ونحن نسمع كثيرا عن المشاريع والإنجازات من نظام ساد ثم باد، يحق لنا أن نسأل ببساطة: كم معنا من سكة حديد تربط المدن والمحافظات؟ كم ترك لنا دور اوبرا ومسارح وقاعات للفنون التشكيلية ومتاحف تحفظ تاريخنا وذاكرتنا الوطنية؟ كم دور سينما ومتنزهات وحدائق عامة وحدائق معلقة وشاليهات ومتنفسات يستمتع بها الناس أنجزها؟ كم جسرا ممتدا فوق الوديان والطرق، وكم طريقا آمنا ومهيئا لعبور المشاة؟ كم مستشفى حديثا يستقبل المواطن بكرامة، وكم مدرسة وجامعة بنيت وفق أحدث المعايير، ومعها مساكن لائقة للطلاب والمدرسين؟
وكم لدينا من موانئ ومرافئ سفن قادرة على خدمة اقتصادنا، وكم مطارا حديثا يليق ببلد يريد أن يكون له حضور بين الأمم؟ وأين أسطول الطائرات الذي يجعل السفر بين مدننا والعالم أمرا طبيعيا وميسورا؟ أين تلك المدن التي تتراقص فيها الأضواء ليلا، وتنتشر فيها الحدائق والساحات والمكنبات والمراكز الثقافية والعلمية، ويشعر فيها الإنسان أن المال الذي ينتجه الوطن قد عاد إليه في صورة خدمات وفرص وحياة كريمة؟
الدنيا سلامات. لا يضحك علينا أولئك القوم . فنحن منذ الولادة في معاناة تتبعها معاناة، ومن أزمة إلى أزمة، ومن وعد إلى وعد، بينما تتراكم الثروات في أيدي قلة، ويبحث المواطن البسيط عن أبسط حقوقه في التعليم والصحة والعمل والسكن والطريق والكهرباء والماء والأمن.
المشكلة ليست في أننا لا نملك الموارد، ولا في أن اليمن بلد فقير بطبيعته كما يحاول البعض تصويره. المشكلة في إدارة الثروة، وفي الحروب التي أكلت حاضر البلاد، وفي الفساد والنهب وسوء الإدارة والاتصال الوثيق بالعمالة والارتزاق، وفي تحويل مقدرات الدولة الى غنائم تتقاسمها مراكز النفوذ، ثم يطلبون من المواطن أن يتحمل ويدفع ويصبر ويصفق لخير لم نجده .
والمفارقة المؤلمة أن الذين ساهموا في صناعة هذا الواقع، أو استفادوا من مقدرات البلاد، نراهم اليوم ينعمون برساميلهم في بلاد الفرنجة وما جاورها، سلوا (رشاد) وزبانيته، من تركوا لنا الغبار والقراطيس تتطاير في الشوارع، ويطلبون منا في الوقت نفسه أن نصدق خطاباتهم عن الوطنية والمستقبل وعائدون يا صنعاء.
حتى الوطنية يريدونها حكرا لهم. هم الوطنيون وحدهم، ومن يخالفهم يصبح عميلا وخائنا ومدانا، وكأن حب الوطن صك ملكية خاص لشرذمة قليلين، لا يحق لبقية اليمنيين امتلاكه. والغريب أن تجد من يطبل لهؤلاء ويمقت أبناء وطنه، ويدافع عن أصحاب الرساميل والنفوذ، بينما يعيش البسطاء في قعر الجحيم، لا يملكون سوى قوت يومهم وحروفهم وصوتهم، حتى أولئك الذين هاجروا معهم فوجدوا أنفسهم على قارعة الطريق في حالة بؤس شديد وتجاهل لهم من قبل الميسورين في عواصم البترو، دولار . بما يجعلنا نسأل: لماذا يصبح صاحب المال والنفوذ مقدسا، بينما يصبح الفقير مذنبا لمجرد أنه طالب بحقه واعتنق أملا باعوه له، فلم يجد غير كالحات الأيام؟ لماذا يغفر للثري ما لا يغفر للفقير؟ ولماذا يصبح النقد خيانة عندما يوجه الى أصحاب السلطة والمال، بينما يصبح التشهير ببسطاء الناس بطولة ووطنية؟
إن الوطنية الحقيقية ليست شعارا ولا علما يرفع في المناسبات وفي مقابلات السفراء في صوالين فاخرة وفنادق سبعة نجوم، وليست وظيفة ولا امتيازا ولا حسابا مصرفيا في الخارج. الوطنية أن يكون الوطن وطنا لكل أبنائه، وأن تكون ثروته ملكا لشعبه، وأن تتحول موارده الى مدارس ومستشفيات وطرق وجامعات وموانئ ومطارات ومصانع وحدائق وفرص عمل، لا إلى أرصدة وثروات خاصة ومشاريع شخصية. في عوصم البلدان الغربية وغيرها.
نحن لا نريد قصورا للمتنفذين، بل مساكن لائقة للمواطنين. لا نريد ثروات تتكدس في الخارج، بل اقتصادا يعمل في الداخل. لا نريد خطابات، بل جامعات تنتج المعرفة، ومستشفيات تحفظ كرامة المريض، ومدارس تفتح أبواب المستقبل أمام الأطفال، وطرقا تربط اليمنيين ببعضهم بدلا من الحواجز والانقسامات.
ولا نريد أن نعيش على فتات المساعدات والمنح والوعود. نريد وطنا ينتج ويزرع ويصنع ويصدر ويستثمر موارده لصالح أبنائه. نريد دولة تقيس نجاحها بعدد المدارس التي بنيت، والمستشفيات التي تطورت، والوظائف التي خلقت، والطرق التي شقت، والجامعات التي ارتقت، والناس الذين تحسنت حياتهمم، لا بعدد السيارات الفارهة والقصور والأرصدة التي يمتلكها أصحاب النفوذ من بائعي القيم والمبادئ..
إن أعظم كذبة يمكن أن يصدقها الناس هي أن الفقر قدر أبدي، وأن البؤس هو طبيعة اليمن، وأن على اليمني أن يظل صابرا على الحرمان إلى ما لا نهاية. الشعوب لا تنهض بالصدفة، وإنما بالعدالة وحسن الإدارة واستقلال القرار واستثمار الثروة في الإنسان.
ولهذا نقولها بوضوح: كفى مزايدة على الوطنية، وكفى استخداما للفقراء وقودا للصراعات، وكفى تحميل البسطاء فاتورة أخطاء الكبار. الوطن ليس ملكا لأحد. الوطن ملك أبنائه جميعا، وثروته يجب أن تعود إليهم، ومستقبله لا يجوز أن يرهنه أحد لمصالحه الخاصة وعمالاته التي لا تنتهي.
أما أن يبقى اليمني محاصرا بين الفقر والحرب والبطالة والمرض، بينما تتنقل الرساميل المنهوبة بين العواصم، ثم يخرج علينا أصحابها ليحدثونا عن الوطنية والتضحيات، فهذه ليست وطنية، هذا تضليل جهنمي، واستهلاك للوطن حتى آخر ذرة من صبر مواطنيه.
