في رحاب حليف القرآن

يكتبها اليوم /أحمد يحيى الديلمي

أحمد يحيى الديلمي

 

 

شهر محرم الحرام من الأشهر التي اختصها الله بالكرامة ، فهو رابع الأشهر الحُرم ، وكان المفترض أن يكون محطة للفرح والابتهاج والعبادة ، إلا أن عبث البشر وسلوكهم المُتسم بالغطرسة والأنا وحب الذات، حوّل هذا الشهر إلى محطات للمآسي والكوارث ، التي كان أفظعها وأكثرها بشاعة فاجعة استشهاد سبط الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم الحسين بن علي عليه السلام وقتله مع أولاده وأصحابه بتلك الطريقة البشعة التي يتقزز لها حتى الحيوان ، واستمر بني أُمية في الغي والخروج عن أبسط مبادئ الدين عندما أقدموا على قتل حليف القرآن الإمام زيد بن علي بن الحسين عليه السلام ، أيضاً بطريقة أكثر بشاعة وظل خوفهم منه ومن وجوده في الحياة حتى وقد أصبح جثة هامدة رفضوا أن يبقى ، فقد بحثوا عن المكان الذي واراه فيه أبناؤه وأتباعه تحت النهر فوصلوا إلى المكان فانتزعوا الجثة بغطرسة وغباء وطريقة لاإنسانية تفتقر إلى أبسط القيم والمبادئ ، وبدأت حالة التعاطي البشع مع جثة لإنسان مظلوم حيث تم التمثيل به وصلبه في الكناسة ثم حرق جثته وذرها في مياه الفرات ، يا لها من بشاعة! ويا لها من قلوب قاسية تتعاطى بهذا الأسلوب القذر مع روح ثائرة اتسمت بالوعي والبصيرة والرأي الثاقب، كما قال إمام الأزهر الشريف الشيخ مخلوف «رحمه الله» في رده على الأمير فيصل وزير خارجية النظام السعودي آنذاك عندما سأله عن سبب غياب علم بلاده من الساريات الموجودة أمام جامعة الأزهر والتي كانت ترفرف أعلام كل الدول الإسلامية باستثناء السعودية ، لم يستفز فيصل إلا علم اليمن ، خاطب شيخ الأزهر بما يُشبه السخرية حتى دولة الرافضة في اليمن علمها موجود ، الأسلوب أثار حفيظة شيخ الأزهر فأجاب بكل شجاعة وإقدام وروح إيمانية صادقة إنهم يتبعون منهج الإمام زيد وهو من أئمة آل البيت عليهم السلام ومذهبه معروف فهو فكر ونهج محمدي اتسم بالصحة والعدالة وترجم كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم بالمضامين الثابتة فيهما .
أما السعودية للأسف فهي تتبع النهج الوهابي المنغلق على ذاته ، يكفي أنه يُكفِّر عامة المسلمين بلا سبب ويصدر أحكاماً بمجرد الظن والتهمة، هل تريد أن تساوي هذا المذهب بذلك المذهب العظيم ؟! وكان لهذا الشيخ الفاضل مواقف مماثلة عكسها في مقدمة كتاب «الروض النظير» عندما ذهب سيف الإسلام البدر الأول لطباعته في القاهرة مع عدة كُتب أخرى ، فالإمام زيد لم يكن إمام مذهب فقط لكنه جاء امتداداً لسنة الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم، وتلك المدرسة العظيمة التي أرسى دعائمها إمام المتقين ويعسوب الموحدين الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام ، وقد كانت مدرسة شامخة بالمبادئ العظيمة والقيم الإيمانية وعنواناً راسخاً للأخلاق والالتزام الصادق بمبادئ الدين ، وأنا أشاهد بالأمس القريب تلك الحشود المليونية التي توافدت إلى الساحات والميادين تذكرت المحاولات اليائسة المُلطخة بالحقد والكراهية للآخر التي حاولت استهداف هذا المذهب العظيم وإمامه وأنفقت المليارات لكي تُمحي كل شيء يتصل به في اليمن ، وهذا ما قاله أحد دكاترة جامعة الإمام محمد بن سعود في الحرم الشريف عندما كنا في موسم الحج ، فلقد قال بكل افتخار ( الحمد لله لقد أزال الله الغُمة عن الأمة واندثر ذلك المذهب الرافضي من اليمن)، وأضاف قائلاً ( لم يبق إلا شرذمة قليلة من هذه الطائفة القائمة على البدعة سيتم القضاء عليها في أقرب وقت) الكلام استفزني .. أجبته ألم تسمع الأخبار هذه الشرذمة بالأمس تقاتل الجيش السعودي بكل ما هو عليه من قوة في جبل الدخان حيث كنا في تلك الفترة في أحد الحروب التي شنها النظام على صعدة بدفع من السعودية ، الرجل لم يتمالك نفسه حاول أن يتهجم أكثر ويُظهر نوعاً من العداء ، إلا أن أحدهم وكان علامة محترماً من المغرب العربي أخذ بيدي وتركناه وحيداً يصرخ وأنا لا أعتب عليه وعلى أمثاله ، فلقد حاولت الحركات التي تمثل امتداداً لبني أُمية أن تسيء إلى المذهب وإلى الإمام زيد بينما الرجل لم يكن سوى إمام مجتهد أقر منهجية الثورة ضد الظلم والعدوان وحدد مسارها بأفق إيماني صادق جعل الجهاد فرض واجب على نفسه وعلى أولاده ، ثم دعا أتباعه وهو يقول (ما يدعني كتاب الله أن أسكت ) ويخاطب ابنه يحيى عليه السلام قائلاً ( لا تترك منهج الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ولو لم يكن إلا أنت وحدك)، هذا هو الإمام زيد الذي خرج الناس أمس الأول لإحياء ذكرى استشهاده عليه السلام ، وطالما أننا نتحدث عن وصايا هذا الإمام لابنه يحيى أختم بما قاله الشاعر في هذا الجانب حيث قال :
يا بن زيدٍ أليـس قد قال زيدٌ من أحب الحياة عاش ذليــلا
كن كزيدٍ فأنت مهجة زيدٍ واتخذ في الجنان ظلاً ظليلا
رحم الله الإمام زيد وقدس روحه في الجنة ، ويكفي أن نقول له إن الملايين التي خرجت إنما تعبر عن التزامها لنهجك القويم الذي أرسيت دعائمه وضحيت من أجله ، وهم على استعداد للتضحية من أجل المبادئ والقيم التي أرسيتها مهما كان الثمن ومهما كانت الصعوبات .. والله من وراء القصد ..

قد يعجبك ايضا