:
يا منجّي من اليمّ ذا النونْ
نجِّنا من جميع البليّهْ
واكشف الكرب عن كلّ محزونْ
واستر الأمّة الأحمديّه
جيرة الشعب ماذا يقولونْ
هل يقيمون حقّ الوصيّه
كم رأوا جامع الحسن محزونْ
ما بقيْ منه إلا بقيّه
أقعدوني وقاموا لجيحونْ
أسهروني وناموا سويّه
لو يقيلون مشتاقَ مفتونْ
واقفًا تحت حكم المشِيَّه
يرحمُ الله من كان مغبونْ
وارتضى بالأمور الرضيّه
أحمد بن علوان
هو صفي الدين أحمد بن علوان شاعر وفقيه شافعي، عاش في القرن السادس الهجري في تعز. ويعتبر إمام الصوفية وفيلسوفهم في عصر الدولة الرسولية في اليمن، نشأ في أحضان الرئاسة والعلم، وكان والده في خدمة السلطان ومن كتابه، وكاد الشيخ أن ينتهج طريق والده في خدمة السلطان، إلا انه تحول إلى طريق التصوف تحت تأثير خارق، ولزم الخلوة والعبادة، واشتهر بحب الوعظ، فقد كان يسلك في وعظه طريقة ابن الجوزي حتى لقب بجوزي اليمن، وله رسائل كثيرة ومؤلفات جمعت في مجلدات منها كتاب (الفتوح المصونة والأسرار المخزونة)، فضلاً عن ديوانه الشعري الذي جاء أغلبه في التصوف، وفي المديح النبوي، وبعد أن توفي صار لضريحه مكانة مقدسة وتقام زيارة سنوية له في منتصف شهر ربيع الأول من كل عام، ومن قصيدة له يصف الشوق لزيارة مقام المصطفى في المدينة المنورة وحبه لآل بيت رسول الله:
ذكر المقام لدى المقام وزمزما
فارتاح بلبله الفصيح ورنما
صبٌّ أطار الشوق واصف سره
فبحيث خيمت الأحبة خيما
إقليمه إقليم آل محمد
في الأرض كان مقامهم أو في السما
تسري سرائرهم إلى أسراره
فلذاك أفصح سره وتكلما
يهدي النسيم إليه من نفحاتهم
سراً تحيط به العقول ومعجما
أرواحهم مزجت بروح فؤاده
فإليهم اتخذ العزائم سلما
الحسن بن علي الهبل
ولد الحسن بن علي بن جابر الهَبل في صنعاء في القرن السابع عشر الميلادي، ونشأ فيها محباً لرسول الله وآل بيته، في بيئة أدب وعلم زيدية. كتب الهبل معظم أشعاره في محبة آل البيت. ويُعد الهبل من أبرز الشخصيات الزيدية التي خلدت إرثاً أدبياً مميزاً في التراث الإسلامي والإنساني. وللهبل قصائد كثيرة في المصطفى وآل بيته. ومما قاله:
قالوا امتدحْ سيِّد الكونين. قلت لهم
يجلّ عن كَلِمي قدراً وأَشعاري
ماذا عساه يقول المادحون وقـد
أثنى عليه بما أثنى به البَاري
وقال الهبل في آل بيت رسول الله:
مَدْحِي لكم يا آلَ «طهَ» مَذْهبي
وبهِ أفُوزُ لَدى الإِلهِ، وأُفلحُ
وأودُّ -من حُبّي لكُمْ- لو أن لِي
في كلِّ جارحةٍ لسَاناَ يَمْدَحُ
وقال أيضاً:
أولئك أبناء النبي محمد
فقل ما تشاء فيهم فإنك لا تغلو
فروع تسامت، أصلها سيد الورى
وحيدرة يا حبذا الفرع والأصل
المديح النبوي في حضرموت
ويذكر لنا الباحث الدكتور أحمد هادي باحارثة في كتابه أدوار الأدب الحضرمي: “أن الأدب الصوفي يشمل الكلام في التصوف برموزه وإشاراته ومفاهيمه ومصطلحاته وغزله وخمرياته، وفي الزهد والوعظ وفي المدائح النبوية والموالد، شعراً تفاوت بين الإجادة والركاكة، فالشعر تم التطرق لأبرز شعرائه كعلي بن أبي بكر السقاف، وأبي بكر بن عبدالله العيدورس، وعبدالله بن علوي الحداد، وعبدالرحمن بن عبدالله بلفقيه، من العصر الوسيط، وفي العصر الحديث أتت المشاركة في الشعر الصوفي من أغلب الشعراء الحضارم ولاسيما المدائح النبوية، سواء منها المعارضة للبردة والهمزية وما يتبعها من المعاني التقليدية والصور المكررة أو المنطلقة من ذلك التقيد وسابحة في رحاب أوسع مغلفة بالذاتية والأفكار أو الصور المستجدة، ومن ذلك قول الشاعر حسين البار:
يا سيد الخلق يا من جئت تهدم في
دنيا الورى كل رب حادث عاد
ضل الورى حين راحوا يرمزون إلى
رب السماء بأصنام وأرصاد
وحين ترجم ما تخفي صدورهم
من لهفة فعل كهان وعباد
ضلوا السبيل على جهل فكنت لهم
خير الدليل إلى خير وإسعاد
سللت منهم أساطيراً يضيق بها
صدر المفكر من كفر وإلحاد
ورحت تصنع منهم ثورة بقيت
رمز الخلود لأجيال وأحفاد
ومن الشعراء الحضارم الذين أثروا المدائح النبوية الحبيب عبد الله بن علوي الحداد الحسيني الحضرمي الذي عاش في القرنين الحادي عشر والثاني عشر الهجريين في حضرموت. لقب بشيخ الإسلام، وهو من أبرز الشخصيات الإسلامية في المناطق الجنوبية والشرقية من بلادنا. له مؤلفات عديدة في التربية والسلوك والمواعظ والحكم، وديوان منشور. ومما جاء في إحدى قصائده في مناجاة المصطفى:
أنت باب الله نال المرتجى
والأماني من عليه وقفا
أنت حبل الله من أمسكه
فاز بالخير وبالعهد وفا
يا رسول الله يا شمس الهدى
كل ضرٍّ بكم قد كُشفا
يا رسول الله يا بحر الندى
كل جودٍ منكم قد عرفا
وتشفع يا رسول الله في
كشف هذا الكرب حتى يكشفا
ومن روائع الشاعر الكبير / حسين ابوبكر المحضار قصيدته “عيدي معك في احسن الأعياد” يقول فيها:
عيدي معك في أحسن الأعياد
طابت بطيبه عندك أعيادي
يا مصطفى يا سيد الأسياد
وجميع أهل البيت اسيادي
نسري بهم في الليلة السودة
عدنا إلى طيبة عسى عوده
***
جيتك بحبّي وهو نعم الزاد
يا بخت من زاده كما زادي
لا حزب قدّمته ولا اوراد
يا خاتمة حزبي واورادي
وانت دواء كل نفس ماروده
عدنا إلى طيبة عسى عوده
عمارة اليمني
هو عمارة بن علي بن زيدان الحكمي المذحجي اليمني، مؤرخ ثقة، وشاعر فقيه أديب، من أهل اليمن، ولد في تهامة ورحل إلى زبيد سنة 531هـ، وقدم مصر.
ومن أشعاره في المديح النبوي:
يا خير من نظم المديح لمجده
وتنزلت سور الكتاب بحمده
يا حجة الله التي بضيائها
هديت بصيرة حائر عن قصده
أنت الذي بلغ النهاية في العلى
عفواً ولم يبلغ بداية جهده
ورث الهداة الراشدين إمامة
أحيا معالمها بواضح رشده
إن يفتخر بنبوة ووصية
فهما تراث عن أبيه وجده
وإذا تنزل دون ذلك لم يجد
إلا ولي خليفة في عهده
البردوني
وقد أبدع الشاعر الكبير عبدالله البردوني في قصيدته بشرى النبوة والتي مطلعها:
بشرى من الغيب ألقت في فم الغـار
وحيا وأفضت إلـى الدنيـا بأسـرار
بشرى النبوّة طافت كالشـذى سحـرا
وأعلنت في الربـى ميـلاد أنـوار
وشقّت الصمت والأنسـام تحملهـا
تحـت السكينـة مـن دار إلـى دار
وهدهدت ” مكّة ” الوسنـى أناملهـا
وهـزّت الفجـر إيذانـا بإسـفـار
واختتمها:
نحن اليمانيون يا ” طـه ” تطيـر بنـا
إلـى روابـي العـلا أرواح أنصـار
إذا تذكّـرت “عـمّـارا” ومـبـدأه
فافخر بنا: إنّنـا أحفـاد “عمّـار”
“طه” إليك صلاة الشعـر ترفعهـا
روحـي وتعزفهـا أوتـار قيـثـار
صالح سحلول
صالح سحلول هوَ شاعر شعبي يمني، لقب بشاعر الثورة، وعرف بمناهضته للحكم الملكي في ثورة 26 سبتمبر اليمنية عام 1962، كتب الكثير من القصائد الشعبية في مختلف المجالات، ولد سحلول عام 1919م في قرية (بيت العميسي) من مخلاف (العرش) بلاد (رداع) محافظة البيضاء.
وله قصيدة بعنوان (مسك الختام) في مدح النبي صلى الله عليه وسلم قالها بتاريخ ربيع الأولى 1405هـ.
وقد اختتم بهذه القصيدة ديوانه الثوري في مولد الثائر الأول على الجهل والفساد والظلم والاستبداد الثائر الأعظم محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، وقد أوجز في عنوانها حيث أسماها مسك الختام، سواء قصد بهذا العنوان النبي محمد لأنه مسك ختام الأنبياء، أو قصد به القصيدة نفسها لأنها ختام ديوانه أو ختام أشعاره او ختام عمره يقول فيها:
لك الحمد تم الشكر يا يارى القسم
ويا منبت الحية ويا فالق النواة
عدد كل لمحة عين منذ أقدم القدم
من الدهر إلى يوم انقراضه ومنتهاه
شكرته على الإسلام وهو أكثر النعم
وبعثة نبينا المصطفى خاتم انبياه
شهر ربيع أول ولد سيد الأمم
محمد عليه أزكي التحيات والصلاة
محمد حبيبي سيد العرب والعجم
ولد عام غزو الفيل والموت للغزاة
نبي أدبه مولاه ذو الفضل والكرم
وهذب صفاته خالق الخلق واجتباه
فلله من مولود كم حاز من عظم
فخير الخلق خلقه وخير التقى تقاه
أتى والبشر في جهل مطبق وفي ظلم
وفي رق واستعباد تندي له الجباه
أتى والبرية أكلها ميتة ودم
إلى أن قال:
ولم يغضبه معنى الخصيم الذي عناه
ألا ياشفيع الخلق اشفع لمن نظم
قصيدة بها من خالقه يبتغي جزاه
محبك أسير الوزر والذنب واللم
وبين الرجاء والخوف مما جنت يداه
وأخشى من العثرة ونم زلة القدم
ومن يوم كل إنسان يجزى بها جناه
إلهي بفضل العرش واللوح والقلم
تجير العباد في ذلك اليوم من لظاه
وفي ختمها صلوا على سيد الأمم
محمد عليه أزكى التحيات والصلاة
صلاتي وتسليمي عدد أحرف الختم
على المصطفى والآل والتابعين هداه
لقد حرص اليمنيون على مر العصور أن يجعلوا من ذكرى ميلاد رسول الله أعظم وأهم مناسبة على مر التاريخ، منطلقين من ثقافة القرآن التي تجدد علاقة المسلم برسول الله وتزيدها تماسكا، مواجهين بذلك هجمات اليهود الشرسة على الإسلام ورسول الله وهرولة أعداء اليمن للتطبيع مع أعداء الله ورسوله، ولعل ذلك ما أسهم في ظهور مئات المبدعين من شعراء ومنشدين بأعمال جديدة ومحدّثة.

قد يعجبك ايضا