(المحميات الخليجية).. نماذج للثراء الطفيلي

طه العامري

 

هناك رأسمالية طفيلية، وهناك إثراء طفيلي، وتوصيف هذه المفردات، تعني أولئك الذين يحصلون على الثروة بدون جهد يبذل، فيما كانوا قبل ذلك يعيشون حياة العوز والفآقة، لكنهم وما أن يملكون المال حتى يتجردوا من كل القيم والأخلاقيات ويصبحوا ينظرون للآخر بدونية ويتوهمون انهم بما يملكون من القدرات المالية قادرون على شراء كل شيء، ظواهر نجدها في أولئك الذين امتلكوا الثروة دون أن يمتلكوا قيم وأخلاقيات علمية ومعرفية وحضارية، قد لا يختلف الأمر لدى الأفراد عنه لدى بعض الأنظمة التي ولدت من رحم الصحراء، فثراء الغفلة يعكس نفسه في طريقة تعامل أبطاله مع الآخر لأنه يأتي نتاج طفرات استثنائية.. وان كانت الحضارة العربية _الإسلامية تتركز في نطاقات جغرافية مثل اليمن والشام ومصر وأجزاء من بلاد المغرب العربي وهي حضارات ضاربة جذورها في أعماق التاريخ الإنساني، فإن ثمة نطاقات عربية انبثقت حضاراتها مع ظهور (النفط) فتأسست وفق نمط ثقافي مادي وعلى شاكلة الأنماط الاستعمارية التي أسست هذه النطاقات والتي بدورها قائمة على الأنماط الثقافية المادية _نموذج أمريكا _..!
في الجزيرة العربية يمكن إستثناء جغرافية (نجد والحجاز) حيث (مكة والمدينة) اللتان تنتميان للموروث الحضاري العربي _الإسلامي غير أن هاتين المدينتين تم تهميشهما وطمس معالمهما العربية والإسلامية معا وإعادة تشكيلهما وفق أنماط ثقافية مادية على غرار النطاقات المدنية المولودة من رحم القيم المادية والحضارة المادية التي شكلتها(ثقافةوحضارة البترودولار)..!
قد تكون أعقد أزمات الأمة العربية والإسلامية كامنة فيما تشكله (المحميات الخليجية) من حضور ثقافي قائم على أسس مادية، وهي الثقافة التي تتماهي مع الأنماط الثقافية والحضارية الغربية والأمريكية، الراعية لهذه المحميات كما هي الراعية للكيان (الصهيوني) القائم بدوره على هذا النمط الاستلابي المعتمد على القيم الاستعمارية والقيم المادية..؟!
بيد أن (أنظمة الخليج) بكل نطاقاتها الجغرافية والقيم الحضارية والثقافية التي تتبناها والتي تشكل قناعتها السياسية والفكرية كأنظمة من ناحية، وتشكل قناعات وقيم وسلوكيات مواطنيها من ناحية أخرى، تكرس في مكوناتها ثقافة أمريكا والغرب وعلى مختلف المستويات الحياتية لمجتمعاتها بما في ذلك العادات والتقاليد والأنماط السلوكية والمعيشية، بدءا من سياسة التبعية والارتهان الرسمي للأنظمة لأمريكا والغرب، مرورا بالأنماط العمرانية وصولا للأنماط الاستهلاكية، بما يجعل هذه النطاقات بعيدة عن كل مفردات ومظاهر الحضارة العربية الإسلامية التي انتزعت حتى من مدن مقدسة في الوجدان العربي الإسلامي مثل مكة والمدينة اللتين لم تحملا من هويتهما العربية الإسلامية سوى الأسماء فقط، فيما مظاهرهما تبدوان وكأنهما تنتميان للحضارة الأمريكية الغربية..!
فوارق حضارية سلخت هذه النطاقات عن هويتها العربية _الإسلامية، وبالتالي سلخت أنظمتها الحاكمة عن هموم أمتهم وقضاياها المصيرية، ولم تعد قضية (فلسطين) والصراع العربي (الصهيوني) والتكامل العربي وعلى أي مستوى يعني لهذه الأنظمة شيئا يذكر، وأصبحت مصلحة أمريكا والغرب حاضرة في علاقة هذه الأنظمة مع بقية الأنظمة العربية _الإسلامية، وهما من يتحكمان بعلاقة هذه الأنظمة ويحكمان علاقتهما ببقية العرب والمسلمين..
وفي هذا السياق يصبح من الطبيعي أن نرى محمية مثل (قطر) تنفق المليارات لتدمير دول عربية أخرى ومثلها فعل النظام السعودي والإماراتي في العراق وسوريا وليبيا واليمن والصومال والسودان ومصر وتونس ولبنان وحاولوا في الجزائر، وانكروا فلسطين وتنكروا لقضيتها ومعاناة شعبها جراء الاحتلال الذي ارتبطوا معه بعلاقة مقدسة سرية وعلنية بحسب أوامر أمريكا والغرب..!!
الأمر لم يقف هناء بل طال آلية الإنفاق الترفي لهذه المحميات وكيفية تعاملها مع الثراء الفاحش الذي وجدت نفسها فيه، لدرجة إقدام دولة مثل (قطر) لاستضافة كأس العالم مقابل (260 مليار دولار) وهذا الرقم المعلن عنه، غير أن هناك ما يقارب من نصف هذا المبلغ ما تم إنفاقه بطرق سرية، ولم يقف الأمر هنا بل ذهبت قطر تعرض (5 مليارات جنيه استرليني) لشراء ناد إنجليزي، فيما مسوؤل سعودي شرى (نادي ليلي في أمريكا بقيمة 2.5 مليار دولار أمريكي) فيما ناد آخر سعودي استأجر لاعباً دولياً بـ 400 مليون يورو لمدة عامين غير الراتب الشهري الذي يقدر بـ 60 مليون يورو وهذا غير المكافآت والحوافز وثمن الإعلانات التي سيقوم بها اللاعب لتسويق المنتجات السعودية من (الحفاظات النسائية) إلى منتجات (الحليب والعصائر) ومولات الملابس والعطور المستوردة..؟!
هذا الإنفاق الترفي يعبر عن حالة ثقافية مكتسبة تعتمدها أنظمة المحميات التي نقلت حضارة أمريكا وثقافتها المادية إلى صحراء الجزيرة التي لم تعد عربية، ولم يعد ثمة ما يميز مدنها عن أي مدينة أمريكية أو أوروبية..!!
ليبقى السؤال هو: ماذا لو سخرت هذا الكم الهائل من المليارات التي ذهبت للرياضة واستثمرت في تعمير وتنمية بعض البلدان العربية كالزراعة في السودان والثروة الحيوانية في الصومال وإقامة مشاريع استثمارية في دول عربية أخرى..؟ مجرد تساؤلات وحسب..

قد يعجبك ايضا