بالتزامن مع توقيع اتفاق السلم والشراكة

ثورة 21 سبتمبر جاءت بتغيير نوعي وقدمت أنموذجا مختلفاً للتصحيح والتغيير

 

إن ثورة 21 سبتمبر جاءت بتغيير نوعي جديد وقدمت أنموذجا مختلفاً للتصحيح والتغيير عما كان سائداً منذ قيام ثورتي السادس والعشرين من سبتمبر والرابع عشر من أكتوبر المجيدتين وما يزال البعض ممن في قلوبهم مرض وتحمل أنفسهم حقدا دفينا ضد من يختلفون معهم فكرا ومذهبا وينظرون إلى ثورة 21 سبتمبر الشعبية 2014م على أنها انقلاب وإلغاء للآخر متجاهلين حقيقة هذه الثورة التي جاءت أساساً مصححة لمسار الثورة الأم (سبتمبر وأكتوبر) والعمل على تحقيق أهدافها الوطنية التي تم إعلانها قبل أكثر من خمسين عاما ولم يكتب لها الترجمة الفعلية على ارض الواقع ، ومتجاهلين أيضاً حقيقة ما أتت به ثورة 21سبتمبر في نفس يوم قيامها من اتفاق للسلم والشراكة الوطنية الذي أبقى على عبدربه منصور هادي المنتهية شرعيته رئيسا للجمهورية وتضمن تشكيل حكومة شراكة تمثلت فيها كل الأطراف السياسية بمختلف تناقضاتها السياسية ما عدا مكون أنصار الله صاحب المصلحة الأولى في الثورة الشعبية حيث لم يشارك في الحكومة تجنبا لاتهامه بأنه استولى على السلطة بالقوة كما يحلو للبعض أن يقول .. إذاً فثورة 21 سبتمبر 2014م لم تقم ترفا بهدف خلط الأوراق السياسية في اليمن .. ولم تقم من اجل الاستحواذ على السلطة وإلغاء الآخر كما فعل الإخوان المسلمون فيما عرف بثورات الربيع العربي عام 2011م والتي تحولت إلى خريف مبكر..

الثورة / أحمد المالكي
ثورة 21 سبتمبر 2014م أملتها الظروف الموضوعية كضرورة حتمية من اجل إنقاذ شعب بأكمله من سيطرة الخارج على قراره السياسي والاقتصادي وحتى الاجتماعي وفرض الوصاية عليه وكأنه لم يشب بعد عن الطوق .. وفي نفس الوقت قامت ثورة 21 سبتمبر لتصحيح المسارات الثورية -كما أشرنا آنفا- مسار الثورة الأم (26 سبتمبر و 14 أكتوبر) التي تم الالتفاف على مبادئها وأهدافها العظيمة بعد أيام قليلة من قيامها لتتحول الساحة اليمنية بعد ذلك إلى ساحة صراع لتصفية حسابات إقليمية ودولية دفع اليمنيون ثمنها غاليا حتى اليوم .
مفارقات
ومن المفارقات الطيبة أن اليمنيين يحتفلون بالذكرى الخامسة لثورة 21 سبتمبر تزامنا مع احتفالهم بأعيادنا الوطنية المتمثلة في أعياد ثورتي 26 سبتمبرو14 أكتوبر وعيد الاستقلال المجيد الـ 30 من نوفمبر الذي يأتي وعدن الحبيبة تئن تحت وطأة الاحتلال وفي ظل ظروف صعبة ومعقدة يعيشها الشعب اليمني العظيم نتيجة عدوان آل سعود وحلفائهم عليه وهو ما يجعلنا نستذكر ما لثورة 21 سبتمبر من قيمة عظيمة أعادت الاعتبار للشعب اليمني وجعلته يستيقظ من سباته العميق الذي استمر أكثر من خمسين عاما وقراره السياسي رهن الخارج..
ولذلك فإن الزلزال الذي أحدثته ثورة 21 سبتمبر التي رفعت شعار «التحرر من الوصاية الخارجية «قد اجبر تلك الدول التي اعتادت على التدخل في الشأن اليمني وعلى رأسها السعودية وأمريكا لتقوم بشن عدوان ظالم على اليمن وشعبه العظيم بعد أن وجدت بأن مصالحها التي كانت تعتقد أنها لن تتحقق في اليمن إلا من خلال السيطرة على قراره السياسي وفرض عملاء ومرتزقة محليين على رأس الحكم ينفذون لها أهدافها بالطريقة التي تريدها الدول المتدخلة وليس من خلال إقامة علاقات ندية مع شعب يعتبر بالدرجة الأولى العمق الاستراتيجي لدول الجزيرة والخليج.. ولأن هذه الميزة التي كانت تتمتع بها الدول المتدخلة في الشأن اليمني لاسيما ان السفير السعودي ونظيره السفير الأمريكي كانا يتصرفان وكأنهما صاحبا القرار في اليمن.. بدليل ان السفير الأمريكي قال أثناء مغادرته للعاصمة صنعاء «إنه لم يعد لنا شيء نفعله».
»لا«
ويقول الكتاب والمحللون السياسيون ان مثل هذه الدول التي عرقلت بناء الدولة الحديثة في اليمن ووقفت ضد قيامها وخاصة السعودية قد تعودت على أن لا يقول لها أحد: لا.. فجاءت ثور 21 سبتمبر لتفرض هذه الـ»لا» المحرمة على اليمنيين في السابق والتي التف حولها اليمنيون وشعروا بعد ذلك بأن كرامتهم وسيادتهم المسلوبة قد عادت إليهم ما عدا حفنة من العملاء والمرتزقة الذين تعودوا على استلام بيع الأوطان بثمن بخس كما يفعل اليوم حزب التجمع اليمني للإصلاح وبعض مؤيديه وأنصاره حيث لم يخجلوا على أنفسهم من مجاهرتهم بتأييد العدوان على بلدهم علنا وفي بيانات رسمية.. وعليه فقد جاءت ثورة 21سبتمبر لتقطع عليهم الطريق لأن شعارها الأساسي الذي رفعته بعد قيامها مباشرة هو: «بناء الدولة اليمنية الحديثة وتحقيق الشراكة الوطنية بين كل الأطراف السياسية حتى لا يستأثر طرف على آخر» بحيث تكون مهمة بناء اليمن الجديد مسؤولية كل أبنائه مع أن ثورة 21 سبتمبر كان بإمكانها أن تنفرد بالقرار وتشكل حكومة بمفردها كما فعل الإخوان المسلمون بعد ثورات الربيع العربي عندما أقصوا كل الأطراف الأخرى التي لا تتفق مع توجهاتهم السياسية فخسروا كل شيء في غمضة عين غير مدركين أن مهمة بناء الشعوب والأوطان لا يتكفل بها طرف معين مهما اظهر الإخلاص وادعى الوطنية وإنما بناء الأوطان وقيادتها نحو مسار صحيح مهمة مجتمعية تشارك فيها كل الأطراف السياسية بدعم شعبي وهذا ما أزعج الأطراف الخارجية المتدخلة في الشأن اليمني لأنها أرادت لليمنيين أن يبقى قرارهم السياسي تحت وصايتها وتسييرهم حسب أهوائها وخدمة مصالحها.
شرف السبق
ويضيفون: انه عندما أدركت بأنه بعد قيام ثورة 21 سبتمبر قد استعصى عليها القيام بما كانت تقوم به سابقا وان اليمنيين عازمون على بناء دولة وطنية قوية وعادلة تجعل منهم رقما مهما في المنطقة وتؤسس لاستعادة دورهم الريادي الذي عرفوا به على مدى تاريخهم القديم والحديث حيث كان لهم شرف السبق في الريادة منذ سبعة آلاف عام ، طار صواب الأنظمة التي أسستها بريطانيا في شمال الجزيرة العربية والخليج وجعلت منها دويلات متفرقة تحت الحماية الخارجية لأنها تدرك تماما لو أن اليمنيين نجحوا في بناء دولتهم الحديثة واستعادوا مجدهم فإن دويلاتها المصطنعة قد تنتهي وتتلاشى تلقائيا ولذلك فهذه الأنظمة المصطنعة تعتقد بأن عدوانها البربري على اليمن وشعبها العظيم هو دفاع عن بقائها ودويلاتها المزعومة مع ان اليمنيين لا يكنون لجيرانهم إلا كل الود والاحترام ولا يتدخلون في شؤونهم بل ان هذه الدول قد بنيت على أكتاف اليمنيين.
لكن لأنهم لا يعرفون معنى الوفاء ورد الجميل لأشقائهم في اليمن على الأقل من حيث عدم التدخل في شؤونهم واستعداء الآخرين عليهم كما هو حال تحالف الشر اليوم الذي لا يرحم قصفه بالطائرات والصواريخ لا شيوخاً ولا نساء ولا أطفالاً حيث يقوم بقصف كل شيء بما في ذلك تدمير البنية التحتية للشعب اليمني بهدف خلق المتاعب مستقبلا وإشغاله بنفسه وإجهاض أهداف ثورته العظيمة- ثورة21 سبتمبر- مع أنهم يعلمون جيدا بأنهم لن يستطيعوا إعادة العجلة التي انطلقت إلى الوراء وان إرادة الشعب اليمني العظيم هي المنتصرة دوما كون إرادة الشعوب من إرادة الله التي لا تقهر.
ويؤكد كثير من المتابعين والمهتمين بالشأن اليمني إن ثورة 21 سبتمبر هي الثورة التي أنعشت الآمال للانتقال باليمن إلى مرحلة جديدة من التغيير والإصلاح السياسي والوطني الكامل خاصة أن هذه الثورة استطاعت أن تقضي على النفوذ الذي كان يحتكر الثروة وكل مقدرات البلد ومن هنا جاءت الثورة والالتفاف الشعبي حولها خاصة أنها جاءت تصحيحا لثورة 11 فبراير.
إعادة الأمل
ثورة21 سبتمبر جاءت لتعيد الأمل للتغيير بعد أن وصل إلى طريق مسدود عندما توافق هادي وبعض قوى النفوذ على إدارة البلاد بطريقة فيها نوع من الإقصاء والاستئثار والخروج عن مخرجات الحوار الوطني التي أكدت على الشراكة الوطنية فكان هادي يعمل على حصر الشراكة على قوى بعينها بعيدا عن القوى الفتية التي كانت جزءاً من الحوار الوطني وبالذات أنصار الله والحراك الجنوبي وفئة الشباب وكان الحكم منحصراً في قوتين فقط وهادي بينهما ومن هنا جاءت ثورة 21 سبتمبر التي أعادت الشراكة الوطنية إلى نصابها بعد توقيع اتفاق السلم والشراكة في سبتمبر 2014م وأعادت الأمل بأن يكون الحكم في إطار وطني ووضعت هذه الثورة أيضا حداً لمرحلة الفساد التي وصلت ذروتها بإعلان جرعة وزيادة في أسعار المشتقات النفطية دون مراعاة لظروف المواطنين وكانت البلاد تحظى بدعم دولي وكان الأحرى ان يكون هذا الدعم للاقتصاد لكي لا يتحمل المواطن أعباء الفساد الذي كان يمارس ليل نهار في حكومة الوفاق لكن الثورة وضعت حدا وبالفعل عادت الأسعار إلى ما قبل اندلاع هذه الثورة ثم ان ثورة 21 سبتمبر وضعت اليمن في تحد مهم واجهناه منذ نصف قرن وهو الاستقلال فاليمن كانت في نظر كثير من الدول مجرد حديقة خلفية للنظام السعودي وعندما جاءت هذه الثورة حررت اليمن من هذه الوصاية ووضعت حداً للتدخل الخارجي وأعلنت سيادة الشعب وان الوطن في الطريق الصحيح فبعد ان تحررنا من الاستبداد الداخلي بدأنا نحرر البلاد من الهيمنة الخارجية وربما هذا الذي أزعج أهم دولة جارة لليمن وهي السعودية والدول المهيمنة في المجتمع الدولي والتي عملت على إجهاض الثورة منذ شرارتها الأولى.
واحدية الثورة
سياسيون وكتاب يؤكدون على واحدية الثورة واستمرارية الحركة الوطنية ، فثورة 26 سبتمبر هي الأهم التي حررت اليمن من النظام الاستبدادي الملكي الذي كنا نعيشه وأيضا مهدت الطريق لتحرير الجنوب من الاستعمار البريطاني فكانت بوابة الشعب اليمني للخروج من أزمته المفروضة إلى نهضة تعليمية كبيرة وبناء دولة مؤسسات وان كنا لم نصل إلى الغاية المرجوة وهذا التغيير الكبير اصطدم بعوائق وصل إلى حد أن الطرف الذي تحكم بالسلطة أكثر من 30 عاما أراد أن يعيد الأوضاع إلى ما قبل 26 سبتمبر حين فكر في مشروع توريث السلطة وكان ذلك القشة التي قصمت ظهر البعير ، وقد رأت القوى الوطنية حينها أننا نعود إلى الاستبداد من جديد فكان لابد من ثورة مكملة فجاءت ثورة 21 سبتمبر وأهداف ثورة 26 سبتمبر لازالت باقية حتى اليوم وأيضاً أهداف الحركة الوطنية وسوف يقاس نجاح ثورة 21 سبتمبر بمدى التزامها بهذه الأهداف.
تحد كبير
ومما لاشك فيه أن التحدي الكبير بالفعل الذي واجهته ثورة 21 سبتمبر ، العدوان السعودي الأمريكي الغاشم على بلادنا ، فقد جاء بعد 6 أشهر على توقيع اتفاق السلم والشراكة وقد جاء العدوان كرد مباشر لخطاب الثورة وقائدها والذي كان واضحا عندما قال: «ان اليمن سيكون حرا وان علاقتنا مع الخارج لا بد أن تقوم على الاحترام المتبادل والمصالح المشروعة وفي إطار الندية وليس التبعية كما في الفترات الماضية» وعندما أدركت السعودية ودول الهيمنة ان اليمن سيمضي في هذا الاتجاه خططت وهيأت كل الأجواء لشن هذا العدوان الهمجي البربري على شعبنا الذي سبقه حصار دبلوماسي وسياسي من خلال محاولة وضع اليمن في عزلة وفراغ سياسي ومغادرة جميع السفارات من البلد ثم رافق هذه الحرب العسكرية حصار شامل على الأجواء والبر والبحر وكل ذلك لتركيع الشعب اليمني والقوى الثورية وإعادتها إلى بيت الطاعة السعودي وهذا التحدي العسكري نقل البلاد من مرحلة بناء الدولة وتحقيق أهداف ثورتي فبراير وسبتمبر إلى مرحلة التحدي الوجودي فنحن الآن إما أن نكون أو لا نكون ، فلم يعد الأمر مقتصراً على ثورة 21 سبتمبر وإنما مظلومية الشعب اليمني كله ، فهم يريدون ان يجعلوا اليمن أداة بيد الخارج وبالتالي هذا الصمود الشعبي الكبير في مواجهة العدوان واستمراره هو التحدي الأكبر لثورة 21 سبتمبر وقيادتها والقوى الملتفة حولها.
تحول مهم
وبحسب الكتاب والمهتمين بالشأن اليمني فإن يوم الـ 21 من سبتمبر 2014م الذي وصل فيه “أنصار الله” والقوى المتحالفة معهم إلى صنعاء ، أخذ له حيّزاً في تاريخ اليمن ، وشكل تحولاً مهماً في اليمن ، وليس تاريخ 21 سبتمبر وليد لحظته السياسية ، بل هو نتيجة صراع طويل ممتد إلى زمن الصرخة الأولى التي أطلقها الشهيد حسين بدر الدين الحوثي من مران وأن مشاريع الهيمنة على اليمن ليس لها إلا الموت. ولا تتمايز 21 سبتمبر عن مجمل مشروع أنصار الله ، فالثورة هي نتاج تاريخ الحركة ، وخلاصة مشروعها للانطلاق باليمن نحو التحرر من الهيمنة.
ويصف أنصار الله يوم 21 سبتمبر بـ“الثورة المجيدة التي أعادت الاعتبار والكرامة للشعب اليمني” ، بالمقابل يرى الخصوم في التاريخ ذكرى تعيسة لانقلاب قاد البلاد إلى الانفجار. ولذلك أتت “ثورة 21 سبتمبر”وسارت بالبلاد إلى لحظة الانفجار في 26 مارس 2015م؟
السياق السياسي
ويرى كثير من الكتاب والمحللين أنه لا يمكن فصل ما جرى في سبتمبر 2014م ، عن السياق السياسي الذي عاشته اليمن في مرحلة ما بعد 1962م ، عمليات إقصاء وتهميش شريحة كبيرة من الشعب اليمني باسم “ثورة 1962م″ ، والحرمان الذي فُرض على مناطق معينة باسم الثورة ، ولا يمكن إبعاد الأحداث عن واقع استعداء المكونات في الداخل التي مارسها النظام السياسي بعد مرحلة “الوحدة اليمنية” ، وبعد حروب صعدة (2004 – 2010م) ، ولا يمكن الفصل بين الحدث والخيبة التي مُني بها اليمنيون في مرحلة ما بعد فبراير 2011م ، “21 سبتمبر 2014م” كانت نتيجة كل هذا السياق ، وثمرة خطاب أنصار الله الذي دعا إلى الانتفاض ضد الهيمنة وإسقاطها لاستعادة الكرامة اليمنية.
باختصار يمكن الركون إلى ما يذكره الكاتب والباحث اليمني أنس القاضي والذي يقول: «إن باعث الثورة الشعبية في 21 سبتمبر ، كان “القهر الاجتماعي المتراكم منذ عقود الاستغلال والحرمان والفساد وسياسات السلطة المرتهنة للوصاية الأجنبية التي انعكست إفقاراً وديوناً وديكتاتورية”.
وبالعودة إلى ما قبل 21 سبتمبر 2014م ، فقد شكّل قرار الحكومة اليمنية برفع الدعم عن المشتقات النفطية موجة غضب واسعة في الشارع اليمني ، الذي رأى في القرار استكمالاً لسياسة التجويع والإفقار كعقاب جماعي ، وعلى إثر ذلك خرجت التظاهرات إلى صنعاء للمطالبة بإلغاء ما عرف يومها بقرار “الجرعة” وإعفاء الحكومة وتنفيذ مخرجات مؤتمر الحوار ، وكان قرار الجرعة الشرارة الأخيرة والمباشرة لانطلاق الثورة.إلا أن هناك جملة محطات شهدها اليمن بين عامي 2011-2014م ساهمت في إنضاج ثورة 21 سبتمبر ، بعد فشلها في تطويع الشعب اليمني لمشاريع استعادة الهيمنة.
دماج وكتاف
ويؤكد الكتاب والمحللون السياسيون أن تاريخ 21 سبتمبر أوصل «أنصار الله» إلى صنعاء” وثمة من يقرأ ما جرى قبل خمس سنوات على أنه حرب بدأت من منطقتي دماج وكتاف وانتهت بسقوط صنعاء ، وهو ما يستدعي الإشارة إلى أن معارك تلك المناطق ، التي تلت «انتفاضة فبراير» ، كانت أقرب إلى محاولات سعودية وأمريكية لاحتواء حركة «أنصار الله» ، لكن نستطيع القول إن الحرب التي بدأت من دماج فتحت للتغيير باباً واسعاً لمواجهة النظام ومحاربة أدواته التكفيرية بل واقتلاعها ، بعدما زرعها من صعدة حتى البيضاء وسط البلاد.”
في عام 2012م بدأت حرب دماج الأولى لتخفت وتنفجر مجدداً عام 2013م ، وكانت دماج بمثابة “محمية” تكفيرية وهابية وسط صعدة ، أوجد هذه المحمية خريجو الجامعات السعودية على رأسهم مقبل الوادعي ، وكبرت بتمويل من السعودية التي سعت إلى نشر الوهابية في اليمن ، وتحويل الزيديين والشوافع إلى وهابيين يدينون بالولاء الديني والسياسي لها ، بما يتيح للأخيرة تكريس هيمنتها على اليمن ، في حرب دماج التي افتتحها التكفيريون إنضم مقاتلو حزب الإصلاح السلفي ، وكانت السعودية تدعم المقاتلين مالياً وإعلامياً ، سقطت كتاف وبذلك استعاد أنصار الله كل منطقة دماج ، وبعدها عمران وهرب التكفيريون وأولهم آل الأحمر (زعماء الإصلاح) الذين كانوا قد استعانوا بمقاتلين من تنظيم القاعدة ضد أنصار الله ،
وبحسب الكتاب والمحللين فإن حربي دماج وعمران فُرضتا ضد أنصار الله ، إلا أن نتائجهما أتت مخيبة لكل الآلة التي خططت وموّلت مشاريع إسقاط ومحاصرة أنصار الله.
مسار تصحيحي
وبالنظر إلى كل ما تم استعراضه ، يمكن القول إن “ثورة 21 سبتمبر 2014م” أتت كمسار تصحيحي ، للتحولات التي طمح إليها الشعب اليمني قبل أن تتم مصادرتها ، كما أنها أتت لتسقط كل مشاريع الهيمنة وتسد الأبواب التي كانت تفتح لتكريس الوصاية على القرار اليمني ، ولإفشال مشروع تقسيم اليمن إلى أقاليم متناحرة.
ولأن جشع الطامحين إلى الهيمنة لا حدود له ، كان لا بد من مواجهة “ثورة 21 سبتمبر” وجهاً لوجه ، فأفشلت المبادرة الخليجية ، ومؤتمر الحوار الوطني صار كأن لم يكن ، وفي وقت كان الغضب الشعبي يتزايد ضد الحكومة التي استُثني منها أنصار الله ، فشل تكفيريو دماج في تحقيق هدف مموليهم ، ولم يتمكن آل الأحمر وحزب الإصلاح من إرضاء رعاتهم في الخارج ، حتى أن استقدام القاعدة فشل في التضييق على أنصار الله… لهذا جاء إعلان العدوان في 26 مارس 2015م ، وبما أن وكلاء الهيمنة الخارجية فشلوا في اليمن ، كان لابد للسعودية ومن ورائها الولايات المتحدة أن تظهرا في الواجهة مباشرة في الحرب ، لحسم حرب الهيمنة ، ولتضيفا هزيمة مُرة إلى هزائمهما التي راكمها ثبات الشعب اليمني وعزيمة أنصار الله في ساحاتهم.

قد يعجبك ايضا