الإعلام المعادي يبيع الوهم.. والميدان يكشف الحقيقة

الثورة  / ماجد السياغي

لم تكن معركة الساحل الغربي، ولا مختلف المعارك التي يخوضها أبطال القوات المسلحة اليمنية في جبهات العزة والكرامة، مواجهة عسكرية بين طرفين فحسب؛ بل كانت أيضًا مواجهة شرسة على الوعي، حاول فيها إعلام العدو السعودي، ومنظومته الإعلامية والإلكترونية، صناعة انتصار مسبق وتسويقه للجمهور، قبل أن تقول الجغرافيا كلمتها الأخيرة.
ومنذ الساعات الأولى، بدا أن المعركة، بالنسبة إلى إعلام العدو السعودي وذبابه الإلكتروني، لم تعد تقتصر على نقل ما يجري في الميدان، بل أصبحت محاولة لصناعة ما ينبغي للجمهور أن يعتقد أنه يجري في الميدان.
وبينما التزمت صنعاء صمتًا نسبيًا بشأن تفاصيل تحركاتها، اندفع الطرف الآخر إلى ملء الفراغ بعناوين متلاحقة عن صد الهجمات، واستعادة المواقع، وثبات الجبهات، وتقدم القوات الموالية له. ثم تولت شبكة واسعة من المنصات والحسابات إعادة تدوير الرواية ذاتها، حتى بدا أن كثرة الناشرين أصبحت بديلًا عن كثرة الأدلة، وأن تكرار الخبر صار يُقدَّم للجمهور بوصفه إثباتًا لصحته.
لكن هذه هي المشكلة التي تقع فيها الدعاية عندما تُفرط في الثقة بنفسها: تستطيع أن تصنع انطباعًا، لكنها لا تستطيع أن تصنع جغرافيا.
سردية بلا ميدان
كان واضحًا أن الإعلام المعادي وأذنابه لم يكونوا ينتظرون اكتمال صورة المعركة؛ فقد بدأوا مبكرًا في رسم نتيجتها. لم تكن الرواية نقلًا لتطورات محدودة، بل تحولت إلى سردية متكاملة: هجوم من صنعاء، صد للهجوم، استعادة للمواقع، ثبات للجبهات، ثم تقدم لتحشيدات العدو السعودي.
وهكذا جرى تقديم أجزاء متفرقة من المشهد على أنها صورة كاملة، وتحولت الوقائع الجزئية إلى يقين شامل، قبل أن تستقر صورة الميدان.
وهذه ليست مشكلة مهنية بسيطة؛ لأن من يقرر النتيجة قبل اكتمال الوقائع لا يعود ناقلًا للحدث، وإنما يصبح طرفًا في معركة تشكيل الوعي حوله. وهنا يمكن فهم أحد أهم أسباب صمت صنعاء النسبي.
فبدل أن تنجر إلى معركة إعلامية يومية مع كل عنوان وكل تغريدة وكل ادعاء، تركت الطرف الآخر يتحدث ويرفع سقف روايته بنفسه. وكان ذلك، من زاوية إعلامية، مكسبًا لصنعاء؛ فكلما بالغ العدو في وصف انتصاره، زاد بنفسه كلفة التراجع عنه.
صدى مضلل
ما جرى في الفضاء الإلكتروني لم يكن انتشارًا طبيعيًا للأخبار. فقد تحولت عشرات المنصات والحسابات إلى غرف صدى تعيد الرسالة نفسها بصيغ مختلفة. خبر واحد يتحول إلى عشرات المنشورات، والمنشورات إلى آلاف التفاعلات، ثم يُستدل على انتشار السردية باعتباره دليلًا على صحتها. وهذه واحدة من أخطر حيل التضليل: تحويل كمية الكلام إلى بديل عن نوعية الدليل.
فانتشار الرواية لا يجعلها صحيحة، وعدد الحسابات التي تردد معلومة لا يزيد من قيمتها إذا كانت المعلومة نفسها غير مثبتة. وهنا ظهر الفارق بين الطرفين: إعلام العدو السعودي ومن معه كان يحاول تثبيت رواية عن الميدان قبل أن تستقر الوقائع، بينما كانت صنعاء تراهن على أن الميدان نفسه سيكشف في النهاية الرواية الحقيقية.
لقد اختار أحد الطرفين أن يُكثر من الكلام، واختار الآخر أن يترك الوقائع تتحدث.
في هذا الفضاء الإلكتروني، لم تعد وسائل الإعلام المعادية تكتفي بنقل الخبر، بل باتت تبيع الوهم نفسه؛ فتستحضر غائبًا، وتُغيِّب حاضرًا، وتعيد تدوير الرواية الإعلامية حتى تبدو الكذبة كأنها حقيقة قابلة للتصديق.
وعلى قاعدة: «اكذب، اكذب، حتى يصدقك الناس»، أصبح التضليل الإعلامي منظومةً متكاملة لا تبحث عن الحقيقة بقدر ما تحاصرها بجيش من الأكاذيب؛ لأن الحقيقة، كما يثبت الميدان، لا تُدفن بسهولة، وإن كانت محاولة طمسها مكلفةً على من يسعى إليها.
ومن هنا جاءت الخسارة الأعمق للإعلام المعادي: فلم يخسر الرواية فحسب، بل خسر ثقة المشاهد، الذي لم يعد متلقيًا عابرًا، بل أصبح قارئًا يقارن ويميّز ويمتحن مصداقية ما يُلقى إليه..
من الانتصار إلى إعادة التموضع
ربما كان أكثر ما كشف هشاشة رواية وسائل الإعلام المعادية لصنعاء هو تغير اللغة نفسها. في البداية كانت المفردات حاسمة: تقدم، صد، استعادة، ثبات. ثم، مع تطور الأحداث، بدأت المفردات تتغير: إعادة انتشار، إعادة تموضع، تعزيز المواقع، إعادة ترتيب الصفوف.
ولا يعني إعادة الانتشار في حد ذاته هزيمة عسكرية؛ فقد يكون إجراءً تكتيكيًا طبيعيًا في أي حرب. لكن المشكلة تظهر عندما يأتي هذا المصطلح بعد خطاب إعلامي قدم للجمهور صورة مختلفة تمامًا عن اتجاه المعركة.
هنا لا يعود السؤال: لماذا أعيد الانتشار؟ بل يصبح السؤال الأكثر إحراجًا: لماذا احتاجت الرواية الإعلامية إلى إعادة صياغة نفسها؟
وكلما اتسعت المسافة بين لغة البداية ولغة النهاية، صار من الصعب إقناع الجمهور بأن شيئًا جوهريًا لم يتغير.
الصمت تكتيك
من الأخطاء التي وقعت فيها ماكينة الدعاية الإعلامية المعادية أنها تعاملت مع صمت صنعاء باعتباره دليلًا على ضعف أو ارتباك. لكن الصمت في الحرب ليس بالضرورة فراغًا؛ فقد يكون الصمت جزءًا من إدارة المعركة.
فصنعاء لم تكن مضطرة إلى الرد على كل تغريدة، ولا إلى تفنيد كل منشور، ولا إلى الكشف الفوري عن كل تحرك عسكري. بل إن الرد المبكر على كل رواية كان سيعني الدخول في المعركة وفق أجندة العدو الإعلامية.
كان بإمكان صنعاء أن تفعل شيئًا أبسط وأكثر فاعلية: أن تترك الطرف الآخر يرفع سقف ادعاءاته، ثم تجعل الوقائع تختبرها.
وهذا بالضبط ما يجعل الصمت النسبي أكثر إثارة للاهتمام من كثرة الكلام. فالطرف الذي يكشف كل أوراقه مبكرًا يمنح خصمه فرصة لإعادة بناء روايته وفقًا لها، أما الطرف الذي يحتفظ بمساحة من الغموض فيجعل خصمه يعتمد بدرجة أكبر على التقدير والتخمين.
امتلاك زمام المبادرة
في 11 سبتمبر، أعلنت القوات المسلحة اليمنية تفاصيل عملية «والله أشد بأسًا وأشد تنكيلًا». وأكدت أن العملية بدأت في الثالث من الشهر، وقدمت حصيلة واسعة من النتائج.
وبحسب البيان، أعلنت صنعاء دحر تحشيدات العدو السعودي من ست مديريات في تعز والحديدة، بمساحة إجمالية بلغت نحو 5,400 كيلومتر مربع، وضرب سبع فرق عسكرية تضم 38 لواءً، وتحرير عدد من الأسرى، إلى جانب تنفيذ 32 عملية تصد للطيران السعودي وإسقاط تسع طائرات استطلاع مسلحة.
لم تكن أهمية بيان القوات المسلحة اليمنية في الأرقام وحدها، بل في توقيته أيضًا؛ فقد جاء بعد فترة من الصمت النسبي، وبعد أن أخذ الإعلام المعادي مساحة واسعة في تفسير ما يجري، وبعد أن أصبح الجمهور أمام روايات متعددة عن مسار المعركة.
وهنا استعادت صنعاء زمام المبادرة الإعلامية، من دون أن تحتاج إلى خوض المعركة بالطريقة التي أرادها الأعداء.
فقد جاءت الرواية من صنعاء بعد أن قطعت المعركة شوطًا ميدانيًا، لا قبل أن تتضح معالمها، وهو ما منح البيان وزنًا أكبر في مواجهة سيل الروايات التي سبقته.
فقدان القدرة على الإقناع
الحروب بطبيعتها مليئة بالمعلومات الناقصة، وقد تكون بعض الأخبار صحيحة في لحظة معينة ثم تصبح غير مكتملة بعد تغير الميدان.
لكن المشكلة الحقيقية لدى إعلام العدو السعودي كانت في تحويل الوقائع الجزئية إلى يقين كامل.
خبر محدود يصبح انتصارًا شاملًا. تقدم تكتيكي يصبح تحولًا استراتيجيًا. صد هجوم يتحول إلى انهيار كامل للخصم. ثم، عندما تتغير الوقائع، يعاد تفسير المشهد بدل الاعتراف بأن التقدير السابق كان خاطئًا. وهنا تفقد الدعاية أخطر ما تملكه: قدرتها على الإقناع.
فالخطأ الإعلامي يمكن تجاوزه، لكن تكرار الفجوة بين الرواية والواقع يجعل الجمهور أكثر حذرًا تجاه الرواية التالية، ويحوّل كل ادعاء جديد إلى مادة للمقارنة والاختبار.
فقدان المصداقية
قد يخسر الإعلام خبرًا ويعوضه بخبر آخر، وقد يخطئ في تقدير معركة ثم يصحح تقديره. لكن الخطر الحقيقي يبدأ عندما يشعر الجمهور أن ما يُقدم له ليس نقلًا للواقع، بل محاولة لتشكيله في وعيه. وهذا هو الثمن الأثقل الذي يمكن أن تدفعه أي منظومة إعلامية.
المشاهد الذي قيل له إن الجبهة ثابتة ثم شاهد تغيرًا في خطوط السيطرة، والذي قيل له إن الهجوم فشل ثم ظهرت تطورات تناقض ذلك، والذي قيل له إن القوات في موقع المبادرة ثم بدأ الحديث عن إعادة الانتشار، لن يتعامل مع الرواية التالية كما تعامل مع السابقة. سيبدأ بالمقارنة. والجمهور الذي يبدأ بالمقارنة يصبح أصعب على التضليل.
ضجيج إلكتروني بلا سيطرة
يمكن للحسابات الإلكترونية أن ترفع وسمًا، وتغرق المنصات بمئات المنشورات، وتهاجم المخالف، وتعيد تدوير الرسالة نفسها آلاف المرات.
لكنها لا تستطيع انتزاع مدينة، ولا تبديل خرائط النفوذ، ولا تحويل الانسحاب إلى تقدم بمجرد تبديل الصياغة. كما لا تستطيع أن تقنع الجغرافيا بأن ما يُروَّج على الشاشة هو الحقيقة.
وهنا ينكشف الحد الحقيقي للضجيج الإلكتروني: فهو قادر على احتلال الشاشة لبعض الوقت، لكنه عاجز عن احتلال الميدان.
ولهذا كان اعتماد إعلام العدو السعودي ومنصاته على التكرار الكثيف سلاحًا ذا حدين؛ فقد يرفع المعنويات مؤقتًا، لكنه حين يصطدم بوقائع مناقضة يتحول إلى شاهد إضافي على اتساع الفجوة بين الصورة والواقع.
صنعاء تربح معركة الوعي
في إدارة المعلومات، استفادت حكومة صنعاء من عامل بالغ الأهمية: أنها لم تجعل نفسها أسيرة التعليق على كل لحظة. فقد ترك الصمت للخصم مساحة ليتحدث، وكلما أوغل في الحديث، تضاعفت المواد التي يمكن لاحقًا اختبارها على ضوء الوقائع.
وهذه هي المفارقة التي ربما غابت عن العدو: أن الإفراط في الكلام انقلب عبئًا عليه.
فمن يعلن النصر مبكرًا يُصبح مطالبًا بإثباته، ومن يرفع سقف التوقعات يُصبح ملزمًا بتفسير كل نتيجة تقل عن ذلك السقف.
أما من يتريث في الإفصاح، فيحتفظ بهامش أوسع لقياس قوله على ما تثبته الوقائع.
وهكذا تحولت محاولة العدو ملء الفراغ الإعلامي إلى نقطة ضعف في روايته؛ إذ غدا كل عنوان مسبق قابلًا للمراجعة على ضوء ما جاءت به التطورات اللاحقة.
الميدان يهزم الواقع الافتراضي
في النهاية، لم تكن المعركة في الساحل الغربي، ولا سائر المعارك التي يخوضها أبطال القوات المسلحة اليمنية، مجرد مواجهة على الأرض، بل كانت أيضًا صراعًا على الوعي والمصداقية.
سعى إعلام العدو السعودي ومرتزقته إلى استباق الميدان بسرديةٍ جاهزة، وتقديم صورة مسبقة لمسار الأحداث ونتائجها.
في المقابل، اختارت صنعاء مسارًا مختلفًا: قدرًا من الصمت، ثم حديثًا يأتي بعد أن تقول الوقائع كلمتها.
وهنا بدا الفارق بين النهجين واضحًا؛ فالإعلام قد يسبق الميدان في العنوان، لكنه لا يسبقه في الحسم. وقد يصنع انطباعًا أوليًا، لكنه لا يملك أن يصونه إذا نقضته الوقائع. وقد يحشد آلاف الحسابات لترويج رواية ما، لكنه يعجز عن حشد الجغرافيا إلى جانبه.
ومن هنا تتكشف الخسارة الحقيقية لمنظومة الدعاية؛ فهي لا تتمثل في خطأ روايةٍ عابرة فحسب، بل في أن المبالغة في الثقة بها جعلتها أشد انكشافًا أمام امتحان الواقع.
أما صنعاء، فقد استفادت من ميزة أساسية: أنها لم تكن في حاجة إلى حرب كلامية مفتوحة. تركت خصومها يتحدثون، ثم قدمت ما يثبت روايتها في لحظة صار فيها الجمهور أكثر استعدادًا للمقارنة بين الخطاب والواقع.
وهذه مسألة جديرة بالانتباه: في الحروب، لا تنتصر الحقيقة لأنها الأعلى صوتًا، ولا لأنها الأوسع انتشارًا، ولا لأن وراءها جيشًا إلكترونيًا كبيرًا، بل لأنها تصمد حين توضع على محك الاختبار.
وإذا كان الإعلام قادرًا على تسويق انتصارٍ عابر لساعات أو أيام، فإن الميدان وحده هو الذي يقرر إن كان ذلك الانتصار حقيقةً راسخة أم مجرد صدى مؤقت.
إن ما جرى في الساحل الغربي، كما في سائر الجبهات، يقدّم درسًا واضحًا: من يحاول أن يصنع حقيقةً بالضجيج يظل محتاجًا إلى الميدان كي يسند روايته، أما من يثق بالوقائع فلا يحتاج إلى جوقةٍ إلكترونية تردد ما لا تثبته الأرض. قد يؤخر الضجيج انكشاف الحقيقة، لكنه لا يملك أن يمحوها. وحين تنطق الجغرافيا، تخفت العناوين؛ وحين يحسم الميدان، لا يبقى أمام الجميع إلا مراجعة ما قيل على ضوء ما ثبت..

قد يعجبك ايضا