القضية الفلسطينية من منظور المقاومة اليمنية

نايف القانص

 

 

علاقة اليمن بفلسطين علاقة تاريخية عبر الزمن، فعهد النبي سليمان عليه السلام والملكة بلقيس لم يكن بداية تلك العلاقة، لكنه عمَّقَها بالحب والسلام والتاريخ والقيم التي توارثتها الأجيال.. وتكونت منها القبائل المرتبطة بعضها ببعض ارتباطاً وثيقاً ومتداخلاً، ورغم اشتداد العدوان على اليمن وتكالبِ الأعرابِ مع الصهيونية والقوى الإمبريالية بقيادة أمريكا وبريطانيا لتدمير اليمن وطيلة سبع سنوات…، كل ذلك لم يغيرٍّ الموقف اليمني تجاه فلسطين، بل على العكس، زادهم يقيناً بأنهم في الموقف الصحيح، وما خروج الملايين تحت قصف الطيران في كل مناسبة تخص فلسطين إلا دليلٌ قاطعٌ على أن هناك ما هو أكثر من كل ما ذكر يشد اليمن واليمنيين نحو فلسطين والعكس.
الوحدة اليمنية وتغيير مسار الصراع في المنطقة
منذ قيام الوحدة اليمنية في يوم 22 مايو 1990م واليمن لم ينعم بالاستقرار السياسي، وكأن الوحدة شكلت لعنة عليه، وليست ذلك الحلم الجميل الذي راود الأجيال وتغنى بها الفنانون اليمنيون والعرب وأنشدت وهللت الجماهيرُ العربيةُ لها من المحيطِ إلى الخليج، وابتهجت مع اليمنيين بوحدتهم المباركة التي ستشكل رافعة سياسية واقتصادية وتنموية ونضالية في تاريخ اليمن والأمة العربية، وتعززُ المواقف العربية الصلبة تجاه القضية الفلسطينية خصوصاً أن قيامها أتى بعد انتهاء الحرب المفتعلة بين العراق وإيران، تلك الحرب التي دعمتها دول الخليج وأمريكا مالياً وعسكرياً وبتأييد عربي كامل باستثناء سوريا، هذه الوحدة حتماً ستشكل خطورة على الدول (الوظيفية) التي جاء قيامُها ضمن مخطط تفتيتي حسب ما رسمتهُ اتفاقية “سايكس بيكو” ، فانفرادُ بريطانيا بالجزيرة العربية ساعدها على تأسيس تلك الدول التي ستلعب الدور الأمثل في تحقيقِ وتنفيذِ “وعد بلفور” وحمايتهِ، وهو ما حدث بالفعل بتقديم صكِّ الاعترافِ من عبدالعزيز بن سعود بتلك الوثيقة التي لا يَخفى على أحدٍ تنازلَهُ فيها عن فلسطين لمن أسماهُم “المساكينَ اليَهود”..
لقد واكب قيامُ الوحدةِ اليمنية تعدديةً سياسيةً وانتخاباتٍ ديموقراطيةً لشعبٍ يمتلكُ إرثاً تاريخياً في الديموقراطية والشورى منذُ عهد بلقيس ملكةِ سبأ عندما قالت لقومها (ما كنتُ قاطعةً أمراً حتى تشهدون) إضافةً إلى وجودِ عواملَ القوةِ البشريةِ والثرواتِ المعدنيةِ والنفطيةِ والزراعيةِ والموقعِ الجغرافيِّ الهام الذي يتَحَكَّمُ في أهم المضايق المائية والشواطئ الممتدةِ من البحر العربي إلى البحر الأحمرِ والمحيطِ الهندي في سواحل جزيرة سقطرى..
بعد قيام الوحدة اليمنية، أجريت أوَّلُ انتخاباتٍ برلمانيةٍ في اليمن عام ١٩٩٣م، وكانت الانتخاباتُ ناجحةً وشفافةً إلى حدٍ كبير، الأمرُ الذي لم يعجبِ السعودية التي حاولت الاستعانةَ بالأمريكان لمساعدتهم من أجل الخروج من “مأزق خطر” الديمقراطية في اليمن، حيث توجه ديفد ماك الى صنعاء وقال « من المهم أن تتذكروا أنه لا توجد دولة في العالم تملك مخططا للديمقراطية لدولة أخرى.. لذلك لا تنظروا إلى ما تفعلونه هنا كمثال للدول الأخرى»، كان الأميركيون يشيرون للسعودية التي لم يعجبها نجاحُ الانتخابات..
لم يكن لدى السعودية -ومن خلفها دولٌ عالمية أخرى- خيار إلا تأجيجَ الصراعات الداخلية والمضيَ نحو التشجيع على الانفصال من جديد، حيث لعبت على ورقة نتائج الانتخابات وساعدها في ذلك وجود أذرعٍ لها ومكونات سياسية على رأس الدولة لتغذية الخلافات بين شركاء الحكم وقيام الوحدة، فأُقصيَ الشريكُ الأساسيُّ ( الحزب الاشتراكي اليمني) وقد حاولت السعودية استعمال عملائها القبليين ضد الوحدة وعلى راسهم الشيخ عبد الله بن حسين الأحمر الذي كان معادياً للوحدة سابقا وبقيَ على تحالفه مع الرئيس علي عبد الله صالح …ومن خلال ذاك التحالف وعبر حزب الإصلاح أيضا لعبت الدور الأسوأ بواسطة العناصر الإرهابية التي تم استقدامُها من افغانستان للمشاركة في الحرب وإصدار فتوى تعتبرُ الجنوبيين ملحدين وكفرة وتعتبرُ جهادَهم واجباً، مُعَمِّقَةً الكراهية بين أبناء الجنوب ضد أبناء الشمال، وفي نفس الوقت دعمت السعوديةُ علي سالم البيض بالأموال والأسلحة لينتهي ذاك الدعم بهروبه من البلاد وانتصار صنعاء التي أعادت السيطرة على عدن في 7 يوليو 1994م، ما تسبب في تذمرٍ وعداءٍ للوحدة خصوصا بعد ممارسة الفيد والنهب والإقصاء والتهميش في حق أبناء الجنوب من قبل المنتصرين “حزبا المؤتمر الشعبي العام والتجمع اليمني للإصلاح (الإخوان المسلمين)” الذي أصبح اليد القوية للسعودية في اليمن وخاصة من خلال الجناح القبلي الممثل بالشيخ عبدالله الأحمر والجناح العسكري الممثل بالجنرال علي محسن..
قيام الوحدة اليمنية جاء مع شبه استقرارٍ في المنطقة بعد انتهاء الحرب العراقية الإيرانية، ما جعله يشكل أيضا خطراً على أمن واستقرار الكيان الصهيوني خاصة أن إيران دولة معادية للصهيونية ولها تحالف مع سوريا، إيران التي ستستعيدُ عافيتَها بشكل سريع بعد أن أصبحت المنطقة خالية من الحروب والصراعات إذ لم يبقَ أمام إيران إلا عدو واحد هو العدو المغتصبُ لفلسطين، فتم افتعالُ الخلاف العراقي الكويتي لينتهي بغزو العراقِ للكويت، وهنا كان لليمن موقفٌ سلبي من هذا الغزو، حيث أيد العراق وهو ما أثر أيضاً على الوحدة اليمنية ودعم استقرارها، فكانت الهدف المباشر للتآمر عليها ودعم الانفصال وتغذية الحروب والصراعات المستمرة إلى يومنا هذا، فكُلَّما حاولت اليمن الخروجَ من الوصاية واستثمارَ مواردها وظفت السعوديةُ كل طاقاتها لإفشال ذلك..
ثورة 21 سبتمبر ٢٠١٤م …إسقاط الوصاية وارتفاع راية المقاومة
لا يمكنُ فصلُ ما جرى في سبتمبر 2014م عن السياق السياسي الذي عاشته اليمن في مرحلة ما بعد 1962م، عملياتُ إقصاء وتهميش شريحة كبيرة من الشعب اليمني باسم “ثورة 1962م″، والحرمانُ الذي فُرض على مناطق معينة باسم الثورة، ولا يمكن فصل ما جرى أيضاً في يوليو 1994م من إقصاء وتهميش وتصفية حسابات، ولا يمكن إبعاد الأحداث عن واقع استعداء المكونات في الداخل التي مارسها النظام السياسي بعد مرحلة “الوحدة اليمنية”، وبعد حروب صعدة (2004-2010م)، ولا فصل بين الحدث وبين الخيبة التي مُني بها اليمنيون في مرحلة ما بعد فبراير 2011م.
لقد كانت “21 سبتمبر 2014م” نتيجةَ كل هذا السياق، وثمرةَ نضالات متراكمة، واستجابةً صادقة من كل أبناء الشعب اليمني لدعوة قائد الثورة السيد عبد الملك بدر الدين الحوثي إلى الانتفاض ضد الهيمنة وإسقاطها لاستعادة الكرامة اليمنية، ولا ننسى الدورُ الأكبرُ للتحالفات التي تكونت قبل الانتفاضة بين عدد من القوى السياسية وأنصار الله، وعلى رأس تلك القوى حزب البعث العربي الاشتراكي الذي سخَّر مقراته وكل إمكانياته لمواجهة مشروع الهيمنة وأخونة الدولة، فانطلقت من داخل مقراته ثورة 11 -فبراير( ثورة ضد الفساد) التي كانت النواة الأساسية لثورة 21 سبتمبر.
اليمن ومحور المقاومة
لقد انكشفت المخططات وتعرَّى ربيع الصهيونية وكانت سوريا نموذجاً لفضح ذلك الربيع الزائف المدعوم من قبل قوى الرجعية العربية ومن خلفهم الكيان الصهيوني ودولُ الغرب وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية عندما استجلبت كل قوى الإرهاب العالمية للزج بها إلى سوريا التي خاضت حرباً عالميةً وواجهت أكثر من ثمانين دولة وكل مجرمي الإرهاب العالمي وليس لسوريا ذنبٌ سوى رفضها سياسة الإذلال والهيمنة والتسليم لقوى الاستكبار العالمي والتخلي عن القضية الفلسطينية والتسليم لسياسة المحتل وعمل تسوية مذلة تحقق للكيان الصهيوني الأمن والاستقرار..
لقد دفعت سوريا ثمن موقفها نيابة عن العرب بل عن الإنسانية جمعاء، فلولا سورية لكان الإرهابُ اليوم مسيطراً على ثلث الكرة الأرضية..
ومثلما دفعت سوريا الثمن، اليمن أيضا تدفع الثمن، ورغم فداحة هذا الثمن إلا أنه رخيص مقابل العزة والكرامة وتحرير الأرض والإنسان.. لقد وجدت اليمن نفسها جزءاً لا يتجزأ من محور المقاومة الذي يرى نقطة ارتكازه في فلسطين وقوته في سوريا ولبنان والعراق وقيادته في إيران تلك الجمهورية الإسلامية الأولى في العالم المبادرة منذ أول يوم من قيامها بوضع بوصلتها باتجاه فلسطين، وقامت بإغلاق ومصادرة سفارة الكيان الصهيوني بل وتسليمها للدولة الفلسطينية لتصبح سفارة فلسطين.. هكذا ترى المقاومة اليمنية القضية الفلسطينية والتي أكدتها ثورة سبتمبر وهو موقف ثابت ومتناغم مع الفكر القومي لمنبع العروبة الأول اليمن.
القضية الفلسطينية هي قضية اليمن الأولى
القضية المركزية والأم تمثل القضية الفلسطينية بالنسبة لليمنيين، هكذا أثبتت المواقف المتكررة للقوى في صنعاء والقاعدة الشعبية العامة، بل يعتبر كثيرون أن المؤامرة على اليمن قد تكون نتيجة موقفه الثابت تجاه القضية الفلسطينية ومناصرته لها واعتبار الكيان الصهيوني العدو الحقيقي للأمة، وكونه أصبح جزءاً من محور المقاومة ومواجهة المشروع الصهيوأمريكي في المنطقة وأدواته المتعددة، فانتصار اليمن- برأي كثيرين- سيكون مردوده الإيجابي على حركات المقاومة في المنطقة، بشكل عام والقضية الفلسطينية بشكل خاص من منطلق الموقف الرسمي والشعبي الذي يؤكد دائما على حق البلدان العربية والإسلامية في تحرير كل الأراضي المقدسة ومواجهة كل مشاريع الهيمنة وإملاءات ووصاية قوى الاستكبار العالمي..
مع كل منعطف وتحول في القضية الفلسطينية على مر السنوات كان للشعب اليمني حضوره المساندَ والداعمَ لفلسطين، ومؤخراً تكثف هذا الحضور مع تغير الخارطة السياسية اليمنية بعد سيطرة قوى ثورة 21 سبتمبر المعروفة برفضها القاطع للممارسات والسياسات الأمريكية والصهيونية والأنظمة الرجعية العربية التي تريد حرف بوصلة العداء عن الكيان الصهيوني نحو عدو وهمي للأمة العربية (إيران) بما يخدم الكيان الصهيوني الغاصب..
اليمن وفلسطين مرحلة نضال وكفاح مشترك منذ أن وطأة أقدامُ الصهاينة أرض فلسطين، ففي مقال بعنوان (بين فلسطين واليمن شهداء وذكريات) تم نشره في وكالة الأنباء الفلسطينية بتاريخ 28/3/2016م ذكر الكاتب “يامن نوباني” أن عدد الشهداء اليمنيين الذين استشهدوا خلال مرحلة الثورة الفلسطينية بلغ ألف شهيد، منهم 21 شهيداً سقطوا في حرب 1948م – بحسب مركز المعلومات الفلسطيني ، ومن أبرز أولئك الشهداء الذين استشهدوا خلال مرحلة الكفاح الفلسطيني الشهيدان: محمد حسين الشميري ، وعبدالرؤوف عبدالسلام بطلا عملية الساحل التي نفذتها حركة فتح في مارس 1978م..
وفي حرب أكتوبر 1973م كان الشعب اليمني حاضراً بعملية جهادية كسرت أسطورة الطيران الصهيوني، وذلك بما قام به الملازم طيار “عمر غيلان الشرجبي” الذي تطوع في الجيش العربي السوري، عندما قام بقصف مصافي حيفا، والانقضاض على طائرة صهيونية نوع فانتوم وتحطيمها، ثم قصف موقع التموين العسكري في طبرية ليلقى الله شهيداً بعد ذلك، وتكريماً له فقد تم منحه وسام الدرجة الأولى من قبل الرئيس السابق حافظ الأسد، إضافة إلى إقامة نصب تذكاري تخليداً له في أحد أكبر شوارع دمشق.. وحينما اجتاحت القوات الصهيونية لبنان في عام 1982م كانت اليمن من الدول التي أرسلت الآلاف من المتطوعين للجهاد في لبنان، والدفاع عنه، واسترداد ما سلبه العدو من الأراضي الفلسطينية، ولقد منحت الدولة اليمنية في ذلك الحين الشهداء الذين سقطوا في تلكم المعارك امتيازات شهداء الوطن..
نحن اليوم أمام محور مقاوم يستمد قوته من قاعدة جماهيرية عربية تواجه الخذلان في أغلبية الأقطار العربية نتيجة مواقف الأنظمة العربية التي تهرول نحو التطبيع، لذلك استهدفت الأنظمة العربية التي تلبي مواقفها مواقف الجماهير العربية التي ترى القضية الفلسطينية قضيتها الأولى، وعوقبت الأنظمة مع شعوبها كما حدث هنا في سوريا وكما يحدث في اليمن وما يتعرض له لبنان من عقاب نتيجة عدم تخليه عن المقاومة والتفافه الشعبي مع حزب الله والقوى الرافضة للاستسلام للرغبات الغربية وقوى الرجعية العربية وما يتعرض له العراق من دمار منذ 1990م وكذلك حصار الجمهورية الإسلامية الرافد الأقوى لمحور المقاومة.
من محاضرة لسفير اليمن السابق في سوريا/ نايف القانص- رئيس مكتب الاتصال القومي- لحزب البعث العربي الاشتراكي -الأمين القطري المساعد – اليمن.
القيت في المركز الثقافي العربي السوري – 22 مايو 2021م.

قد يعجبك ايضا