الأسرة/ زهور عبدالله
مع إطلالة ذكرى المولد النبوي الشريف، تتجدد في وجدان اليمنيين مشاعر المحبة والوفاء لرسول الإنسانية محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وتكتسي المدن والقرى مظاهر الابتهاج والإنارة والابتهالات والفعاليات الدينية والثقافية، احتفاءً بمناسبة تحمل مكانة راسخة في الوجدان الإسلامي.
غير أن هذه المناسبة بما تحمله من دلالات روحية وإنسانية عميقة، يمكن أن تتجاوز إطار الاحتفال والمظاهر إلى مساحة أوسع، تتحول فيها القيم التي جسدها النبي الكريم في سيرته إلى سلوك وممارسة ومبادرات تسهم في بناء الإنسان والأسرة والمجتمع، وتجعل من المولد النبوي منطلقاً لمشروع تربوي واجتماعي يستشرف المستقبل.
المولد.. مساحة لتعزيز التماسك الاجتماعي
لا يقتصر الاحتفاء بالمولد النبوي على التجمعات والفعاليات والابتهالات، بل يمثل فرصة لتعزيز الروابط الاجتماعية وإحياء قيم التكافل والتراحم والتعاون بين أفراد المجتمع.
وفي ظل ما تواجهه بعض المجتمعات من انقسامات وتحديات اجتماعية واقتصادية، يمكن للمناسبة أن تكون مساحة للتلاقي والتقارب، يجتمع فيها الناس على قيم المحبة والرحمة والتسامح، ويتجاوزون الخلافات بما يعزز روح الأخوة والتماسك المجتمعي، فالرحمة التي كانت من أبرز القيم التي جسدها الرسول الكريم في تعامله مع الناس، لا ينبغي أن تبقى مفهوماً نظرياً، وإنما تتحول إلى سلوك اجتماعي ملموس من خلال رعاية الفقراء، ومساندة المحتاجين، والاهتمام بالأيتام، ودعم الأسر الأشد احتياجاً، وإطلاق المبادرات التي تخفف من معاناة الناس.
من السيرة إلى التربية.
ويرى مختصون أن أحد أبرز التحديات التي تواجه المجتمعات اليوم يتمثل في إعادة بناء الإنسان وتعزيز منظومة القيم لديه، وهو ما يجعل المولد النبوي فرصة تربوية مهمة أمام الأسرة والمدرسة والجامعة والمؤسسات الثقافية.
ويمكن أن تتحول المناسبة إلى محطة لتعريف الأجيال الجديدة بسيرة الرسول الكريم، ليس باعتبارها أحداثاً تاريخية فحسب، وإنما بوصفها نموذجاً عملياً لقيم الصدق والأمانة والعدل والإحسان والصبر والمسؤولية.
كما تستطيع المدارس والجامعات استثمار المناسبة في إقامة الندوات والمسابقات والأنشطة الثقافية التي تربط بين السيرة النبوية وقضايا الحياة المعاصرة، بما يساعد على تحويل المعرفة بالسيرة إلى وعي وسلوك، ويجعل القيم النبوية حاضرة في حياة الناشئة.
الأسرة.. نقطة البداية
وتبقى الأسرة الحلقة الأولى في عملية بناء الإنسان، ومن هنا تبرز أهمية أن تستثمر الأسر مناسبة المولد النبوي في تعزيز الحوار مع الأبناء وتعريفهم بالسيرة النبوية والقيم التي حملتها.
وقد يكون اجتماع الأسرة حول قراءة صفحات من السيرة، أو مناقشة موقف من مواقف الرسول الكريم، أو مشاهدة مادة معرفية مناسبة، فرصة لترسيخ القيم في نفوس الأبناء بصورة عملية وبعيدة عن التلقين.
فالطفل الذي يتعلم في أسرته معنى الرحمة والصدق والأمانة والتعاون، ثم يراها سلوكاً يمارسه والداه ومن حوله، يكون أكثر قدرة على تحويل تلك القيم إلى ممارسة في المدرسة والشارع والمجتمع.
من الاحتفال إلى المبادرة
إن التحدي الحقيقي لا يكمن في الاحتفاء بالمناسبة، وإنما في القدرة على تحويل دلالاتها إلى مبادرات مستمرة تخدم المجتمع.
ومن هنا يمكن أن تشهد ذكرى المولد إطلاق مبادرات لمحو الأمية، ودعم التعليم، وتشجيع العمل التطوعي، ومساندة المرضى والمحتاجين، والعناية بالبيئة، ودعم الأسر المنتجة والمشروعات الصغيرة، بحيث لا تنتهي آثارها بانتهاء أيام الاحتفال.
ومثل هذه المبادرات، إذا تحولت إلى أعمال مستمرة، يمكن أن تشكل نموذجاً عملياً لترجمة القيم الدينية إلى أثر اجتماعي وتنموي ملموس.
الإعلام والثقافة.. مسؤولية صناعة الوعي
ولا يكتمل هذا الدور دون حضور فاعل للإعلام والثقافة، إذ يمكن للإعلام أن يتجاوز التغطية التقليدية لمظاهر الاحتفال إلى تقديم محتوى يبرز الجوانب التربوية والاجتماعية والإنسانية في السيرة النبوية.
كما يمكن للبرامج التلفزيونية والإذاعية والمنصات الرقمية أن تسلط الضوء على قصص المبادرات المجتمعية، وتجارب الشباب الذين حوّلوا القيم التي استلهموها من السيرة إلى أعمال ومشروعات تخدم مجتمعهم.
أما الثقافة، بما تمتلكه من أدوات أدبية وفنية، فتستطيع تقديم القيم النبوية في قوالب معاصرة قادرة على الوصول إلى الأجيال الجديدة، وربط التراث بالقضايا التي يعيشها الإنسان اليوم.
قيم النبوة.. طريق إلى النهضة
وفي عالم تواجه فيه المجتمعات تحديات علمية واقتصادية واجتماعية متسارعة، تبرز الحاجة إلى استلهام القيم التي أسست لحضارة إسلامية قامت على العلم والعمل والعدل والتكافل والمسؤولية.
فالنهضة لا تبدأ من الشعارات، وإنما من الإنسان، والإنسان يتشكل داخل الأسرة، وتعمل المدرسة والجامعة على بناء وعيه، ويسهم المجتمع والإعلام والثقافة في توجيه هذا الوعي نحو العمل والإنتاج وخدمة الآخرين.
ومن هنا يمكن للمولد النبوي أن يكون محطة سنوية لمراجعة الذات، ليس فقط على مستوى الفرد، وإنما على مستوى الأسرة والمؤسسة والمجتمع، والسؤال عن مدى حضور القيم التي نحتفي بها في واقع حياتنا.
من إحياء الذكرى إلى صناعة المستقبل
المولد النبوي الشريف ليس مناسبة عابرة في الوجدان، بل فرصة لاستحضار نموذج إنساني وقيمي يمكن أن يكون حاضراً في تفاصيل الحياة اليومية.
فإذا بقي الاحتفاء في حدود المظاهر والفعاليات، فقد نفقد جانباً مهماً من جوهر المناسبة. أما إذا تحول الحب إلى سلوك، والاحتفاء إلى مبادرة، والقيم إلى عمل، والسيرة إلى مشروع تربوي واجتماعي، فإن المناسبة تصبح أكثر ارتباطاً بحاضر الإنسان ومستقبله.
فمحبة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لا تقتصر على الكلمات والقصائد، وإنما تتجسد في الرحمة والصدق والأمانة والعدل والعطاء وخدمة الناس.
وهكذا، يصبح المولد النبوي الشريف أكثر من استحضار للماضي؛ يصبح موعداً سنوياً لتجديد القيم، وبناء الإنسان، وتعزيز تماسك الأسرة والمجتمع، واستشراف مستقبل أكثر إنسانية ونهضة.
