الهوية الإيمانية.. من المحراب إلى المتراس

د. شاهر أحمد عمير

تمثل الهوية الإيمانية لليمنيين ركيزة أساسية وعميقة الجذور تمتد عبر قرون من الارتباط الوثيق بالرسالة المحمدية والمنهج الإسلامي الأصيل، وهو ارتباط يتجدد سنوياً ويتبدى في أبهى صوره مع الإقلال من مظاهر الاحتفال التقليدية والاتجاه نحو إحياء ذكرى المولد النبوي الشريف باعتباره محطة تربوية وفكرية وتعبوية كبرى. إن هذا الاحتفاء ليس مجرد مناسبة عابرة توقفها طقوس شكلية، بل هو محطة استثنائية لترسيخ الارتباط الوجداني والعملي بالنبي الأكرم محمد صلى الله عليه وآله وسلم، واستلهام سيرته العطرة في الصبر والثبات ومواجهة التحديات. ومن خلال تتبع مسار التحضيرات الواسعة لهذه المناسبة في مختلف المحافظات اليمنية، يلحظ المراقب حجم التفاعل الشعبي والرسمي الذي يعكس حالة متقدمة من الوعي الجمعي بأهمية العودة الصادقة إلى القيم المحمدية، وكيف تتحول هذه الروحانية المتوقدة إلى طاقة دافعة ومحركة لمختلف مناحي الحياة، لا سيما في الجانب الروحي والمعنوي الذي يغذي وجدان الأمة اليمنية في ظل الظروف الاستثنائية التي تمر بها البلاد.
إن القراءة الفاحصة لطبيعة التفاعل المجتمعي في اليمن مع ذكرى المولد النبوي الشريف توضح بجلاء كيف تستحيل هذه المناسبة إلى مدرسة متكاملة للتربية الإيمانية والبناء الفكري، حيث تسهم الفعاليات والأنشطة المتنوعة والندوات التثقيفية في تعزيز وحدة الصف ورفع مستوى الوعي بمؤامرات الأعداء التي تستهدف النيل من ارتباط الأجيال بهدي القرآن الكريم وسيرة نبيهم. فالتحضيرات التي تبدأ مبكراً وتتسع دائرتها تشمل كافة الشريحة المجتمعية، مما يعكس حالة من التلاحم غير المسبوق وتجسيداً عملياً لمعنى الانتماء الحقيقي للإسلام. هذه البيئة الإيمانية الحاضنة لا تقتصر دلالاتها على البعد الاحتفالي فحسب، بل تمتد لتشكل حائط صد منيعاً أمام كل محاولات المساس بالهوية الدينية والثقافية لليمن، وتؤسس لوعي مستنير يدرك تماماً قيمة الاستقلال والحرية المستندة إلى المبادئ الإنسانية والعقائدية الراسخة.
وما بين الزخم الكبير لتحضيرات المولد النبوي والصلابة المشهودة في الميادين والجبهات، يبرز ترابط عضوي يعكس تجليات الهوية الإيمانية في أصفى صورها؛ فالثبات الذي يسطره أبناء اليمن الأحرار في ميادين العزة والكرامة والدفاع عن السيادة والوطن، إنما ينبع أساساً من ذلك المعين الروحي الصافي المستمد من ولاء الصادقين واتباع النهج المحمدي القويم. إن المرابطين في الثغور والمدافعين عن حياض الوطن يمثلون الامتداد الحقيقي لروح الأنصار الأوائل الذين نصروا النبي في أشد الساعات قسوة، والذين جعلوا من الإيمان قوة فاعلة تقهر المستحيل وتحطم رهانات قوى الاستكبار. ولهذا فإن العناوين العريضة للثبات في الميدان – سواء على الصعيد العسكري أو الصعيد الشعبي والسياسي – تجد تفسيرها الحقيقي في تلك التربية الإيمانية المتجذرة التي تعلم الإنسان اليمني كيف يكون عزيز النفس، ثابتاً كالجبال، لا تلين له قناة ولا تهتز له إرادة مهما اشتدت العواصف وتكالب الأعداء.
ومن رحمة الله سبحانه وتعالى وعدله وحكمته أنه جعل لكل عمل يقصد به وجهه ونصرة دينه وإعلاء كلمته وإغاظة أعدائه أجراً جزيلاً وثواباً عظيماً، وقد دلت النصوص الشرعية على أن ما يغيظ الكفار والمنافقين هو عمل صالح يثاب عليه المسلم، كما في سورة التوبة في سياق الحديث عن الجهاد في سبيل الله بقوله تعالى: (مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُم مِّنَ الأَعْرَابِ أَن يَتَخَلَّفُواْ عَن رَّسُولِ اللّهِ وَلاَ يَرْغَبُواْ بِأَنفُسِهِمْ عَن نَّفْسِهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لاَ يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلاَ نَصَبٌ وَلاَ مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ يَطَؤُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلاَ يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَّيْلاً إِلاَّ كُتِبَ لَهُم بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ).
وعليه، فإن الربط العميق بين الاحتفاء بالمولد النبوي الشريف وبين الصمود الأسطوري في الميدان في مواجهة العدوان السعودي والأمريكي يؤكد أن الهوية الإيمانية لليمن ليست شعارات ترفع، بل هي عقيدة وممارسة وموقف عملي ثابت لا يتجزأ. إنها الهوية التي تصنع الرجال وتصون الكرامة وتحفظ الأمة من التبعية والانهزام، وتقدم نموذجاً فريداً لشعب استطاع بوعيه الإيماني وصلابة إرادته أن يحول المعاناة والعدوان إلى فرصة لإثبات الذات والانتصار للحق. ومع كل مناسبة كذكرى المولد النبوي، تتجدد هذه الروح وتتأكد هذه الحقيقة، لتظل جبهات العزة وميادين الشرف ناطقة بصدق الانتماء، وشاهدة على أن الشعب اليمني، بتمسكه بهويته الإيمانية وهدي نبيه، ماضٍ بثبات وثقة نحو تحقيق تطلعاته المشروعة في الحرية والاستقلال والعيش الكريم.

قد يعجبك ايضا