أرسى الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم دعائم العدل والرحمة والإنسانية في كل شؤون حياته، وكان النموذج الأشمل والأكمل في الالتزام والتطبيق لتلك المبادئ والقيم التي جاء بها ودعا إليها ومارسها في كل تعاملاته مع الأصدقاء والأعداء على حد سواء دون تمييز أو محاباة لأي شخص أو استثناء.
التزام العدالة وتطبيقها وفقًا لما أكدته آيات القرآن الكريم هو ما فعله الرسول الأعظم، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ [النساء: ١٣٥]. والعدالة يجب أن تطبق حتى مع الأعداء، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَئنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [المائدة: ٨].
فالعدالة والرحمة والإنسانية شملت كل تعاملاته صلى الله عليه وآله وسلم ومارسها في الرضا والغضب، وفي التعامل مع العدو والصديق، لم يحد عنها ولم يخرجه غضب عن عدل، ولم تجرفه المحبة والرضا عن إقامة الحق والعدل.
حين جادل بعض المنافقين عن بعضهم وأرادوا أن يكسبوا القضية ويدافعوا ويدفعوا عن أنفسهم وعن قبيلتهم التهمة لأن المتهم منهم، وكادوا أن يطمسوا الحق، وكان المتهم يهودياً، نزلت الآيات مبرئه لليهودي ومبينة وفاضحة فعل المنافقين وكشفت كيدهم للنبي الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم وللناس أجمعين. قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا * وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا * وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا﴾ [النساء: ١٠٥ – ١٠٧]. وبين الله سبحانه وتعالى تكاتفهم على إخفاء الحقيقة وإلصاق التهمة بغيرهم: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ [النساء: ١١٣].
خلاصة القضية سرق.. منافق درعًا وكيسًا من دقمح، فلما كُشف أمره ألقاه في منزل يهودي، وشهد للمنافق قبيلته وعشيرته، وشهد لليهودي عشيرته وقومه، لكن القرآن أقام العدل وبين المسألة للنبي الأعظم وأرسى مبادئ العدالة والإنسانية. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا﴾.
المسألة إقامة العدل وإنصاف المظلومين وكف أيدي الظالمين لأن العدالة اسم من أسماء الله تعالى. ولذلك حينما وجه الرسول الأعظم صحابته الكرام بالهجرة إلى الحبشة هرباً من أذى كفار قريش واضطهادهم لهم أخبرهم أن يذهبوا إلى حيث العدالة، فقال صلى الله عليه وآله وسلم: (إن بأرض الحبشة ملكًا لا يُظلم عنده أحد فالحقوا ببلاده حتى يجعل الله لكم فرجًا ومخرجًا مما أنتم فيه).
فالهروب من الظلم والجور والتعسف والطغيان إلى العدالة من الإيمان والله سبحانه وتعالى لم يعذر إلا الضعفاء والمساكين الذين لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلاً.
عندما نحتفل بمولده صلى الله عليه وآله وسلم نستذكر تلك المبادئ الإنسانية في العدالة والرحمة للناس أجمعين يعطي القصاص من نفسه وينصف الآخرين ويعفو عن ظلمه ويحسن إلى من أساء إليه، ويكتم غيظه ويعطي من حرمة، ولا يقيم ميزانًا غير ميزان العدل والرحمة والإنسانية،
بينما كان يسوي صفوف الصحابة في إحدى المعارك إذا برجل تقدم على الصف فرده بعصا، وإذا به يسأل الانصاف منه، فيعطي النبي الأعظم القصاص من نفسه ويكشف عن بطنه فيلتزمه ويقبله، وهنا يسأله النبي الأعظم لماذا فعلت ذلك؟ فيقول: لقد حضرت المعركة ولعلي أكون شهيدًا، فأحببت أن يكون آخر العهد أن يمس جسمي جسمك يا رسول الله.
حينما جلس يوزع الغنائم بين المجاهدين من الصحابة ويستفزه منافق كما يقول الحديث (رجل غائر العينين ناتئ الجبين مشرف الجبهة محلوق قال: والله ما عدلت! فرد عليه: ((ويلك من يعدل إذا لم أعدل إنما اتألفهم) غضب الصحابة وهموا بقتله لإساءته للرسول الأعظم لكنه يأمرهم بتركه ويقول لهم (اتركوه فإنه من ضئضئ هذا أو من صئصئ هذا قوم يخرجون في آخر الزمان يقتلون أهل الإسلام ويتركون أهل الأوثان، لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد.
إن من أعظم أسباب استحقاق النصر وهزيمة العدوان والإجرام والطغيان، إقامة العدل بين الناس وتقريب العدالة وتبسيطها وتيسيرها. وفي الأمثال والحكم: إن الله ينصر الدولة الكافرة العادلة، ويخذل الدولة الظالمة ولو كانت مسلمة؛ لأن حقيقة الدين الإسلامي، أنه لا يستقيم مع الظلم والطغيان، فما ازدهرت الأمم إلا بالعدالة والإنصاف وما انهارت وسقطت إلا بالجور والظلم.
وإذا كانت الدول تفتخر ببعض نماذج العدل وبأنظمتها التي تطبقها، فإننا يجب أن نذكر الناس بالقيم والمبادئ التي أمر بها الله رب العالمين عباده المؤمنين، والتي جعلها من صميم العبادات التي يأثم من يخالفها أمام الله وأمام الناس، قال تعالى:﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ﴾ ، وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ النساء: ٥٨]. وأكد النبي الأعظم هذا المعنى فقال:(كيف يقدس الله أمة لا يُؤخذ لضعيفهم من شديدهم).
