مجريات الفصل الأخير من عدوان التحالف على اليمن

بريطانيا تخلع قفازات الخليج معلنة عودة قواتها من بوابة المهرة

 

 

السيد عبد الملك الحوثي:

على القوى التي آثرت أن تقف بصف الأجنبي أن تدرك أنها في موقع الخيانة في أي مرحلة من مراحل التاريخ
الاحتلال البريطاني للجنوب استمر تلك الفترة الطويلة مستفيداً من الأطراف التي تعاونت معه وبررت جرائمه

حقائق:

جنوح السفينة (داريا دولت) كانت ذريعة لاحتلال بريطانيا للمحافظات الجنوبية والشرقية لأكثر من 120 عاماً
بريطانيا استغلت الهجوم الأخير على السفينة الإسرائيلية قبالة سواحل عمان ذريعة لعودة قواتها من بوابة المهرة

قراءات:

القيادة الثورية استشرفت منذ وقت مبكر مرامي العدوان على اليمن محذرة من عودة الاحتلال البريطاني إلى عدن
السيطرة على المطارات اليمنية المدنية كانت مقدمات واضحة للتهيئة لعودة القوات البريطانية

في تطور سياسي وعسكري يشي بدراما الفصل الأخير من مسرحية العدوان السعودي الإماراتي على اليمن سياسيا وعسكريا واقتصاديا، وصلت نهاية يوليو الماضي دفعة أولى من القوات البريطانية إلى مطار الغيظة العسكري (المدني الأصل) بحجة ملاحقة المتسببين في استهداف من نفذ الهجوم على سفينة “ميرسير ستريت” الإسرائيلية” قبالة سواحل سلطنة عمان.. فماذا تعني هذه الحادثة لتاريخ بريطانيا السياسي والاستعماري في عدن ؟ وما أوجه الشبه بين ذرائع الماضي والحاضر ؟ وماذا تعني بالنسبة للتحالف الذي مارس أبشع جرائم الحرب والإبادة بحق اليمنيين خدمة لأمريكا وبريطانيا ؟ وما هي المقدمات التي نفذها التحالف ومرتزقته تهيئة لعودة الاحتلال البريطاني..؟
في هذه المادة المواكبة لمجريات الأحداث في المناطق المحتلة، سنجيب على هذه التساؤلات المحورية في مشهد الحرب والحصار على اليمن، لكن قبل الذهاب إلى ذلك سننطلق من قراءة عابرة لجزئية موصولة بالموضوع في خطابات القيادة الثورية ممثلة بسماحة السيد عبدالملك بدر الدين الحوثي، رضوان الله عليه، وتحذيره المبكر من عودة الاحتلال البريطاني…. إلى التفاصيل

الثورة / إعداد وقراءة/ إدارة التحقيقات

في خطابه بمناسبة الذكرى السنوية لاستشهاد الإمام الشهيد زيد بن علي “زين العابدين” بن الإمام الحسين بن علي عليهم السلام، في 25 محرم 1439هـ الذي صادف الـ15 من أكتوبر 2017م، قدم سماحة السيد عبد الملك بدر الدين الحوثي استشرافا مبكرا واضحا ودقيقا إزاء مجريات الأحداث العدوانية على اليمن، وما تتعرض له المحافظات الجنوبية المحتلة من مؤامرات تقسيم، حيث قال: مرت بنا أيضا اليوم ذكرى مهمة جدا في شعبنا اليمني المسلم العزيز هي ذكرى 14 من أكتوبر، العيد 54 لانطلاقة الثورة التحررية للانعتاق من الاستعمار البريطاني، والتخلص من الاحتلال البريطاني في الجنوب، بعد أكثر من 120 عاما من الاحتلال البريطاني للجنوب.
وفند السيد عبد الملك الحوثي الكيفيات والحالات والعوامل التي استفاد منها الاحتلال البريطاني ليحقق أطول فترة استعمار في التاريخ حيث قال: من المعلوم أن الاحتلال البريطاني الذي بقي لأكثر من 120 عاما في عدن، وامتد إلى مناطق شملت كل الجنوب والبعض من الأجزاء في الشمال – استند أو استفاد من عوامل متعددة ليتمكن من البقاء كل هذه المدة الطويلة، بالرغم من أنه ومنذ اللحظة الأولى لهذا الاحتلال البريطاني واجه مقاومة في الجنوب وفي عدن، ومقاومة تراوحت بين فترة وأخرى في مستوى قوتها أو ضعفها أو مدها أو انحسارها، على حالة أو حالات، ومستويات متفاوتة”.. مؤكدا أن الاحتلال البريطاني استفاد آنذاك في كل تلك المراحل، من وجود أطراف من الأهالي والشخصيات، من كان خيارهم أن يرتبطوا ويتعاونوا ويقاتلوا ويناصروا هذا المحتل، وأن يبرروا لهذا المحتل تواجده، وأن يتعاونوا معه بأسوأ أنواع التعامل، بما في ذلك ممارسة التعذيب في سجونهم بحق الثوار الأحرار في مراحل متفاوتة، مشتركين مع المحتل في جرائم إبادة جماعية، جرائم قتل، جرائم تنكيل بحق الأهالي، في مناطق متعددة، وفي مراحل متعددة من تاريخ الاحتلال البريطاني لعدن والجنوب”.
وأضاف سماحة السيد عبد الملك الحوثي: أنا أقول إنه حصل تقصير كبير جدا جدا، في المناهج التعليمية، وأيضا في النشاط الإعلامي بكل مستوياته، بكل وسائله وأدواته، في النشاط الشعبي، فيما يتعلق بهذه المسألة، كان من المفترض أن يشكل ما حدث من الاحتلال البريطاني ولمدة طويلة من الزمن لأكثر من 100 عام في عدن والجنوب – أن يشكل عاملا مهما جدا في كل واقعنا في البلد، إضافة إلى ما سبقه من استهداف لبلدنا في كل المراحل التاريخية، لتعزيز الثقافة التي تحفظ لنا في بلدنا الوعي، وتحفظ لنا روحية التحرر والاستقلال والممانعة، والتصدي لأي احتلال أجنبي، لأن وجود فئات أو وجود أطراف أو وجود قوى في البلد لديها قابلية للاحتلال، ولديها قابلية ليس فقط أن تقبل بالمحتل، وأن تستسلم للمحتل الأجنبي المعادي الذي يأتي بدافع الشر والعدوان، ليس فقط أن تستسلم له وأن تقبل باحتلاله وسيطرته ونهبه للثروة، واحتلاله للأرض، وإذلاله للبشر، بل أن تقف بصفه، أن تبرر لاحتلاله، أن تجعل احتلاله عاملا للحضارة وفرصة مهمة وو الخ، هذه الحالة كان يجب أن نعمل على ألا تتكرر في بلدنا، كان من المفترض أن تكون المناهج الدراسية، أن يكون الأداء الإعلامي، أن تكون السياسات في هذا البلد في كل شيء، يا إخوة والله لن يشهد بلدنا من الاهتمام بهذه المسألة بقدر ما لدى الصينيين أو ما لدى بعض البلدان الأخرى تجاه أقوام استعمرتهم، كان ذلك عاملا لهم -مثلا- على مستوى الاستراتيجية الشاملة، مثلا: السياسية التي يبنون عليها واقعهم الاقتصادي، كيف يكونون أمة قوية عصية على أولئك الذين غزوها في ما مضى، واحتلوا أرضها، ونهبوا ثروتها، وأذلوا شعبها، أن يكونوا أقوياء حتى لا يتكرر ذلك، أن يكونوا عصيين أمام أي احتلال جديد، أمام أي غزو أجنبي جديد، كيف تترسخ ثقافة الحرية والاستقلال والاستعصاء على الاحتلال الأجنبي حتى لا يكون هناك أي أرضية قابلة لاحتلال أجنبي، حتى لا يأتي أي احتلال أجنبي من جديد فتجد من يصفق له، من يطبل له، من يمجده، من يعظمه، من يقف معه، من يعبره تحريرا، من يعتبر الاحتلال الأجنبي الواضح والسيطرة الأجنبية على الأرض والإنسان في اليمن يعتبرها تحريرا، ويعتبرها خيرا، ويعتبرها نصرة، ويعتبرها مصلحة، ويبرر لها، ويقف معها، ويفعل معها كل شيء، يبرر يحارب يقاتل يفعل كل شيء.
وفي سياق التحذير من عودة الاحتلال البريطاني إلى الجنوب قال السيد عبد الملك الحوثي: إن ما يحدث اليوم من حالة استقطابية واسعة، من توجه لقوى سياسية كثيرة في هذا البلد، من توجه لكثير من الناس في صف الأجنبي، ومناصرة الأجنبي الذي يحتل بوضوح بلدنا في الجنوب وفي مناطق كثيرة كان نتاجا لتقصير في المرحلة الماضية، تقصير كبير في التثقيف في التعليم وفي الإعلام، وفي الاستراتيجية الشاملة التي يبنى عليها واقع البلد، حتى لا يكون قابلا لأي حالة احتلال، وحتى يكون عصيا بأكثر مما مضى أمام أي حالة احتلال.
وأضاف مخاطبا القوى التي آثرت أن تقف بصف الأجنبي المحتل اليوم: عودوا إلى التاريخ قليلا، والزمن لا يبعد كثيرا، يعني نحن اليوم لا نتحدث عن أحداث تاريخية بعضها لها أكثر من 1000 عام، هذا لا، هذا قريب العهد مقارنة بأحداث تاريخية بعيدة، قريب العهد، ما الذي تختلفون اليوم فيه عن أولئك الذين وقفوا مع البريطاني، كل القوى التي هي اليوم في صف الإماراتي تحت راية الأمريكي، في صف السعودي تحت راية الأمريكي، ما الذي تختلفون فيه اليوم عمن وقفوا بصف البريطاني وأنتم اليوم تلعنونهم ويلعنهم التاريخ، تعتبرون فعلهم خيانة، ويسجل التاريخ عليه أنهم خانوا بلدهم، وخانوا شعبهم، وخانوا أمتهم، ما الذي تفرقون به عنهم، ما الذي تختلفون به عنهم، أنتم فعلتهم نفس الذي فعلوه، وأنتم اليوم في نفس الموقع، بنفس التصرف، بنفس التوجه، نفس السلوك، أنتم في موقع الخيانة والاشتباه، مهما حشدتهم أو قدمتم من تبريرات زائفة، لا تبرر للإنسان أن يخون بلده، وأن يقف بصف الأجنبي، خلافات داخلية، مشاكل داخلية، خلافات سياسية، أي مسائل مهما كانت، ليست مبررا صحيحا وسليما لأن تقف مع الأجنبي ليحتل بلدك ويحتل أرضك ويستعمرك ويتحكم بك”.
وقال متسائلا: ما الذي يحدث في الجنوب مثلا؟ استعمار بكل ما تعنيه الكلمة، سيطرة على البشر، وتحكم بهم، ومصادرة لقرارهم، ما هناك أحد في الجنوب ولا هناك أحد ممن هم في صف العدوان من عند عبد ربه إلى أطرف شخص ممن هم في صف العدوان له قرار حرّ فوق قرار الإماراتي أو فوق قرار السعودي في بلده أو في شأنه، هل يمتلك عبد ربه أن يتخذ قراراً وله صلاحية فوق الإماراتي وفوق السعودي، فيما يعني عدن أو يعني الجنوب في أي منطقة من الجنوب، أو يعني الشمال في منطقة من مناطق الشمال؟ لا. فمعناه أنك مستعمر مستعبد، مصادر القرار لست حرا لا تعيش حريتك، القرار فيك في أمر بلدك في كل شأنك بيد ذلك الأجنبي المعادي الذي أتي وارتكب أبشع الجرائم وفعل الفضائع والقبائح والشنائع، واحتل الأرض .
وأضاف: المسألة مسألة احتلال ومصادرة قرار وسلب حرية، نهب ثروة، بدأوا بنهب الثروات، بدأوا يدخلون في عقود هي أشبه ما يكون بصكوك بيع على المناطق التي تتواجد فيها ثروات مهمة، بدأوا بعمل قواعد عسكرية في المناطق الاسترتيجية والمهمة والحساسة، ومنها جزيرة ميون، بدأوا بالاستحواذ على سقطرى، وهكذا يفعلون، الهدف هو السيطرة على المواقع والأماكن والمناطق الاستراتيجية.
وحول ما يجب على اليمنيين عمله إزاء الاحتلال البريطاني، قال السيد عبد الملك بدر الدين الحوثي: أمام هذا الواقع واستذكارا لثورة 14 أكتوبر يجب أن نعي كشعب يمني أن علينا أن نعزز ثقافة الحرية والاستقلال والروح الوطنية المسؤولة، والوعي تجاه خطورة الأجنبي وأطماعه وأهدافه وما يترتب عليه، النتيجة التي وصل إليها الناس فيما مضى أيام الاحتلال البريطاني والتي في الأخير تعممت وانتشرت بشكل كبير ضرورة التحرر، وأنه لا يمكن أن يطيق الجميع حالة الإذعان والاستسلام لهذا الأجنبي، ولاحظوا اليوم كم تحتل هذه المسألة من المنهج المدرسي، مع أن فيها ما يفيد جدا، مثلا: مسألة الاعتقالات أيام البريطاني وما كان يفعله أيام الاعتقالات، ويمارس أبشع أنواع التعذيب، جرائم القتل والإبادة للمزارعين ولسكان المدن، وما فعله سواء في هجماته الجوية أو البرية، وغير ذلك، يعني أشياء كثيرة جدا، يفترض أن يهتم بها الإعلام اليوم.
مبرر الاحتلال الأطول في التاريخ
وبالعودة إلى الحديث عن ذرائع الماضي التي اتخذتها بريطانيا لتبرير هجومها البحري والبري على مدينة عدن واحتلالها بعد ذلك للمحافظات الجنوبية والشرقية، يقول المؤلف والباحث جاد طه في كتابه سياسة بريطانيا في البحر الأحمر وجنوب اليمن: إن حادثة غرق السفينة الهندية (داريا دولت) التي ارتبط ذكرها تاريخيا باحتلال عدن، رغم أنها لم تكن من السفن العملاقة ذات الحمولات الضخمة، بل كانت سفينة شراعية لا تحمل أكثر من ٢٢٥ طناً، وتملكها الهندية المسلمة (البيجوم احمد أم النساء) وكان ربانها (سيد نور الدين) مواطن هندي مسلم، وقد شحنت تلك السفينة بمعرفة تاجر عربي (فريد انسوف)، وكان على متن تلك السفينة عشرة مسافرين إلى ميناء جدة لأداء فريضة الحج، أبحرت السفينة ميناء (البي)، وأخذت حمولة إضافية.. وسبعة عشر راكبا من بينهم بعض السيدات.. وفي ميناء قشن في حضرموت، أخذت حمولة إضافية أخرى، مما جعل حمولتها تزيد عن الحد المقرر لها.
وأضاف طه: اتجهت السفينة بعد نحو ميناء جدة، غير أنها جنحت إلى ساحل أبين على بعد ٦ أميال شرقي عدن، وهناك ارتطمت بصخور الساحل في الساعة الثالثة صبيحة ١٤ رمضان ١٢٥١ هجرية الموافق ١٨فبراير ١٨٣٧م.. وعندما أخفق طاقم السفينة المكون من ضابطين واثنين وعشرين بحارا في إنقاذها، غادروها في أحد زوارق الإنقاذ، ولكنهم غرقوا جميعا”..
عند هذه النهاية لا مشكلة لدى الاستعمار البريطاني الذي كان حينها يبسط سيطرته على موانئ الهند وسيرلنكا وما اتصل بها، المشكلة بدأت، عقب محاولات سلطات عدن ممثلة بالسلطان محسن فضل العبدلي في إنقاذ السفينة..
ورغم إعلان سلطات عدن الذي دون في الوثائق التاريخية الذي يفيد بأنها سعت لإنقاذ السفينة واتخاذ التدابير الرسمية والمتعارف عليها وفي حدود إمكانياتها.. إلا أن الاستعمار البريطاني بدأ ينسج المكائد والشائعات بأن سلطات عدن وما جاورها نهبت السفينة وتقاسم ابن السلطان وأعوانه ومالك السفينة حمولتها من البضائع.
المهم سارت الشائعات التي حبكها الإنجليز وفق سياق يعكس همجية وتجاوز لحقوق الإنسان وأعراف البحار، ويجب على بريطانيا العظمى محاسبة سلطات عدن، وهي مجرد أباطيل وتضليل لإلباس سلطات عدن تهمة المخالفة للقوانين، ما دفع حاكم المستعمرة البريطانية بومباي (روبرت غرانيت) أن يراسل السلطات البريطانية قائلا: “يجب على الأقل أن لا تضيع الفرصة المتاحة لنا. التي سنحت نتيجة المعاملة الجسيمة والشائنة التي تعرضت لها سفينة تسير تحت ظل العلم البريطاني من قبل سلطان تافه في هذا المكان”.. مطالبا بضرورة معاقبة السلطان العبدلي بإجباره على القبول بتأسيس مستودع فحم في مينائه – يقصد طبعا ميناء عدن – بشروط ميسرة”.
وتعالت الأصوات التي تتحكم بها بريطانيا في تحميل السلطات الحاكمة في عدن المسؤولية، وتعرضت تلك السلطات لهجوم عنيف غابت عنه ابسط مقومات الدبلوماسية ويتهمون بأنه لصوص وقراصنة (على زعم الرواية البريطانية).
بل ويجعل من حادث غرق السفينة دوريا دولت ذريعة لاحتلال عدن واستعمار وإذلال أهلها ..فهذا أمر جائر لا يقبله شرع ولا عرف ولا قانون في الدنيا ( إلا في المنطق البريطاني ) ..
وقد أورد وقد ذكر الدكتور سلطان القاسمي في كتابه “الاحتلال البريطاني لعدن”قولا لـ” الادميرال مالكوم: جميع البضائع قد أصبحت غنيمة لسلطان لحج أو شعبه.. لقد كان سلوك هذا السلطان سلوكاً بربرياً على طول الخط .. مضيفا: إن انتهاكا كهذا، يستدعي عقوبة على نفس المستوى ، ويستحق السلطان التشهير به كقرصان، وإنني أتساءل: لماذا لا يكون ذلك مبررا لاحتلال مدينة ومرفأ عدن.. ؟
كانت هذه هي العقلية البريطانية الاستعمارية المتغطرسة .. منطق القوي الغاشم الذي لا يرى أمامه إلا مصالحه فقط، وليذهب الآخرون إلى الجحيم، وبعد هذه الأرضية التنازعية وهما بدأت المساعي والبريطانية باستعدادات الهجوم على عدن حتى احتلالها صبيحة 19 يناير 1839م، ولكي تخمد المقاومة التي حدثت بين فترة وأخرى ارتكبت الهمجية البريطانية أبشع المجازر بحق اليمنيين الأحرار، ومن بقى تحت سلطتها ومن وقفوا معها وبرروا جرائمها جعلتهم فرقا متناحرة استدامت ثاراتها إلى اليوم، حتى بعد خروجها من عدن.
الحاضر وصناعة المقدمات
اليوم وبحجة تعقب مهاجمي ناقلة النفط الإسرائيلية «ميرسر ستريت» في الـ30 من يوليو 2021، شمال شرق ميناء الدقم العماني، التي تداولت وسائل الإعلام العالمية خبراً زائفا حول تعرضها لهجوم بطائرة مسيرة، أثناء عودتها من تنزانيا إلى الإمارات، وصلت إلى ميناء الغيظة قوات بريطانية تتجاوز الـ100 جندي بريطانيا..
ولم يأْتِ هذا الخبر فجأة، فقد روّجت بريطانيا مؤخراً بشكل مكثّف لحوادث تعرّضت لها سفنٌ في سواحل اليمن الشرقية، هيئة عمليّات التجارة البحرية البريطانية نشرت أخبارا عن تعرُّض سفينة شحن تجارية لهجمات قرب ميناء المكلا، من دون أن تُقدّم دليلاً على ذلك. وفي الخامس من كانون الأول 2020، قالت شركة «أمبري إنتيلجانس» الاستخباراتية البريطانية البحرية أن سفينة شحنٍ ترفع علم سيراليون، وتحمل اسم «حسن»، تعرّضت لهجوم إرهابي في سواحل قشن في محافظة المهرة، عندما كانت في طريقها إلى ميناء صلالة في سلطنة عمان. واللّافت، في كلّ تلك الحوادث، أنّه دائماً ما يُعلَن عقب الإفادة عنها أنّ السفينة وطاقمها بخير، ولم يصابا بأيّ أذى ما أدى إلى تشكيك واسع في الحوادث، تلافته بريطانيا في خبر تعرض سفينة شحن صهيونية في بحر عمان لهجوم قالت إن شخصين قتلا لم تعلن عن الأسماء ولا عن صور القتلى.
المطارات.. ومقدمات الاحتلال
الأهم في وصول القوات البريطانية إلى مطار الغيظة بالذات هو مسار سيطرة أدوات بريطانيا (الإمارات والسعودية) على مطارات المناطق المحتلة والتحكم بها تحويلها إلى معسكرات واحدة من أهم المقدمات لعودة بريطانيا إلى جنوب اليمن، ولعل الأهم والأبرز في ذلك سيطرة القوات الإماراتية والسعودية على مطار الغيظة بمحافظة المهرة منذ بداية الحرب والحصار، بذريعة تأمين المحافظة والمطار من أن تصل إليه قوات أنصار الله (الانقلابية حسب تعبير المرتزقة الذين انطلت عليهم الحيلة البريطانية)، وبعد رفض واسع لممارسات الإمارات داخل المهرة انسحبت القوات الإماراتية، وعلى شكل يشي بأنه مدروس بعناية، حيث حلت مكانها قوات تابعة للسعودية (الأكثر خدمة وعلاقة بالديوان الملكي البريطاني) وعبر الأعمال الإغاثية وتحت مبرر مكافحة التهريب عززت السعودية قواتها في المهرة، وجعلت من المطار نافذة لها في التواصل الخارجي، ومقرا لقواتها العسكرية، رغم الأهمية الحيوية التي يمثلها المطار لسكان المحافظة البعيدة عن المدن اليمنية الكبرى..
كانت تلك المقدمات والإجراءات في عسكرة المطار إحدى أهم المقدمات لتهيئة لاستقبال الدفعة الأولى من القوات البريطانية التي جاءت لملاحقة المتسببين في الهجوم على سفينة “ميرسير ستريت” الإسرائيلية” قبالة سواحل عمان، وهو ما أعاد إلى ذاكرة الناس الذرائع التي اختلقها البريطانيون للسيطرة على عدن في 1838م.
مطار الغيظة ليس وحده قامت تحالف العدوان والحصار بالسيطرة عليه وفق الذرائع المذكورة فالقوات الإماراتية فرضت سيطرتها في أبريل 2016م مطار الريان في عاصمة حضرموت المكلا، تحت شعار محاربة تنظيم القاعدة التي سيطرت على محافظة حضرموت لمدة عامين، وفي عملية عسكرية انتهت بتسوية غامضة مع التنظيم أفضت لرحيل عناصره من المدينة.
الأهم من ذلك أن المطار تحول إلى قاعدة عسكرية إماراتية وسجون سرية للاعتقال والتعذيب لمعارضيها، وسط تجاهل لكل المطالبات الشعبية بإعادة فتح المطار، وفي يناير الماضي كشفت وسائل الإعلام عن اتفاق بين سلطات المحافظة المحسوبة على الفار هادي وبين أبو ظبي اتفاقية تمنح شركة الاتحاد للطيران الإماراتية، حق احتكار النشاط الملاحي.
أما مطار جزيرة سقطرى الدولي والوحيد في محافظة الارخبيل، فقد وصلت إليه قوات الإمارات بحجة تقديم العون الإنساني والإغاثي للسكان، خاصة بعد الإعصار الذي ضرب المحيط الهندي وطال أرخبيل سقطرى في العام 2016م، ومنذ اللحظة سعت إلى تحويله تدريجيا من منشأة اقتصادية ومدنية إلى معسكر استقدمت إليه سرايا الجنود عبر طائرتها الخاصة في 2017م..
أخيرا
وبهذه الآلية من السيطرة على المطارات الرئيسة في المناطق المحتلة، يكون التحالف قد هيأ المجال واسعا لعودة الاحتلال البريطاني، لكن في الوقت نفسه شكل المجريات الأخيرة لفصل عدوان التحالف السعودي الإماراتي ومرتزقته على اليمن، وأنه بداية نهاية دور المرتزقة والتحالف من مشهد المسرحية التي طالت الشعب اليمني، لكن السؤال الأهم هو: هل هذا بداية حتمية لإعادة صياغة معادلة التاريخ وحقائقه الثابتة، بكينونة اليمن مقبرة للغزاة عبر التاريخ.؟ وهو ما ستجيب عنه الأحداث المستقبلية.

قد يعجبك ايضا