اليمنيون وفرصتهم في الحضارة الإيمانية

د. حمود عبدالله الأهنومي

 

 

محاضرة اقتصادية نهضوية حضارية قرآنية رائعة سمعناها الليلة الماضية من ذلك القائد العظيم الذي بتنا نفاخر بعلمه وإدارته وحكمته وسداده العالمين، ونقول لهم: أيكم له قائد كهذا؟.
غير أن ما أريد أن أقوله هو أن نشكر الله على نعمة هذه القيادة التي لم تتوفر إلا في أحايين نادرة في تاريخ اليمن، وشكر الله يقتضي منا مزيدا من العمل الجاد والتحرك الحثيث في ترجمة تلك المحاضرات والتوجيهات إلى واقع عملي.
هناك حضارات برزت إلى الوجود الإنساني قديما وحديثا، وقطعا كان لهذه الحضارات رواد ومؤسسون وقادة عظماء استطاعوا نقل أممهم إلى مراحل متقدمة، لكن كثيرا من هذه الحضارات لم تكتمل فيها الجوانب الهامة والأساسية، وكثيرا ما فرطت في أهم عناصرها، وهو الإنسان.
وما يعيب الحضارة الغربية اليوم هو أنها حضارة مادية جافة لا روح فيها ولا أخلاق ولا قيم، وكثيرا ما أفرزت تدميرا وسحقا لإنسان هذا العصر، وهذا لا يعني التقليل مما وصلت إليه في المجال التقني والتكنولوجي والتصنيع في مختلف المجالات، بل التنبيه إلى الخلل الذي يرافق هذه الحضارة منذ نشأتها، وبذور الانهيار التي تحملها معها.
كثير من المفكرين والفلاسفة المعاصرين لما أمعنوا النظر في إفرازات هذه الحضارة المادية، الأخلاقية والقيمية والاجتماعية، وجدوا خللا كبيرا وخطرا عظيما، وأول تلك المخاطر أن الإنسان تحول فيها إلى سلعة يقيّم بقدر إنتاجه، ولا اعتبار لإنسانيته أيا كانت، وبالتالي فهي حضارة جزئية في شكلها التقني والمادي فقط.
لقد تفضل الله علينا بأن منّ علينا بقيادة عظيمة وعبقرية، تتحدَّث عن الحضارة والنهضة بوعي عالٍ، وإدراك حصيف، ورؤية شاملة، لأسبابها، وظروفها، وآليات الوصول إليها، وعوامل بقائها واستمراريتها، ويلاحظ أي متابع أن السيد القائد حين يتحدَّث عن هذه المواضيع يتحدَّث عنها من واقع معرفي كبير، وحين يرسل كلماته فيها كأنه يتحدث من صفحة رؤيته الواسعة والعميقة والتي مخضت الأحداث والرؤى مخض السقاء.
وعليه فنحن في اليمن على موعد مع النهضة والحضارة بإذن الله، وكثيرا ما نسمع السّيد القائد وهو يتحدَّث عن «الحضارة الإيمانية»، وفي محاضرة الليلة الماضية، ليلة الثالث والعشرين من رمضان 1442هـ، صوَّب -سلام الله عليه- رميته إلى الأسباب التي جعلت بعض الدول غنية وصناعية أو نامية وبعضها فقيرة أو تحت خط الفقر، وأوضح أن المسألة ليست متعلقة بالموارد الأساسية وكثرتها عند الدول الصناعية والنامية، وقلتها أو انعدامها عند الفقراء، بل المسألة تتعلق بحسن استخدام وإدارة هذه الموارد، أي أننا بحاجة إلى رجال يحسنون استخدام الموارد وإدارتها بالشكل الصحيح.
كل الحضارات التي نشأت وُجِدَ فيها القائد العبقري الشجاع، والمنهجية التي تضع الأمة على خطوط التحرك واختراق المراحل، والأمة المتفاعلة مع هذه القيادة وهذه المنهجية بشكل عملي، تقودها النخبة التي تعتبر خلاصة لتلك الأمة، وتتحرك باعتبارها نماذج متكررة من ذلك القائد العبقري تسعى في تطبيق توجيهاته والتفاعل معها على أحسن وجه.
اليوم في اليمن لدينا القيادة العبقرية التي لم تتكرر في التاريخ إلا في أحيان نادرة، ولدينا المنهجية النظرية، وهي منهجية القرآن الكريم، وهي منهجية ثبت ماضيا وحاضرا أنها منهجية قادرة على صنع التحولات الكبرى في تاريخ أمتنا، وليس هناك أوثق من وعود الله لنا في القرآن الكريم أننا عند التزامنا بتلك المنهجية فإن الرخاء والعزة والقوة والهداية والتمكين في الأرض (وهي الحضارة الإيمانية) هي النتيجة الطبيعية التي يجب أن نصل إليها.
أما الضلع الثالث من أضلاع هذا المثلث الذهبي، وهو الأمة ونخبتها القادرة على ترجمة تلك المنهجية إلى واقع تطبيقي وعملي، فهذا ما يجب أن نعيه أولا، ونسعى إلى صناعته ثانيا.
لا تكفي المنهجية الرائعة والصائبة والقيادة العبقرية في صناعة معجزة الحضارة، بل لا بد من وجود الأمة المتفاعلة ونخبتها التي تستطيع أن تصنع انسجاما كاملا بين النظرية والتطبيق، وبين الشعار والسلوك، فقد وُجِد أعلام هدى على مر التاريخ، وكانوا يتحركون على أساس القرآن، ولكنهم اصطدموا بواقع الأمة الذي لم يكن بمستوى أولئك الأعلام وتوجهاتهم، فأصابوهم بالفشل، وأنزلوا بهم مُرَّ الهزائم.
والحقيقة التي نشاهدها اليوم في اليمن أن هناك أمة عظيمة، وهناك نخبة تقود تلك الأمة، رجالا ونساء، رأينا معجزاتهم في الانتصارات العسكرية، وفي الإنجازات العسكرية، والاقتصادية، والثقافية، والاجتماعية، والسياسية، والإدارية، وغيرها، وأبرز مثال لتلك النخبة هو الرئيس الشهيد الصماد، وذلك الصف الطويل من القادة العظماء ممن قضوا نحبهم، وممن لا زالوا ينتظرون على نفس الخط يؤدون أدوارهم العظيمة في قيادة هذه الأمة في مختلف المجالات.
هذه النخبة ستكون في طريقها الصحيح ما دامت تعيش روحية القرآن والجهاد في سبيل الله والتضحية والإيثار وكل مبادئ وقيم المنهجية القرآنية، وما دامت بعيدة عن صناعة الأمجاد الشخصية، وحب السلطة، والبحث عن المناصب، وممارسة سلوكيات الفساد بأي شكل من أشكاله العديدة والمتنوعة.
نحن اليوم بحاجة إلى تعزيز حضور هذه النخبة الرائعة والمخلصة في مختلف الجبهات، ولا سيما تلك التي لا زالت تعاني من النقص، والقصور، والتقصير، وأبرز مثال على ذلك هو الجبهة الإدارية، فإذا حافظت النخبة المخلصة للمشروع الحضاري على نقائها وصفائها وإخلاصها، ولم يستهوها الكرسي الخطير، ولا الفراش الوثير، ولا المال الوفير، ولا المنصب الكبير، فإن الأمور لا زالت بخير في هذه الجبهة، التي أيضا ستضيف رصيدا كبيرا إلى الرصيد الضخم الذي نكتسبه يوميا من المجالات الأخرى.
لا يجوز أن تكسب أمتنا رصيدا ضخما من منهجها القرآني الرباني، وقيادتها العبقرية، ونخبتها المجاهدة في ميادين الحرب، فيتسرب شيء من ذلك الرصيد في كراسي الحكم، ومناصب السلطة، بل يجب الحفاظ على ذلك الرصيد كاملا ما أمكننا إلى ذلك سبيلاً.
رغم القصور والتقصير والأخطاء الكثيرة والفادحة التي تحدث يوميا فإنني متفائل إلى حد كبير في تجاوزها أو التقليل من حدوثها وآثارها وأضرارها؛ لأن منهجية القرآن التربوية، وأدبيات مسيرتنا الرائعة، وقيادتنا العبقرية المؤيَّدة من الله تعالى: ستعمل معا على الحد من ظهورها، وآثارها، ومخاطرها، وستعمل على تزويد المسيرة بعناصر وكوادر جديدة مخلصة لهذا المشروع، تحل محل تلك النخب التي عطبت، أو تعطلت، أو تساقطت في هذه الطريق، وكلما وُجِدَت النخبة القوية والقادرة والمؤهلة والكفؤة بشكل أقوى وأكثر وأكثف في مفاصل هذه المسيرة ارتفعت مستويات السرعة والإنجاز والتحقق.
إن النهاية الطبيعية أن هذه المنظومة معا ستصل بنا إلى مستوى عظيم من مستويات الحضارة الإيمانية في مدة قياسية، وسرعة غير معهودة، تسابق وتيرة السرعة عند الحضارات الأخرى التي لا تهتدي بهدى الله، ولا تنطلق من تعاليمه، ومثال التصنيع العسكري الذي قطع فيه اليمنيون مسافة شاسعة في غضون سنوات قليلة شاهدٌ على ذلك، وأظن ذلك لم يتحقق لكثير من الحضارات المادية، وأؤمن إيمانا عميقا بأن هناك تدخلا إلهيا، سَرَّع من وتيرة هذه النهضة التصنيعية، فتحقّقَ الناموس الإلهي، والسنة القرآنية، التي يقول الله عنها: (وَاتَّقُواْ اللّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللّهُ).
إذن نحن اليمنيين – بفضل الله وعونه – على موعد مع الحضارة الإيمانية في وقت قياسي يسابق الوقت الطبيعي عند الأمم الأخرى، لكن تحت شرط تكوين الأمة والنخبة المتقية لله، والمقيمة لتعاليمه في واقعها العملي ومسيرتها التطبيقية، قال تعالى: (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ)، وقال تعالى: (وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُواْ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيهِم مِّن رَّبِّهِمْ لأكَلُواْ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم).
فهل نحن جاهزون لنكون النخبة المخلصة والحاملة لهذا المشروع؟!

قد يعجبك ايضا