بينما تُحزم الحقائب الملكية المتجهة إلى باريس، تبدو الرحلة في جوهرها أقرب إلى مشهد درامي بائس.. أميرٌ يبحث عن “مظلة حماية” في عاصمة لا تملك ثمن مظلاتها من المطر، ورئيسٌ فرنسي يرى في ضيفه “صرافاً آلياً” لإنقاذ اقتصاد بلاده المتهالك. يُيمّم محمد بن سلمان وجهه شطر الـ”إليزيه” مستنجداً بالقارة العجوز، بعد أن تركه الحليف الأمريكي وحيداً يندب حظ تحالفاته الفاشلة في مياه البحر الأحمر، ظاناً أن باريس الغارقة في وحل ديونها السيادية يمكن أن توفر له الأمان الذي عجزت عن تأمينه أساطيل واشنطن ولندن أمام بأس وصمود القوات المسلحة اليمنية.
لقد تلاشت أوهام “حارس الازدهار” الأمريكي تحت ضربات الصواريخ والمسيّرات اليمنية، ليجد النظام السعودي نفسه مكشوفاً بلا غطاء استراتيجي؛ مما دفعه للهروب نحو أوروبا في مغامرة دبلوماسية ميتة سريرياً، ليصدق عليه وعلى حليفه الجديد بيت الشعر القائل:
كَمُستَجيرٍ مِنَ الرَمضاءِ بِالنارِ … وَمُبتَغي الصيدِ في عِشِّ العَصافيرِ
فالتحالفات الجديدة التي يلهث وراءها ابن سلمان ليست سوى سراب، ولن تجلب له سوى المزيد من تبديد الوقت والأموال؛ إذ كيف لفرنسا المثقلة بأزماتها أن تحمي غيرها، وهي العاجزة عن حماية هيبتها الاقتصادية والسياسية في عقر دارها؟
أولاً: انكشاف الظهر السعودي.. سقوط “حارس الازدهار” وتبدد الوهم الأمريكي
جاءت جولة محمد بن سلمان إلى أوروبا بعد اعتراف رسمي من البنتاغون الأمريكي بفشل عملية “حارس الازدهار” وعجزها عن فك الحصار البحري الذي فرضه الجيش اليمني على الموانئ الإسرائيلية أو حماية السفن الحربية الغربية.
وباتت الرياض تدرك أن واشنطن، التي سحبت حاملة الطائرات “آيزنهاور” سابقاً وتعتمد الآن على استراتيجية متموضعة، لم تعد شريكاً أمنياً موثوقاً. هذا الانكشاف الاستراتيجي ترك السعودية بلا غطاء عسكري في مواجهة الترسانة الباليستية والبحرية المتطورة لصنعاء، مما دفعها للبحث عن بديل أوروبي يوفر لها الحماية الأمنية المفقودة.
ثانياً: الاستنجاد بفرنسا.. رهانٌ على خاصرة أوروبية رخوة ومثقلة بالديون
ركّزت المباحثات السعودية الفرنسية في باريس على ملف “أمن الملاحة والممرات البحرية” ومناقشة بدائل الطرق المائية. تسعى الرياض من خلال ذلك إلى تفعيل دور بعثة “أسبيدس” البحرية الأوروبية—والتي تعد فرنسا عمودها الفقري بعد تمديد تفويضها حتى فبراير 2027م—لعلها تسد الفراغ الذي تركه الانسحاب الأمريكي.
إلا أن الرهان التحليلي على باريس يصطدم بحقائق الأرقام التي توثق عجز المستجير والمستجار به:
• جبال الديون الفرنسية: تتجه الزيارة إلى دولة تعيش اختناقاً مالياً حاداً؛ حيث تشير التقارير الرسمية إلى أن الدين العام الفرنسي يتجاوز حاجز 4.2 تريليون دولار، وهو ما يعادل نحو 118.5% من الناتج المحلي الإجمالي، مترافقاً مع عجز موازنة مزمن يبلغ 5%.
• فشل عسكري ميداني موثق: إن فرنسا التي يستنجد بها ابن سلمان لحماية البحار، هي ذاتها التي ذاقت مرارة الهزيمة البحرية في البحر الأحمر؛ حيث أُجبرت الفرقاطة الفرنسية “ألزاس” (Alsace) سابقاً على الانسحاب وإخلاء المسرح البحري بعد نفاد ذخيرتها الدفاعية بالكامل وعجزها عن التصدي لضربات المسيّرات اليمنية، مما يثبت أن الحماية الفرنسية الموعودة مجرد حبر على ورق البنتاجون الأوروبي المحترق.
ثالثاً: ما وراء الكواليس.. مقايضة السلاح بـ”غاز اليمن المحتل” والتناقض الفرنسي
خلف الشعارات الدبلوماسية البراقة، تحكم هذا اللقاء لغة المصالم المادية المجرّدة والنفاق السياسي الفاضح؛ حيث تخلت باريس عن أدبيات “حقوق الإنسان” المزعومة لتستقبل ابن سلمان بحثاً عن “صراف آلي” ينقذ ميزانيتها المنهارة، ويتجلى هذا التواطؤ في محورين استراتيجيين:
•صفقات السلاح المشبوهة: تسعى الرياض لتعويض القيود الأمريكية على الأسلحة الهجومية عبر مقايضة باريس بمليارات الدولارات لتفعيل صفقات مقاتلات “رافال” (Rafale) ومروحيات “كاراكال”، متوهمة أن السلاح الفرنسي سيغير قواعد الاشتباك التي حسمتها صنعاء
• أطماع “توتال” في غاز بلحاف: تبرز في هذه الزيارة الأطماع الفرنسية القديمة-الجديدة في الثروات اليمنية؛ حيث تمثل شركة “توتال إنرجيز” الفرنسية المستثمر الأكبر في منشأة بلحاف لإنتاج الغاز المسال في شبوة الواقعة تحت الاحتلال. يحاول ابن سلمان تقديم وعود لباريس بتأمين واستغلال الغاز اليمني لتعويض أوروبا عن الغاز الروسي المقاطَع، في خطوة تمثل قمة الوقاحة السياسية ببيع مقدرات شعب لا يملك النظام السعودي أي سيادة على قراره أو جراحه.
رابعاً: محصلة الزيارة
تبديد الوقت في غرف المغلقات وسراب الطرق البديلة تؤكد المعطيات السياسية أن مخرجات هذه الجولة لن تتعدى كونها “تبديداً للوقت” واستنزافاً للموارد في مسارات معزولة عن الواقع الميداني؛ فالتفاهمات والاتفاقات الاقتصادية وحضور فعاليات مثل ختام كأس العالم للرياضات الإلكترونية، لا يمكنها صياغة أمن حقيقي في مياه الإقليم.
إن محاولة الالتفاف على جغرافيا الممرات البحرية عبر مناقشة مشاريع سكك حديدية إقليمية أو خطوط أنابيب بديلة لمضيق هرمز وباب المندب هي قفزة فوق الواقع؛ ذلك أن الأساطيل الأوروبية نفسها باتت تلتزم بطابع دفاعي صارم وتتجنب أي صدام مباشر مع صنعاء إدراكاً منها للكلفة العالية.
السيادة اليمنية.. الصخرة التي تتحطم عليها أحلاف الغرب والشرق
إن المحصلة النهائية لهذه الجولة الدبلوماسية، تؤكد حقيقة مآلها الفشل؛ فكل التفاهمات المبرمة في قاعات الـ”إليزيه” المغلقة، والصفقات والاتفاقيات الاقتصادية، لن تغير شيئاً من الواقع الاستراتيجي الجديد الذي فرضته صنعاء بالدم والنار. لقد أثبت الشعب اليمني—بقيادته الحكيمة، وجيشه الصلب، وبأسه الشديد—امتلاكه لإرادة فولاذية لا تقبل المساومة في انتزاع سيادته الكاملة على بره وبحره وجوه، وفرض استحقاقاته الإنسانية والمشروعة المتمثلة في وقف العدوان، ورفع الحصار الشامل كلياً، وتطهير الممرات المائية من دنس الهيمنة الأجنبية.
إن الأولى بولي العهد السعودي والقيادة في الرياض، بدلاً من الركض خلف سراب العواصم الغربية وتبديد الوقت والمليارات، هو الرضوخ لمعادلة الجوار، والاعتراف بالحقوق اليمنية، والوفاء بالالتزامات الإنسانية تجاه هذا الشعب الصامد. فالحقائق الموثقة والأرقام الميدانية أثبتت للقاصي والداني أن أمريكا وبريطانيا—بكل ترسانتيهما—عجزتا عن حماية سفنهما الحربية في البحر الأحمر، وفرنسا الغارقة في ديونها العميقة لن تكون طوق نجاة لأحد.
ليعلم ابن سلمان والتحالف القابع خلفه، أن زمن الإملاءات قد ولى إلى غير رجعة، وأن اليمن اليوم بات الرقم الصعب في المعادلة الدولية؛ ولو اجتمعت قوى الأرض قاطبة، وتحالفت عواصم العالم شرقاً وغرباً، فلن ينفعوا الرياض بشيء، ولن يتزحزح المقاتل اليمني عن موقفه ومبادئه قيد أنملة، حتى يتحقق النصر الكامل وتُنتزع السيادة المطلقة، وحينها لن تنفع باريس ولا واشنطن من غضبة شعب قرر أن ينتزع حريته بكفه.
