الحصار اليمني بدأ يثقل كاهل السعودية
بلومبرغ: الحظر لم يمنع فقط المرور عبر ممر بحري بل فرض على السعودية سلسلة بدائل أغلى وأبطأ وأشد تعقيدا وقلص مرونة التصدير ورفع كلفة البرميل وأدخل عامل المخاطر مباشرة في قرارات المصافي والمشترين
التغطية التأمينية البحرية
تقرير/ إبراهيم الوادعي
شهر وبضعة أيام على فرض اليمن حصارا بحريا على السعودية وحصاراً نفطياً برياً -إن صح التعبير- على أرامكو في الداخل السعودي في جنوب مملكة آل سعود، حيث تفرض القوات المسلحة اليمنية بالنار وقفا قسريا لمنشآت أرامكو النفطية في جيزان ونجران.
..تثبت هنا القوات المسلحة اليمنية بريا معادلة عسكرية أن الأجواء اليمنية لم تعد مجالاً للنزهة، وثمن انتهاك السيادة اليمنية أياً يكن سيكون باهظاً ومكلفاً.
وفقا لأرامكو، جرى تمديد وقف مصفاة جيزان حتى نهاية أغسطس الحالي، ومن المتوقع، إن لم يكن هناك حلول أنه سيتم تمديد الوقف إلى آجال أخرى، في ظل تمسك صنعاء بموقفها القاضي بأن تبدأ السعودية الخطوة الأولى ليصار إلى رفع الحصار المتبادل.
وإجمالا فالحصار اليمني بدأ يلقي باكرا بثقله على الاقتصاد السعودي تحديدا ودول خليجية أخرى بالنظر إلى تعقيدات الوضع في مضيق هرمز، وعقد اتفاقات لتصدير نفطها إلى خط شرق غرب السعودي، لم يكن أمامها الكثير من الوقت..
وفقا لمواقع تتبع الملاحة الدولية والى سجل ميناء ينبع النفطي على البحر الأحمر وفي دخول ناقلات النفط للقيام بعمليات تحميل، أظهرت البيانات انخفاض عمليات الدخول إلى الميناء لتحميل النفط بأكثر من الثلث منذ إعلان الحصار اليمني في العشرين من يوليو الماضي على ملاحة العدو السعودي..
بيانات «لويدز ليست» أكدت أن الحظر أدى إلى خفض حركة ناقلات النفط العملاقة في ينبع بنسبة 35%.
وأن السعودية تسعى جاهدة إلى إبقاء تدفقات النفط الخام مستمرة عبر حل مؤقت يعتمد على خط أنابيب في مصر.
وأشارت إلى أن هذه العملية مكلفة وتتطلب ثلاث مراحل تشمل ناقلات لنقل الخام بين الموانئ، وخط أنابيب «سوميد» المصري، وميناء سيدي كرير على البحر المتوسط.
لافتة إلى أن هذا النظام المركب سيشغل عددًا أكبر من السفن ويضيف أسابيع إلى مدة الرحلات بالنسبة للمشترين الآسيويين.
ميناء ينبع النفطي على البحر الأحمر، تحول إلى شريان حياة بالنسبة للمملكة السعودية، وإبقاؤه حيا ولو بالقدر الأدنى مسألة حياة أو موت للمملكة بالنظر إلى الأزمة وتعقيدات الوضع شرقا على الخليج ومضيق هرمز، وانخراط السعودية في المواجهة ضد محور المقاومة بشكل علني ، نتحدث عن الضربة الجوية التي وجهتها طائرات سعودية بدعم القيادة المركزية الأمريكية (سنتكوم) في فجر 29 يوليو 2026 والتي أسفرت عن استشهاد 20 مجاهدا على الأقل وإصابة 32 آخرين من فصائل الحشد الشعبي العراقي، كما خلفت دمارا في مواقع القصف بـ» نينوى التي شهدت الضربة الأعنف. وديالى وبغداد. وكركوك. وواسط. وبابل كربلاء. والبصرة، وأجلت فصائل الحشد ردها تحت ضغوط عراقية داخلية لا يمكن لها أن تستمر في ظل تحشيدات بالمنطقة في داخل معسكري محور الجهاد والمقاومة والمعسكر الأمريكي الذي تنتمي اليه السعودية ومشيخات الخليج والأردن وسريا الجولاني.
إنشأت السعودية خط شرق غرب لنقل النفط من شرق المملكة إلى غربها على البحر الحمر في ثمانينيات القرن الماضي، مع استعار حرب الناقلات خلال الحرب العراقية على الجمهورية الإسلامية الفتية آنذاك بدعم أمريكي وخليجي وسوفيتي .
وظل خط أنابيب ينبع ينقل نحو مليون إلى مليون ونصف برميل من النفط يوميا، يذهب غالبيته لتشغيل المصافي الداخلية في المملكة، باعتبار أن المنفذ على الخليج ومضيق هرمز يظل أقل كلفة وتبقى أهمية هذا الخط عند وقوع أزمات في الخليج ومضيق هرمز، وهو ما حدث.
وقبل أزمة مضيق هرمز والعدوان على الإسرائيلي الأمريكي على ايران، كان مضيق هرمز ينقل نحو 20 إلى 23 مليون برميل من النفط والمنتجات البترولية يومياً، ما يمثل تقريباً 20% إلى 25% من إمدادات الطاقة العالمية المنقولة بحراً، تذهب 80% من هذه الشحنات إلى الأسواق الآسيوية.
يضاف إليها 20% من صادرات العالم للغاز المسال، حيث توجد في قطر منشأة لفان وهي أكبر منشأة في العالم لتسييل الغاز، كما تعد بين المنشآت الأكبر عالميا في إنتاج الهيليوم الضروري في مجالات الطب والإلكترونيات خاصة الرقائق الإلكترونية التي ارتفع سعرها بسبب الأزمة الحالية وتعطل المنشأة في الوقت الحالي، نتيجة الضربات التي تعرضت لها وصعوبة إعادة تشغيلها، نتيجة الكلف العالية لعملية الإصلاح وبقاء الوضع الخطر (حاولت قطر إعادة جزء من المنشأة للعمل عقب اتفاق إسلام آباد، غير أن انفجارا عرضيا كشف أن الأضرار أكبر من المتوقع والمنشأة بحاجة إلى فحص شامل قبيل السماح بإعادة التشغيل).
بالأرقام:
في 3 أغسطس الحالي قدرت Kpler تحميلات ينبع بـ 1.78 مليون برميل/يوم مقابل 4.04 مليون قبل الحصار اليمني ، أي انخفاض 2.26 مليون برميل/يوم = 55.9%. أما Vortexa فقد قدرت التحميلات 2.38 مليون برميل/يوم مقابل 2.71 مليون في الأسبوع السابق، بانخفاض 330 ألف برميل/يوم = 12.2%. اختلاف الأرقام ناتج عن الرحلات الخفية.
ووفق Kpler، فإن حوالي 70% من عمليات التحميل على الساحل الغربي السعودي خلال الأسابيع الأخيرة، أصبحت دون تتبع مستمر، وجميع شحنات ينبع منذ 23 يوليو كانت على سفن بدون تغطية نظام التعريف الآلي AIS مستمرة. وهذا يخلق مشكلة إضافية للسعودية والأسواق العالمية: عدم معرفة حجم النفط الخارج فعليًا من الموانئ الغربية السعودية في الوقت الحقيقي.
وبحسب كابلر، انخفض متوسط حركة السفن عبر باب المندب إلى حوالي 32 سفينة يوميًا مقابل نحو 50 سفينة يوميًا قبل الحظر، أي انخفاض يقارب 36%.
ونتيجة الحظر اليمني على الطريق الجنوبي، اتجهت السعودية -وفقا لفورتكسا- إلى زيادة استخدام المسار الشمالي عبر قناة السويس وخط سوميد. وبلغت تحميلات الخام والمكثفات في سيدي كرير 2.17 مليون برميل/يوم في الأسبوع المذكور، بزيادة تقارب 50% عن الأسبوع السابق، وكان نحو 90% منها نفطًا سعوديًا،
ووفق مارين ترافك، فإن المسار الشمالي عبر قناة السويس تندرج ضمنه العديد من المشاكل والصعاب، منها طول المسافة، حيث تستغرق الناقلات 56 يوما عبر قناة السويس ثم رأس الرجاء الصالح لتصل إلى وجهتها مقابل 24 يوما عبر باب المندب بالإضافة إلى تكاليف شحن أعلى ..
ومن العوائق التي تواجه الملاحة السعودية عبر المسار الشمالي إعادة توجيه النفط الخام عبر 3 مراحل معقدة تشمل نقله بالناقلات بين الموانئ ثم عبر خط “سوميد” المصري ثم إلى ميناء سيدي كرير إلى البحر المتوسط في محاولة، علاوة على ذلك فإن خط سوميد النفطي لا يستطيع إستيعاب سوى 2.5 مليون برميل يوميا وما يصل إلى ينبع يقارب 5 ملايين أو اكثر، بحسب الإحصائيات.
مسارات بعيدة للإبحار
بحسب بلومبرغ، فإن تهديد الملاحة السعودية في البحر الأحمر أربك مجددًا صادرات النفط، وأجبر المملكةَ وعملاءَها على مسارات بديلة أطول وأكثر كلفة لتفادي باب المندب.
وقالت الوكالة إن ناقلات متجهة إلى آسيا باتت تلتف حول أفريقيا في رحلات تصل إلى نحو 17 ألف ميل، فيما تطلب مصافٍ آسيوية تسلّم الشحنات من سيدي كرير بدلاً عن ينبع لصعوبة إيجاد سفن مستعدة للتوجه إليها، وأضافت أن السعودية بدأت تعرض على عملائها الصينيين تسلّم النفط من خليج عُمان، بينما أظهرت بيانات الشحن نقل نحو 8 ملايين برميل من الموانئ السعودية على الخليج منذ 11 أغسطس، وأشارت بلومبرغ إلى أن التعقيدات الجديدة ترفع كلفة إيصال الخام وتبقي الصادرات السعودية دون مستويات ما قبل التصعيد.
وتكشف معطيات بلومبرغ تحولاً إلى ضغط لوجستي وتجاري متراكم يعيد هندسة منظومة تصدير النفط السعودي من نقطة التحميل إلى المشتري النهائي ويرفع الكلفة على واحد من أكبر مصدري الخام في العالم.
فمنذ إعلان الحظر، أخذت ناقلات محملة من ينبع تتجنب باب المندب وتتجه شمالًا نحو سيدي كرير والعين السخنة في مصر قبل إعادة توجيه الشحنات إلى الأسواق أما المتجهة منها إلى آسيا فباتت تواجه رحلة شديدة الكلفة حول أفريقيا تمتد إلى نحو 17 ألف ميل أي أكثر من ضعف المسافة المعتادة.
وحجم الاضطراب، يظهر أيضا في حركة الأسطول، إذ رصدت بلومبرغ سفنًا تديرها سينوكور الكورية وديناكوم اليونانية ودي إتش تي النرويجية وهي تنقل الخام بين ينبع والعين السخنة، فيما اضطرت 6 ناقلات سعودية عملاقة فارغة إلى تفادي باب المندب بالكامل والدوران بمحاذاة الساحل الأفريقي نحو المتوسط.
وكشفت أن الرياض تبحث بالتوازي عن منفذ آخر شرقًا بعرض شحنات على مشترين صينيين للتسلم من خليج عمان خارج هرمز، ومنذ 11 أغسطس نقلت 4 ناقلات عملاقة نحو 8 ملايين برميل من موانئ السعودية على الخليج، ثلاث منها مملوكة لسينوكور(تدفع ناقلات النفط رسوما لإيران تزيد عن مليوني دولار مقابل خدمات مرور وخدمات بيئية).
لكن الأثر الأخطر ينتقل من البحر إلى السوق، فمخصصات آسيا لا تزال أدنى بكثير من مستويات ما قبل التصعيد وإجمالي الصادرات السعودية لم يستعد مستواه السابق فيما تدرس مصفاة شرق آسيوية على الأقل إلغاء شحنة سبتمبر بسبب تكاليف النقل الإضافية.
وتقول بلومبرغ : في المحصلة إن الحظر لم يمنع فقط المرور عبر ممر بحري، بل فرض على السعودية سلسلة بدائل أغلى وأبطأ وأشد تعقيدا وقلص مرونة التصدير ورفع كلفة البرميل وأدخل عامل المخاطر مباشرة في قرارات المصافي والمشترين وكلما طال أمد هذا الواقع تحولت المشكلة من اضطراب ملاحي مؤقت إلى استنزاف لوجستي يضغط على تنافسية الخام السعودي وحصته في أهم أسواقه.
وأشارت بلومبرغ إلى أن شركة أرامكو السعودية أبلغت عملاءها الأوروبيين بمخصصات متأخرة من شحنات النفط بنحو أسبوع عن المعتاد.
تطور قاس
وفي تطورٍ جديدٍ 19 أغسطس الحالي، تلقّت الملاحةُ البحريةُ السعوديةُ ضربةً قاسيةً عقب فرضِ شركاتِ التأمينِ استثناءً شاملاً لسفنها من وثائق تغطيةِ المخاطرِ الجيوسياسية ومخاطرِ الحربِ في البحر الأحمر.
موقع لويدز ليست المختص بالملاحة البحرية، كشف عن استثناء شامل وكامل على السفن المملوكة أو المُدارة أو التي ترفع علم السعودية من التغطية التأمينية الجديدة لشراء المخاطر، حيث لن تتمتع بأي تغطية تأمينية ضمن ترتيبات استعادة المخاطر المقترحة للعبور عبر البحر الأحمر التي تقدمها أندية الحماية والتعويض.
خطوة استبعاد السعودية، جاءت بعد إلغاء التغطيات التأمينية السابقة وإجبار النوادي على إعادة تسعير ومراجعة شروط التغطية لمواجهة المخاطر الجيوسياسية المتزايدة وإعادة تسعير مخاطر الحرب بحسب موقع لويد ليست، مما أجبر أندية الحماية والتعويض على طرح حلول وتغطيات بديلة خلال أيام قليلة لتجنب الارتفاع الحاد في أسعار أسطول الشحن، كما حدث في أزمات سابقة عبر شروط جديدة أكثر تشددا، حيث أصبحت العروض التأمينية المقدمة للتغطية البديلة مصممة خصيصًا لكل حالة بحسب الطلب وتُفرض رسومها عن كل خرق رحلة.
وفي السياق، أكدت رويترز عن مصادر في سوق التأمين البحري أن شركات التأمين تمتنع عن تقديم أسعار لتغطيات جديدة للسفن المرتبطة بالسعودية في البحر الأحمر وأن تقييمات استخباراتية تضع السفن السعودية عند أعلى مستوى للمخاطر في ظل إعلان اليمن حصارًا على الملاحة السعودية.
وأضافت رويترز: الملاحة السعودية شبه معزولة تأمينيًا في البحر الأحمر، مما يفرض تكاليف باهظة وقيودًا غير مسبوقة على حركة تجارتها البحرية.
ويقول مشترون إن التهديدات اليمنية جعلت العثور على سفن مستعدة للإبحار إلى ينبع أكثر صعوبة مع ازدياد المخاطر التي تواجه طرق التصدير الرئيسية لديها عبر مضيق هرمز من الخليج.
البضائع
وفي سياق متصل .. انخفض إجمالي أطنان البضائع السعودية من 14,344,915 طنًا في يونيو إلى 8,495,338 طنًا في يوليو، أي انخفاض 5,849,577 طنًا = 40.8% – بحسب الهيئة العامة للموانئ السعودية- ، وتراجعت مناولات الموانىء السعودية إلى نحو 43% مقارنة بالفترة ذاتها من العام الماضي، وهذا التراجع هو أحد المؤشرات السلبية المهمة عند ربط بيانات الموانئ بالحظر اليمني.
وتورد مجلة لويدز ليست، أن بعض مالكي السفن والمشغلين لها يتجنبون التوقفَ في موانئ السعودية على البحر الأحمر، خشية أن يطالهم الحظر اليمني المفروض على الملاحة السعودية.
