محمد القعود

ما يشبه التوضيح

 

قبل أن تقتربوا من أطراف غابة هذه الأوراق.. وقبل أن تقتربوا من شواطئ هذه السطور.. وتشرعوا أعينكم للسفر مع هذه الكلمات.
أبوح لكم بأن على هذه الصفحات مجموعة من «النصوص» التي هي مجرد محاولات متواضعة.. مثقلة بإرث طفولتها.. ومضرّجة بشظايا أمانيها المتناثرة في كل أفق.
إنها محاولات بسيطة، لا تدعي الكمال، ولا تحاول الانتساب إلى أي «تأطير».
إنها.. محاولات تلثغ بطفولتها.. وتتعثر بانبثاقات حنينها.. وتكبو بين مفردات ذكرياتها وأحلامها.. وتتنفس عبق أمسها وانكسارات محيطها..
حروفها النقاء.. وحبرها الحنين والطفولة.. وبياضها الأمل.
*
هذه «النصوص».. محاولات بسيطة
«خربشها» على الورق- منذ وقت “غابر” طفل يشبهني ويطل من ملامحي.. سكن أعماقي وامتلك زمامي إلى ما لا أعرف!!
أبى أن يعترف بأني قد صرت رجلاً.. له قراره المستقل، وتفكيره الخاص، ولغته المعبرة عن يومه وغده ومحيطه!!
وأنه من غير اللائق أن يشاهدني وأنا ألعب في الطرقات وأتسلق الأشجار وأرسم أحلامي على الجدران .. وأستجدي الجدات الحكايات.. وأتبلل بكل مرح بمياه الأمطار.. وأتدثر بدفء الطفولة ونقائها النابض في كل الأشياء.. وأمارس «الشقاوة» مع الأصدقاء في إشعال الحرائق الصغيرة.. ومطاردة الفراشات.. وتصدير الضجيج إلى منازل الجيران من خلال الألعاب الصاخبة..!!
هذا الطفل الذي قادني إلى انكسارات مؤلمة ومتواصلة.. لأنه لم يعلمني سوى لغة البراءة والصفاء والمحبة والحنين..
وهي لغة لم يعد هناك من يصغي لها أو يتعامل بها.. في ظل طوفان لغات كثيرة صار لها حضورها الطاغي ومفعولها الكبير..
هذه اللغة التي حاولت- رغم فشلي- أن أغيرّ من قاموسها وأحبالها الصوتية وإيقاعاتها ورناتها. كي أنجو من تلك الغربة التي تحاصرني كثيراً عندما أجد نفسي أشبه بالغريب وأنا أتحدث بها وسط محيط صارت لغة البطش والمصالح هي المتداولة لديه!
*
ذلك الطفل الذي يقاسمني نفسي وأمسي ويومي وغدي ولغتي… ويمارس طغيانه الدائم عليَّ… سيجد مفاجأة لم يكن يتوقعها.. يتوقعها مني بالذات..!!
لقد قررت أن أعلن استقلالي عنه – وأن أتخلص من سيطرته على حياتي ومشاعري ولغتي ورؤاي..!!
قررت أن أكون أنا المتحدث عن نفسي، لا هو..!!
قررت أن أودع «محاولاته» ومفرداته وعوالمه في هذه الصفحات التي آن لها أن تفارقني..
وآن لي أن أتحرر من ذلك الطفل، ومن لغته وأحلامه وذكرياته وعوالمه المختلفة..
آن لي أن أتحرر من رؤاه وملامحه وأنفاسه ومساراته..
آن لي أن أترك كتاباته على هذه الصفحات..
آن لي أن أفك أسري من ذلك الطفل الذي يأبى أن يعترف بأن السنين تمر.. وأن الأسى ينمو وأن سطوره تخصه وحده.. ولا علاقة لي به ولا بلغته..
آن لي أن أكتب لغتي الجديدة.. أن أكتب نفسي وأمارس رؤاي وأهندس أحلامي التي أريدها.
آن لي أن أعلن براءتي من لغةٍ لا رصيد لها في بورصة القسوة..!!

قد يعجبك ايضا