جمال التصوير والسخرية
عبدالله أحمد حسين∗

محمد عبدالرحمن السقاف قاص واعد, دخل إلى الساحة القصصية عن طريق مجموعته القصصية “عندما تحكي المرايا” الفائزة بجائزة رئيس الجمهورية في دورتها الخامسة عشر عام 2013م, وهي مجموعة متميزة بما طرحته من موضوعات متنوعة فقد أبدى الكاتب وعيا واهتماما بالقضايا والمشاكل الحياتية التي نواجهها في حياتنا اليومية وتعرض لها, فصور معاناة الموظف الحكومي, وخيبة أمل المبدع واصطدامه بالواقع المعاش, كما تعرضت قصص المجموعة لتعنت الإداريين في تعاملهم مع الموظفين, وناقش مسألة الحريات الزائفة, التناقضات الحادة بين الأقوال والأفعال عند الكثيرين, … إلخ.
وبهذا كانت كل قصة عبارة عن مرآة نقدية تعكس صورة أو صورا مجتمعية وتعرضها بأسلوبها الخاص, وتنتقدها انتقادا واعيا, يختلط بالألم والسخرية, ومن هنا جاء عنوان المجموعة “عندما تحكي المرايا”, الذي يشير إلى محتوى المجموعة, بما يحمله من شحنات دلالية وإيحائية تحفز مخيلة القارئ وتثير توقعاته.
ويستطيع القارئ الوقوف على عدد من السمات الفنية المميزة للمجموعة والتي أهلتها لتبوء هذه المكانة دون سواها, ولعل أول ما يلفت نظر القارئللمجموعة هو أسلوب القص ولغته وطرافة التشبيهات والتصوير الساخر في قصص المجموعة, حيث تتوالى أحداث القصص بأسلوب سردي سلس, ولغة سهلة واضحة, مطرزة ببعض التشبيهات الطريفة.
وتكاد السخرية أن تكون سمة بارزة في المجموعة, وتتجلى هذه السخرية في كثير من القصص, ففي قصة “ديك على بياض” التي تعرضت لاختلال مقاييس الحياة اليومية وتداخلها, وتناقضاتها الكثيرة, تتجلى سخرية السارد من خلال تعرضه لموقف من المواقف اليومية حيث نقرأ: “صحف الصباح الرسمية تصل من وسط العاصمة إلى قريتك البعيدة رغم المسافة الشاسعة, ورغم البرد والخوف والخطر, وقبل أن يصل حتى الصباح نفسه .. وعلى النقيض فإن الكهرباء لم تعد تصل في معظم الأوقات …”()
وتكتمل حدة السخرية في التقاطه الساخر, أو بالأحرى تعليقه الذكي على ذلك بقوله: “يقولون أن قطاع الطرق يقفون في وجهها بالمرصاد بينما تسلك طريقها إلى القرية ..”()
وتبلغ السخرية ذروتها في رصده لرد فعل الناس على هذه الظاهرة في نهاية المقطع السردي, حيث نقرأ: “يتهامس البعض حين يغادرون المقهى – (ترى لماذا لا يوجد في الطريق أحد يقف في وجه الجرائد¿!)”()
وللكاتب أسلوب خاص في تصوير الأحداث والتقاطهاحيث أن لديه اهتمام واضح بالتصوير الدقيق والتقصي في الوصف, وخاصة حينما يتعلق الوصف بالجانب الداخلي للشخصية, وهذا ما يجده القارئ في هذه المجموعة منذ مطلع القصة الأولى فيها, والتي جاءت بعنوان: “ما أثقل الحلم !”()
تبدأ القصة بمشهد تصويري, وكأنه يعرض من خلال عدسة مصور سينمائي, حيث نقرأ: “بدأ لتوه مغادرا من حلم, أفاق على خطى الشمس الزاحفة على أطراف أصابعها بلا حياء, منتهزة سهو نافذته الشاردة في مراقبة العابرين تحتها, ضبطها متلبسة بجريمة أطلق عليها “إجهاض حلم”, ولم يعد يهمه من أهل الجنان زائرته هبطت, أم من جهنم صعدت¿
وبخها … بخطبة بليغة من التثاؤب لاح للعيان خلالها قطيع أسنان صفراء, تنظر للخارج بحنق وتمرد وتتراص بفوضوية وعصيان, على شاكلة أي شيء قبيح.”()
لقد استطاع السارد أن يجذبنا بهذا التصوير للدخول إلى عالمه المليء بالصور والمشاهد المتنوعة, ولا نكاد نخرج من مشهد حتى يزج بنا في مشهد أروع وأطرف لا نملك حياله سوى إبداء الإعجاب بروعة المشهد وجمال تصويره بغض النظر عن موضوعه الذي يدور حوله: “بدأ يذوب في زحام الطريق بين الأرجل التي تشبه – بعدسته- أقدام الديناصورات بينما هو يدهس بقدمية بقسوة على ظلال الأخرين, بلذة وسعادة عجيبتين …”()
إن المتأمل في هذا المشهد الطريف يشعر بمدى استصغار الشخصية لذاتها, عندما تبدو لنا –وبعدستها- صغيرة جدا بالنسبة للآخرين ولا تملك سوى دهس ظلالهم كرد فعل منها على ذلك.
يطرح القاص في هذه القصة “ما أثقل الحلم !” قضية معاناة الموظف ويصورها تصويرافنيا بارعا فقد عرضها من جميع جوانبها, كاشفا لأبعادها بطريقة ساخرة تستحق التأمل.
ولو قمنا بإعادة ترتيب الأحداث في القصة ترتيبا تصاعديا لاتضحت لنا رحلة الشقاء التي تصورها القصة فبطل القصة كان تلميذا نابغة ذا عبقرية فذة, حيث كان يحصد المراتب الأولى كل عام بامتياز, حتى تنبأ مدرسوه بأنه سيكتشف يوما ما نظرية يغير بها آفاق العلم الحديث, وستقفز به إلى مصاف عظماء المجد والتاريخ() فــ”كان يناجي نفسه سرا بأن لله في خلقه شئونا, وأنه قد آثره على كثير من الناس …”, وأن”المستقبل يفتح ذراعيه على اتساعهما ليعانق أمثاله من العباقرة, وبأنه يدخر له موضعا يليق به تحت هذه السماء التي لا ترسو على لون ولا تدخر للزمان صاحبا أو حبيبا”.()
هذه الطموحات والأحلام الوردية ل
